إعادة غزو السودان والحكم الثنائي البريطاني - المصري 1898 – 1956

الثاني من شهر مايو عام 2018م



بروفيسور/ فدوى عبد الرحمن علي طه

 

المستخلص:

تتناول هذه الورقة إعادة غزو السودان من قبل القوات الإنجليزية - المصرية 1896 - 1898 والحكم الثنائي 1899 - 1956، مبينة الأسباب التي استدعت إعادة غزو السودان. تتعرض الورقة لاتفاقية الحكم الثنائي التي وقعت في يناير 1899 ومنحت بريطانيا اليد العليا في إدارة السودان. توضح الورقة أيضاً التطورات السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية التي حدثت. كما يفرد جزء من الورقة لحركات المقاومة المبكرة ضد الحكم الثنائي. وتناقش أيضاً مراحل تطور الحركة الوطنية السودانية وانقسامها وتفاقم المقاومة للحكم الاستعماري عقب الحرب العالمية الثانية. تتعرض الورقة أيضاً للتطورات الدستورية 1944 - 1948 مثل قيام الجمعية التشريعية، وردود الفعل لقيامها. تبين الورقة مفاوضات الحكم الذاتي وتقرير المصير بين الحكومة البريطانية والحكومة المصرية الجديدة التي تكونت عقب وقوع الانقلاب العسكري في مصر واعتراف قادته بحق الشعب السوداني في الحكم الذاتي وتقرير المصير. وتوقيع اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصيرفي 12 فبراير 1953.، مراحل تنفيذها والعوامل التي أدت إلى إجماع الشعب السوداني على استقلال السودان دون خيار الاتحاد مع مصر.

 

 

 

 

 

المقدمة:

منذ الاحتلال البريطاني لمصر في سبتمبر 1882 كانت الخطوة التالية المتوقعة في اتجاه مد النفوذ البريطاني احتلال السودان،  إذ أن تأمين مصالح بريطانيا في مصر لن يكتمل دون السيطرة على السودان.  إلا أن مصالح بريطانيا في مصر والسودان لم تهدد إلا في عام 1896 عندما قامت الحكومة الفرنسية بمناوشات في أعالي النيل. (1) وفضلت بريطانيا منذ الاحتلال البريطاني لمصر أن تبقى دولة المهدية في السودان تجنباً للصراع الاستعماري مع الدول الأوربية الأخرى خاصة فرنسا.

إلا أن بريطانيا بدأت في اتخاذ الخطوات اللازمة التي تمكنها من غزو السودان مستقبلاً. وكانت أول خطوة اتخذتها تكوين جيش مصري قوي حديث. وبدأت في رصد الأوضاع الداخلية لدولة المهدية وأسست جهازاً للمخابرات بعث بعدد من الجواسيس الذين تغلغلوا في كل نواحي الحياة في الدولة المهدية.(2)

أصبحت دولة المهدية محاطة بالتوغل الاستعماري قبل إرسال حملة إعادة غزو السودان بقيادة كتشنر. ففي البحر الأحمر أرسلت بريطانيا حملات عسكرية إلى سواكن لتخفيف ضغط عثمان دقنة أمير المهدية في الشرق عليها. وفي عام 1886 عين كتشنر حاكماً على سواكن وشواطئ البحر الأحمر. وتمكنت بريطانيا من هزيمة دقنة في عام 1890 واحتلال طوكر فأمن البريطانيون منطقة سواكن والبحر الأحمر.(3)

وفي الشرق احتلت إيطاليا مصوع عام 1885 وبحلول عام 1890 أقامت إيطاليا مستعمرة في إرتريا وأصبحت تهدد كسلا. وهددت فرنسا منطقة أعالي النيل وبالأخص منابعه في البحيرات الكبرى. وكانت فرنسا تدرك الأهمية الحيوية لمياه النيل بالنسبة لمصر. كما أن بلجيكا وبعد احتلالها للكنغو أخذت تتطلع نحو التوسع في أعالي النيل ورأت بريطانيا أن تتعاون معها ضد الدولة المهدية وضد المطامع الفرنسية. وبالرغم من توقيع معاهدة بين بلجيكا وبريطانيا إلا أن فرنسا تحركت أيضاً وعقدت معاهدة مع بلجيكا في أغسطس 1894 منحت بموجبها بلجيكا تسوية مريحة. (4) وفي نوفمبر 1894 أمرت الحكومة الفرنسية وزير مستعمراتها باحتلال أكبر مساحة ممكنة في أعالي النيل. وأصدرت التعليمات إلى الكابتن مارشاند في فبراير 1896 باحتلال فشودة في أعالي النيل. وتدافعت الأحداث في عام 1896 فقد انهزمت إيطاليا في عدوة وصدرت الأوامر لمارشاند بالزحف على أعالي النيل وصدرت الأوامر لكتشنر ليبدأ المرحلة الأولى من غزو السودان. وأصبحت الدولة المهدية تحاصرها أخطار التغول الاستعماري من الجهات الأربع.(5)

 

حملة إعادة غزو السودان:

تمت إعادة غزو السودان على مرحلتين. المرحلة الأولى عندما زحف كتشنر جنوباً لاحتلال دنقلا وكان يعاونه نخبة من كبار الضباط البريطانيين. أما الجنود في تلك المرحلة فكانوا من المصريين. وانهزم جيش المهدية في أول لقاء لهم مع الجيش الغازي ثم احتل كتشنر مروي ودنقلا دون عناء. وعاد كتشنر بعد زيارة لبريطانيا ليبدأ الاستعداد للغزو الشامل للدولة المهدية. ومد الخط الحديدي من حلفا إلى أبو حمد.(6)

ومن ناحيته بنى الخليفة خطته على استدراج الجيش الغازي للتوغل داخل السودان والاستعداد الكامل لملاقاته على أبواب أم درمان. وزحف محمود ود أحمد بجيشه وتمركز في المتمة بعد مذبحة الجعليين إثر عدم استجابتهم لأوامر الخليفة عبد الله بإخلاء المتمة.(7)وبعد انسحاب الجيش من بربر أصبحت قاعدة أمامية، وأدى تقوية حامية بربر إلى تقليص نفوذ دولة المهدية في تلال البحر الأحمر. وفي مطلع أبريل 1898م وصل محمود بجيشه إلى النخيلة شرق بربر ودارت معركة خسرها محمود ود أحمد بعد أن تفوق فيها السلاح الناري.(8)

زحف كتشنر نحو أم درمان وعسكر في السهل ما بين جبل كرري وجبل سركاب.(9) وتأهبت البواخر النيلية بمدافعها. وبدأت المعركة في 2 سبتمبر 1898 بهجوم من الأنصار كان جزئيا إلا أن الأسلحة النارية لعبت دوراً فتاكاً. وانهزم جيش الخليفة. وقذفت القوات الغازية قبة الإمام المهدي بالقنابل وكان السبب سياسياً فالمراد من هدم القبة منع قدوم الأنصار لزيارتها.(10) وفي 4 سبتمبر عبر كتشنر النيل إلى الخرطوم وأعادها عاصمة للسودان وأقيم احتفال رفع فيه العلم البريطاني ثم العلم المصري.(11)وكان معنى رفع العلم الإنجليزي جنباً إلى جنب مع العلم المصري أن يكون للسودان وضع خاص مختلف عن وضع مصر يهدف في جوهره إلى فرض سيطرة حقيقية في السودان لبريطانيا وإقامة نوع من الإدارة يتولى فيها الإنجليز الحكم والمصريون الدفع.  ومن هنا جاءت ثنائية المشاركة  وقد ذكر اللورد كرومر أن الخزينة المصرية هي التي تحملت العبء الأكبر من تكاليف الغزو وقامت القوات المصرية التي يقودها ضباط بريطانيون بالقسم الأهم من العمليات الحربية. إلا أن الحكومة المصرية لم تكن قادرة بدون العون البريطاني على إعادة غزو السودان.(12)

لم تنته الدولة المهدية بمعركة كرري فقد التجأ الخليفة إلى الغرب وسار إلى جبل قدير. وبعد الخريف تحرك من قدير شمالاً قاصداً أم درمان. فأرسلت إليه القيادة البريطانية حملة دارت بينها وبين الخليفة معركة في أم دبيكرات بالقرب من موقع كوستي الحالي انهزم فيها الخليفة وقتل.وبعد أسبوع من معركة كرري ذهب كتشنر إلى فشودة وهناك رفع العلم المصري بعد مقاومة من مارشاند.(13) ورفض الفرنسيون الانسحاب ودارت معركة دبلوماسية بين البلدين انتهت بتنازل فرنسا عن منطقة أعالي النيل لبريطانيا. (14)

وهكذا انتهت الدولة المهدية نتيجة ضعفها الداخلي والسلاح الناري والدبلوماسية الاستعمارية.

 

 

اتفاقية الحكم الثنائي:

شكلت اتفاقية الحكم الثنائي المرتكز السياسي والدستوري لإدارة السودان لأكثر من نصف قرن. وأقامت من الناحية النظرية حكماً ثنائياً مصرياً بريطانياً في السودان لكن البلاد أصبحت في حقيقة الأمر مستعمرة بريطانية. وأهملت الاتفاقية مسألة السيادة على السودان ولم تشر الاتفاقية إلى السلطان العثماني الذي كانت له السيادة على الأقل من الناحية النظرية، فقد تم غزو السودان في عام 1820 باسمه، وكانت مصر في ذلك الوقت ولاية عثمانية. وبدلاً عن ذلك وقعت الاتفاقية مع خديوي مصر الذي كان يتبع من الناحية القانونية للسلطان العثماني. ولم تكن هذه المسائل القانونية ذات أهمية للورد كرومر المندوب السامي البريطاني في مصر الذي هندس الاتفاقية ووقعها مع الحكومة المصرية نيابة عن حكومته في 19 يناير 1899.(15) ووقع عن الحكومة المصرية بطرس غالي وزير الخارجية.

حددت المادة الأولى من الاتفاقية الحدود السياسية للسودان فنصت على أنها تشمل كل الأراضي جنوب خط العرض 22 شمالاً التي كانت تحكمها مصر سابقاً وتمت استعادتها أو التي يمكن استعادتها مستقبلاً بوساطة الجيوش الإنجليزية والمصرية. أو التي لم تخلها القوات المصرية أو لم تقع في يد الدولة المهدية فأصبح السودان بذلك التحديد يشمل حلفا وسواكن اللتين لم تحتلهما جيوش المهدية.(16)ووقعت اتفاقيات إدارية في الأعوام 1899 و1907 ألحقت مثلث حلايب بإدارة السودان.(17)

من أهم مواد الاتفاقية المادة الثالثة التي نصت على أن يكون رأس الدولة شخصاً واحداً هو الحاكم العام. ولم تتطرق المادة إلى جنسية الحاكم العام ولم يكن مدهشاً أن يكون كل الحكام بريطانيين. وحددت المادة الرابعة السلطة التشريعية ومنحت الحاكم العام الحق في وضع وتغيير القوانين واللوائح والنظم. وأتبع السودان لوزارة الخارجية البريطانية وليس وزارة المستعمرات. وبالإضافة إلى ذلك فقد شغل البريطانيون المناصب العليا في السودان بالرغم من أن مصر كانت تقدم 6/5 من القوة الحربية المشتركة في السودان. وكان مستشارو الحاكم العام ومعظم حكام المديريات من ضباط الجيش البريطاني واقتصر نصيب مصر في الحكم على وظيفة سد العجز السنوي في ميزانية السودان.(18)

بالرغم من نظرة الوطنيين المصريين إلى السودان جزءا لا يقتطع من مصر ونظرتهم لاتفاقية  الحكم الثنائي بأنها مجحفة ولا تستند إلى أعراف القانون الدولي، إلا أنه لم تكن هناك مقاومة أو  احتجاج على هذه الاتفاقية حتى نهاية الحرب العظمى في عام 1918. ويعزى ذلك إلى  انشغال  الوطنيين المصريين  بتحرير مصر ذاتها من الاستعمار البريطاني.رغم المعارضة التي قامت بها مصر بعد عام 1919 إلا أن صورة العلاقات السياسية بين مصر والسودان تقررت بهذه الاتفاقية. واستندت الحكومات المصرية على حق الفتح(19) في نظرتها للسودان.  وظلت الاتفاقية غير شرعية في نظر الأحزاب السياسية المصرية حتى توقيع معاهدة عام 1936 التي منحت مصر بعض التنازلات في السودان.(20)وقد وجهت جريدة اللواء المصرية الانتقادات المستمرة للعدوان البريطاني على ما سمته الحقوق المصرية في السودان فهاجمت تجاهل مصر في عقد معاهدة الحدود مع الحبشة 1902 وطالبت بتعيين حاكم مصري للسودان ونبهت إلى نوايا بريطانيا في السودان.(21)

ومنذ إعادة غزو السودان أكد ونجت حاكم عام السودان 1900-1916 أنه لا داعي للتخوف من أن يعود الحكم المصري للسودان وشدد على ضرورة فصل السودان عن مصر تحت إشراف المندوب السامي في مصر. وأكد اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني في مصر 1882-1908 أن لا رجعة لإدارة مصرية في السودان.(22)

 

 

التطورات الإدارية:

أبقت الإدارة البريطانية على كثير من الملامح الإدارية التي أقامها الأتراك من قبل فأسماء المديريات مثلاً وحدودها ومعظم المصطلحات الإدارية بقيت على ما كانت عليه عندئذ.(23)وعملت بريطانيا منذ البداية على تأكيد الاستقرار في إدارتها فأقامت نظاماً مركزياً محكماً. عين كتشنر قائد حملة غزو السودان أول حاكم عام للسودان ولم يبق طويلاً فقد استدعي لحرب البوير في جنوب إفريقيا . ووضع خليفته ونجت خلال الستة عشر عاماً التي سيطر فيها على البلاد 1900-1916 الأسس والهياكل الإدارية التي أديرت بها البلاد طوال فترة الحكم الثنائي.(24) ويلي الحاكم العام في الهرم الإداري السكرتيرون الثلاثة الإداري والمالي والقضائي ثم رؤساء المصالح الحكومية العامة ومصلحة المخابرات.

من أهم التطورات الإدارية في نهاية العقد الأول للحكم الثنائي قيام مجلس الحاكم العام في عام 1909 وتكون المجلس من السكرتيرين الثلاثة والمفتش العام ومن اثنين إلى أربعة أعضاء يعينهم الحاكم العام. خلال فترة ونجت كان للمجلس قدر محدود من الاستقلال لكن أصبح بمثابة وزارة في عهد من خلفوه في منصب الحاكم العام. (25)

بالنسبة للإدارة في الأقاليم فقد بدأت قبل أن يكتمل غزو السودان فبعد أن اكتمل غزو دنقلا في 1896 عين مديراً لها قائد الجيوش التي قامت بغزوها. ولم تتطرق اتفاقية الحكم الثنائي إلى موضوع الإدارة في الأقاليم وعندما عين ونجت حاكما عاماً كانت هناك ست مديريات هي الخرطوم وبربر ودنقلا وكسلا وسنار وكردفان.(26) وعوملت وادي حلفا وفشودة بوصفهما  محافظتين في باديء الأمر إلى أن ألغي هذا التمييز عام 1907 وأضيفت مديريات النيل الأزرق وبحر الغزال واستبدل اسم فشودة بأعالي النيل. وفي عام 1914 فصلت جبال النوبة من كردفان لتكون مديرية قائمة بذاتها. وكان المدير الموظف التنفيذي والتشريعي وقائد الحامية في المنطقة. ويأتي بعد المدير في الهرم الإداري للمديرية المفتش البريطاني ثم المأمور المصري وبدأ في تعيين نواب مآمير سودانيين في عام 1912.(27)

من أهم التطورات الإدارية إدخال نظام الحكم غير المباشر بالاعتماد على الإدارة الأهلية التي نظر إليها بديلا لاستخدام الطبقة المتعلمة في الجهاز الإداري. وصدر قانون سلطات مشايخ الرحل لسنة 1922 وقانون المحاكم القروية لسنة 1925 وقانون سلطات المشايخ لعام 1927 ليشمل جميع زعماء القبائل وصدر في عام 1932 قانون المحاكم الأهلية الذي أعطى نفوذاً كبيراً للزعماء القبليين.(28)وقد أدى تطبيق الحكم غير المباشر إلى ردة تعليمية.

التعليم :

وضعت الأسس لنظام تعليمي حديث في عهد الحكم الثنائي،وتم تعيين جيمس كري مديراً لمصلحة المعارف في عام 1900م(29)ومن أهم إنجازاته قيام  كلية غردون في عام 1902بأقسامها الثانوي والابتدائي، والصناعي وتدريب المدرسين والقضاة الشرعيين وخمس من المدارس الابتدائية الأخرى، وعدد من المدارس الأولية، ومدرسة حربية.  إلا أن شح المصادر المالية مثل عائقاً أمام تطور التعليم . وقد كان لافتتاح كلية غردون الأثر العظيم في وضع اللبنات الأولى لتطور التعليم بصورة مطردة في السودان حيث شكلت هذه الكلية النواة الأولى ومنها تخرج معظم الرعيل الأول الذي قاد البلاد فيما بعد للاستقلال(30). وأسست أعداد من المدارس الوسطى في عام 1906م في المدن الكبرى بربر وود مدني وأمدرمان والخرطوم وسواكن وحلفا.

لم يكن شح الإمكانيات الاقتصادية السبب الوحيد الذي حد من نشر التعليم فقد كانت هناك أسباب سياسية حيث عبر اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني في مصر ومهندس اتفاقية الحكم الثنائي عن ضرورة الربط بين التعليم والوظيفة لشغل انتباه المتعلمين عن الثورة بمنحهم وظائف. (31) وشارك كرومر في أفكاره تلك كل من كتشنر وونجت وكرومر وكري. هذا وقد أدى ربط التعليم بالوظيفة إلى تقليص دوره في تطوير البلاد وكانت أغراض التعليم المدني في هذه المرحلة تنحصر في خلق طبقة من الصناع المهرة، ونشره بين الناس بالقدر الذي يفهمون به إدارة آلة الصناعة، وتدريب الكتبة الذين يلحقون بالوظائف الصغيرة بالحكومة.(32)ومن الأشياء التي دفعت الحكومة إلى الإسراع في تنفيذ نظام التعليم النظامي رغبتها في التخلص من المصريين والسوريين العاملين في الإدارة والجيش واستبدالهم بالسودانيين.

        شنت الإدارة البريطانية في السودان حملة شعواء ضد المتعلمين بعد حوادث عام 1924 التي سيلي ذكرها وقلصت فتح المدارس. وبدأت فترة إصلاح في مجال التعليم عندما عين السير إستيوارت سايمز حاكماً عاماً على السودان عام 1934 فقد اتبع سياسة تحررية نوعاً ما نحو الطبقة المتعلمة أملتها ظروف خارجية وداخلية.(33) ومثلت الخطوات الأولى لإصلاح النظام التعليمي إصلاح مناهج التعليم الأولي والأوسط بإنشاء معهد بخت الرضا عام 1934.(34) وتواصلت مجهودات الحكومة لإصلاح النظام التعليمي وأرسلت في عام 1937 لجنة دي لاوور التي أوصت بالتوسع في التعليم الأولي وأشادت بتجربة بخت الرضا وأوصت بتعميمها على كل السودان. كما أوصت بالتوسع في التعليم الأوسط والتعليم الثانوي ووضع خطط لتحويل كلية غردون إلى كلية جامعية.(35)ووضعت في عام 1946 خطة العشر سنوات لتطوير التعليم.(36)

في عام 1948م تأسست أول جمعية تشريعية في البلاد وجرى تعيين أول سوداني وزيراً للمعارف عبد الرحمن علي طه.(37) وكان عبد الرحمن علي طه ذا خبرة واسعة بشئون المعارف السودانية اكتسبها من خلال وجوده بها معلما لمدة 25 عاما حتى تمت ترقيته نائباً لمدير مصلحة المعارف في عام 1947م. ومن ثم اختير أول وزير للمعارف.(38)

قامت وزارة المعارف بإعداد خطة معدلة للتعليم في شمال السودان تشمل الأعوام 1949-1956م واهتم الوزير بالتعليم الأولي والأوسط واهتمت الخطة التعليمية العشرية المعدلة بالزيادة في تخريج المعلمين خاصة للمرحلة الأولية. واهتمت الوزارة بالتعليم الأولي وأن يكون إجبارياً مجانياً. وشهد التعليم الثانوي توسعاً سريعاً وافتتح الوزير مدرسة ثانوية جديدة في خور طقت في 28/1/1950م إلى جانب التي كانت موجودة: حنتوب ووادي سيدنا ورمبيك(39)

وبالنسبة لجنوب السودان عمل الوزير على إزالة الفوارق بين التعليم في الجنوب والتعليم في الشمال واعتمد اللغة العربية لغة مشتركة وتدرس في مدارس الجنوب وقد شملت الخطة التوسع في كل مراحل التعليم وفي كافة أنواعه وورد فيها إنشاء خمس مدارس وسطى جديدة للبنين في ملكال وجوبا ومريدي وواو وأنزارا.(40)أما التعليم الفني فقد تم تأسيس المعهد الفني وشرح الوزير في بيانه للجمعية التشريعية في عام 1951م ما تم تنفيذه في برنامج توسع التعليم الصناعي.(41)

        وبالنسبة للتعليم العالي ونشأته في السودان فقد تم في عام 1951م  ترفيع كلية غردون التذكارية إلى كلية الخرطوم الجامعية وأضيف إليها مدرسة كتشنر الطبية، وعقب الاستقلال مباشرة أصبحت جامعة الخرطوم.(42)وفي عام 1955م وقعت حكومة السودان مع الحكومة المصرية اتفاقية تم بمقتضاها الموافقة على قيام جامعة القاهرة فرع الخرطوم بثلاث كليات نظرية هي التجارة، والآداب، والحقوق وكانت الدراسة فيها مسائية في مباني المدرسة الثانوية المصرية بالخرطوم وكان معظم الذين التحقوا بالجامعة من الموظفين الذين جمعوا بين العمل والدراسة، وهي بذلك تعطي فرصة لمن له رغبة في مواصلة تعليمه وتطوير مقدراته العلمية.(43)

وبالنسبة لتعليم البنات لم تشجعه الإدارة البريطانية في السودان في بادئ الأمر خوفاً من ردة فعل المجتمع. وكان الشيخ بابكر بدري أول من أسس مدرسة خاصة لتعليم البنات في رفاعة عام 1907. وواجهته صعوبات في فتحها.(44)

        واهتم المواطنون بالتعليم الأهلي وأسست مدرسة أمدرمان الأهلية الابتدائية ثم شُيَد لها قسم أو مدرسة وسطى وأخيراً في عام 1944م أنشئ القسم الثانوي للمدرسة ثم أسس بابكر بدري مدارس الأحفاد في عام 1930م في رفاعة ثم نقلت إلى أمدرمان.(45)

 

جنوب السودان:

لم تر الحكومة البريطانية في جنوب السودان شيئاً له مصلحة اقتصادية مباشرة أو فورية فقد سيطرت على الإقليم لاعتبارات إستراتيجية وذلك لأن النيل يجري فيه. ومنعت في مجال التعليم إنشاء مدراس حكومية ذلك لاعتقادها بأنها ستؤدي إلى نشر الإسلام في الجنوب. وترك النشاط التعليمي في جنوب السودان للمنظمات التبشيرية المسيحية. (46) وعمل الحاكم العام ونجت ومعاونوه على إبعاد النفوذ الإسلامي والسماح بالتبشير المسيحي في الجنوب. وتم تجنيد فرقة الإستوائية محلياً لتحل محل القوات الشمالية وذلك لمنع التأثير الإسلامي منها ومن التجار الجلابة.(47)

ووجهت الإدارة البريطانية بمقاومة محلية متصاعدة في الجنوب استمرت لأكثر من عقدين فقد نظرت قبائل الجنوب إلى الحكام البريطانيين على أنهم أجانب جاءوا من أجل الغزو والقتل وفرض الضرائب. واستمرت المواجهة بين الحكومة وقبائل الجنوب وكان أخطرها مقاومة النوير التي استخدمت خلالها الإدارة البريطانية عمليات حربية جوية وبرية.(48)

عقب الحرب العالمية الأولى تلت مرحلة ركزت فيها الإدارة البريطانية جهدها في إبعاد الموظفين الشماليين والمصريين من جنوب السودان. وبينما اهتمت بالإبعاد لم يوجد اهتمام بالمقابل لإيجاد البديل للعناصر المبعدة. واتبعت الإدارة البريطانية سياسة رسمية نحو الجنوب في عام 1930 تم إعلانها فيما عرف بمذكرة ماكمايكل السكرتير الإداري.(49) وجاء في المذكرة أن سياسة الحكومة في جنوب السودان هي بناء سلسلة من الوحدات القبلية والعرقية على أساس التقاليد والعادات المحلية وإبعاد الإداريين والكتبة والفنيين الشماليين بالتدرج واستبدالهم بعناصر جنوبية. وأن تستخدم اللغة الإنجليزية بدلاً من اللغة العربية في حالة تعذر استخدام اللهجات المحلية. وقبل ذلك صدر قانون الجوازات والسفر لعام 1922 الذي منح الحاكم العام الحق في أن يعلن أي جزء من السودان منطقة مقفولة.(50)

وبينما قننت مذكرة ماكمايكل سياسة فصل السودان عن شماله فقد أغفلت الحديث عن أي خطط اقتصادية لتطور التعليم. وعندما ناقشت وزارة الخارجية البريطانية في عام 1942 احتمال مفاوضات مصرية بريطانية عقب الحرب فقد انصب النقاش فيما يخص السودان على مسألتين: التطور السياسي غير المكتمل لشمال السودان ،والفجوة بين شمال وجنوب القطر. وبدأ محتملاً تقسيم القطر إلى قسمين شمال مستقل وجنوب يضاف إلى مستعمرات بريطانيا في شرق أفريقيا.(51) وفيما يبدو فإن الحكومة البريطانية قد أدركت أن الجنوب بتخلفه الاقتصادي سيصبح عبئاً على مستعمراتها في شرق ووسط أفريقيا ومن ثم التخلي عن سياسة الفصل. وما أن قررت الإدارة البريطانية تقدم الجنوب والشمال معاً حتى تقرر عقد مؤتمر لمناقشة المسألة بصورة أوسع وعقد مؤتمر جوبا في يونيو 1947 وكانت أبرز المسائل التي نوقشت مسألة احتفاظ الحكام البريطانيين بمسئوليات خاصة نحو الجنوب إلى أن يصل مرحلة التقدم التي وصلها شمال القطر. وبالرغم من تخلي المؤتمر عن سياسة الفصل إلا أن قناعة الجنوبيين لم تكن تامة وأكدت ذلك الطريقة التي كان يناقش بها الأعضاء الجنوبيون في الجمعية التشريعية.(52)

 

 

التطورات الاقتصادية:

تأثرت التطورات الاقتصادية خلال فترة الحكم الثنائي بعدد من العوامل أهمها شح المصادر اللازمة لهذا التطور فقد كانت مصادر القطر محدودة وعانى القطر عند بدء ذلك الحكم من نقص في عدد السكان نتج عن المجاعات والحروب خلال الدولة المهدية. ومن عدم وجود نظام حديث للمواصلات خاصة السكك الحديدية والفوضى في نظام ملكية الأرض وعدم وجود عمال مهرة ووسائل حديثة للري. وبما أن الحكومة البريطانية ادعت بأن غزو السودان قد تم لمصلحة مصر فقد وقع عبء الإنفاق على الخزينة المصرية واستخدمت القروض المصرية لمقابلة العجز في الميزانية ولتطوير المواصلات.(53)

شهد السودان بنهاية الحرب العالمية الأولى تقدماً في الزراعة خاصة القطن وكان الاهتمام بزراعته المحور الذي قامت عليه السياسة الزراعية للإدارة البريطانية في السودان تلبية لضغوط واحتياجات شركات الغزل والنسيج البريطانية. وقامت تلك الإدارة بإعداد البنيات الأساسية اللازمة لزراعة القطن وأنشأ مشروع الجزيرة عام 1925 وقبل ذلك اكتمل العمل في بناء خزان سنار لري المشروع. وأدى المشروع إلى تحسين الوضع المالي لحكومة السودان وأصبحت للسودان سمعة عالية في العالم. وكان للمشروع آثاره على المجتمع السوداني فقد فتح فرصاً للعمالة بالنسبة للمزارعين العاملين فيه والعمال المتصلين به. وكان للمشروع سلبياته وهي الاعتماد على محصول نقدي واحد هو القطن وهو مادة خام مما يضعه تحت رحمة السوق العالمية التي تتحكم في ذلك.(54)

اعتمدت الإدارة البريطانية على الضرائب اعتماداً كبيراً مصدرا للدخل وتوخى البريطانيون التدرج بالنسبة لحجم ونوع الضرائب. وفرضت ضريبة العشور على الأراضي التي تروى بالأمطار وكانت الضريبة على الإنتاج الزراعي نوعين: ضريبة الأرض وضريبة العشر. كما فرضت ضرائب على المنتجات الأخرى مثل سن الفيل والعاج وريش النعام. واستفادت الحكومة كثيراً من الرسوم الجمركية.

كان تطور المواصلات مهماً للنمو الاقتصادي وكان التركيز على تطور السكك الحديدية. ومثل إنشاء ميناء جديد على البحر الأحمر ميزة عظيمة في تاريخ السودان الاقتصادي وافتتح الميناء رسمياً في عام 1909. ومد الخط الحديدي من الخرطوم بحري عبر النيل الأزرق للعاصمة ثم جنوباً وغرباً عبر الجزيرة والنيل الأبيض إلى الأبيض وقد ارتبط ذلك بتطور زراعة القطن في مشروع الجزيرة والاهتمام بإنتاج الصمغ العربي وتصديره. وكان للسكك الحديدية آثار عميقة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية في السودان فقد ربطت تجارة السودان بالعالم الخارجي وتدفقت المحصولات النقدية والماشية إلى الأسواق الخارجية وانسابت الواردات إلى مختلف المناطق.(55)

تطورت تجارة السودان تطوراً كبيراً في ظل الحكم البريطاني وانتعشت انتعاشاً كبيراً في السنوات الأولى من عمر الحكم الثنائي نتيجة لارتفاع الطلب على المنتجات الزراعية التي تحتاجها بريطانيا لبعض الصناعات الحربية ولغذاء جيوشها فارتفعت الصادرات. وشكلت المنتجات الزراعية الأساس لصادرات السودان من المواد الخام وهي القطن والصمغ والحبوب الزيتية ثم الثروة الحيوانية. ويشكل القطن 65% من صادرات السودان. (56)

أصدرت في السنوات الأولى للحكم عدد من القوانين الخاصة بتنظيم ملكية الأرض ومنحت الحكومة نفسها الحق في ملكية الأراضي التي لم يكن لها ملاك. كما كان مسح الأراضي محور اهتمام الحكومة خاصة الأراضي الزراعية المنتجة على النيل. وأدخلت الإدارة البريطانية نظام تسجيل الأراضي بشكل منتظم. كان نظام تسجيل الأراضي من أهم إنجازات الإدارة البريطانية فقد أصبحت الدولة هي المالك لكل الأراضي الزراعية والسكنية التي ليس لها ملكية مسجلة وأصبح نظام ملكية الأرض يقوم على قانون. (57)

وضع ما يزيد عن نصف قرن من الحكم البريطاني أقاليم مختلفة بمستويات مختلفة من التطورات الاجتماعية والاقتصادية تحت إدارة مركزية. وفضلت السياسة الاقتصادية الاستعمارية الأجزاء الوسطى من القطر مثل الخرطوم والجزيرة لارتباط مصالحها بتلك الأجزاء. وشهدت هذه المناطق النصيب الأكبر في التطورات التعليمية والاقتصادية. ونجم عن السياسة الاقتصادية عدم تكافؤ في التطور الاقتصادي بين الأجزاء المختلفة للقطر. 

 

 

السودانيون والحكم الثنائي 1899-1948:

اتخذت علاقة السودانيين بالبريطانيين جوانب شتى خلال الحكم الثنائي وكان هدف بريطانيا في علاقتها مع السودانيين العمل على كسبهم لا استعدائهم.واهتم الحكام البريطانيون بالإسلام اهتماما خاصاً وهو اهتمام نابع من إدراكهم لدوره في المجتمع وفي حياة الناس. ومن إدراكهم لخطورة الحركات الإسلامية. وطلب كرومر من الإداريين البريطانيين عدم التدخل في حياة الناس الدينية واحترام مشاعرهم الدينية. وفرق البريطانيون بين نوعين من الإسلام في السودان إسلام صوفي سموه الإسلام الشعبي وإسلام سني سموه الإسلام التقليدي. وحاربوا الإسلام الشعبي لأنه في نظرهم يشكل بؤرة للقلاقل والاضطرابات النابعة من التعصب الديني. وتعاملوا مع العلماء السنيين ليكونوا لهم عوناً في تحقيق الاستقرار. وأنشأت الإدارة البريطانية في عام 1901 مجلس العلماء وتكون من المفتي وقاضي القضاة وبعض  العلماء.(58) وأدركت الإدارة البريطانية أن نفوذ هؤلاء محدود وسط الرأي العام السوداني وعليه فإن محاربتها للطرق الصوفية كانت محدودة الأجل. وبدأت أولاً بالتقرب إلى الطرق الصوفية التي حاربت المهدية وأهمها طائفة الختمية بزعامة السيد علي الميرغني. ثم استقطبت الأنصار بزعامة السيد عبد الرحمن المهدي عندما احتاجت لدعمهم أثناء الحرب العالمية الأولى.(59)

شهدت فترة الحكم الثنائي في سنواتها الأولى حركات مقاومة قبلية ودينية وإقليمية(60)منها حركة عبد القادر محمد إمام (ود حبوبة) في منطقة الحلاوين عام 1908 وكان أحد أنصار الثورة المهدية ، شهد موقعة كرري وبعد هزيمة المهدية  عاد إلى موطنه وثار في وجه الحكومة في عام 1908م رافضاً سياساتها، وانتهى الأمر بمقتله بعد أن قام بقتل المفتش الإنجليزي والمأمور المصري.(61)وكانت الحركات الدينية التي واجهت الحكومة حركات من ادعى أنه النبي عيسى وحركات إدعاء المهدية. وتركزت المقاومة القبلية في تلك الفترة في جبال النوبة وجنوب السودان وشكلت تهديداً خطيراً للأمن. وكانت أهم حركة مقاومة إقليمية ضد الحكم البريطاني في سلطنة دارفور التي أقام فيها السلطان علي دينار دولة مستقلة حتى عام 1916. إلا أن تزايد النشاط الفرنسي على حدود دارفور الغربية واستجابة السلطان علي دينار للدعاية التركية المناوئة عند بدء الحرب العالمية الأولى دفعت الإدارة البريطانية إلى اتخاذ موقف عسكري ضد علي دينار فغزت دارفور في مايو 1916 وهزمت علي دينار نهائياً في نوفمبر من نفس العام. (62)

بدأت الحركة الوطنية بعد الحرب تأخذ منحاً جديداً فقد شهدت الفترة محاولات إيجاد روابط للخريجين فتأسس نادي الخريجين بأم درمان في عام 1918ولعب دوراً مقدراً في النشاط الأدبي والثقافي والاجتماعي. وفي عام 1920 ولدت جمعية الاتحاد السوداني وهي أول تنظيم سياسي في تاريخ السودان الحديث. ويتم الانضمام إليها على أساس الاقتناع السياسي وليس القاعدة القبلية أو الكيان الطائفي أو الرابطة العرقية أو المشاعر الدينية. (63) وتكونت جمعية اللواء الأبيض عام 1924 ولخصت أهدافها في أنها جمعية سودانية هدفها تحرير السودان من المستعمر. وتوالت الأحداث في عام 1924 وانتشرت المظاهرات في مناطق متفرقة من القطر وانتهى العام بقمع حركة اللواء الأبيض.(64)

أعقب حوادث عام 1924 ابتعاد المثقفين عن العمل السياسي وعكفوا على النشاط الثقافي الذي تمثل في قيام الجمعيات الأدبية مثل جماعة الفجر وجمعية أبو روف وجمعية بورتسودان وجمعية ود مدني وجمعية الهاشماب. ومن أهم المعالم خلال تلك الفترة إضراب طلبة كلية غردون عام 1931 وتدخل القيادات الطائفية لإنهاء الإضراب. وبدأ زعماء الطوائف في الاهتمام بالخريجين. وظهرت مجلة الفجر وتناول كتاب الفجر تعريف القومية وكتبت مقالات انتقدت فيها الطائفية وحددت الفجر الرؤيا السياسية للسودان ونادت باستقلاله عن كل من مصر وبريطانيا.(65)

 

 

مؤتمر الخريجين:

تطورت الحركة الوطنية بظهور مؤتمر الخريجين الذي سيطر على مجرى الحركة الوطنية منذ تأسيسه عام 1938 وحتى عام 1945. وكانت العوامل التي أدت إلى قيام مؤتمر الخريجين ماثلة في الأفق منذ عام 1934 فقد شهد ذلك العام تعيين حاكم عام جديد بدأ تعاملاً مع الطبقة المتعلمة هو السير إستيورات سايمز. وعندما وقعت معاهدة عام 1936 بين مصر وبريطانيا استاء الخريجون من إغفالهم في مفاوضات المعاهدة وما نصت عليه بأن الهدف الأساسي للحكومتين المصرية والبريطانية هو رفاهية السودانيين.(66)

ركز مؤتمر الخريجين في المرحلة الأولى من تكوينه على القضايا الثقافية والاجتماعية والتعليمية إلا أنه لم يكن ليعمل بمعزل عن الأحداث العالمية التي تطورت باندلاع الحرب العالمية الثانية وأحداثها وقد شجع ميثاق الأطلنطي بين الرئيس الأمريكي والرئيس البريطاني بنصرة الديمقراطية بعد الحرب، المؤتمر على إرسال مذكرته الشهيرة في أبريل 1942 التي طالب فيها بتقرير مصير السودان بعد الحرب مباشرة.(67)

حرك مؤتمر الخريجين عجلتي التعليم والسياسة في السودان، حيث أن المؤتمر بدأ نشاطه بالنواحي الاجتماعية وساهم في مسألة التعليم سواء كان ذلك بجمع التبرعات للمدارس الأهلية أو مطالبة الحاكم العام بفتح المزيد من المدارس حتى كشف المؤتمر عن وجهه الحقيقي بمذكرته الشهيرة التي رفعها للسكرتير الإداري وأدى الانقسام بين أعضاء المؤتمر إلى ظهور الأحزاب السياسية .(68) ومن أبرز الانتقادات التي وجهت للنظام التعليمي مذكرة مؤتمر الخريجين عن التعليم في عام 1939 فقد تطرقت المذكرة للإصلاح في كل مراحل التعليم ونادت بتركيز الجهود على محو الأمية وأمنت على أهمية التعليم للتطور السياسي للقطر.(69)

أدت مذكرة  الخريجين في أبريل 1942 إلى خلق جو من التوتر بين المؤتمر والإدارة البريطانية في السودان عملت الحكومة على أثره لإحداث شقاق في صفوفه بتقريب العناصر المعتدلة ومنحها وعودا بالنظر في مطالبهم على أن يكون ذلك باتباع سياسة تدرج نحو الحكم الذاتي. وأفرز ذلك الصراع انقسام المؤتمر وقيام الأحزاب السياسية السودانية تحت رعاية الطوائف الدينية. وكان انقسام المؤتمر نتيجة لابد منها في ظل وقوع السودان تحت حكم ثنائي مصري - بريطاني.  وانقسمت الحركة الوطنية إلى قسمين رئيسين تبنى أحدهما مطلب الاتحاد مع مصر ضد المستعمر البريطاني وبرز منه حزب الأشقاء عام 1944م . وتبنى القسم الآخر مطلب الاستقلال التام وبرز منه حزب الأمة الذي كان متشدداً في رفضه لمزاعم مصر بالسيادة على السودان، ورفع الحزب شعار "السودان للسودانيين(70) وبينما بسط السيد علي  الميرغني  زعيم  طائفة  الحتمية  رعايته على القسم  الأول  بسط  السيد  عبد الرحمن المهدي  رعايته على القسم الثاني(71).وكان السيد علي مستاءاً من دعم الإدارة البريطانية للسيد عبد الرحمن المهدي متأثراً بالشائعات التي انطلقت بأن السيد عبد الرحمن يسعى لتنصيب نفسه ملكاً على السودان بمعاونة الإنجليز. (72) وعندما أعلن عن قيام حزب الأمة في فبراير 1945 كثف حزب الأشقاء من استخدام مسألة الملكية وقد دفع ذلك كثيرين إلى معسكر الأشقاء.

وبجانب حزبي الأشقاء والأمة فقد تكونت الحركة السودانية للتحرر الوطني التي أصبحت الحزب الشيوعي فيما بعد.(73)وكانت أبرز الأسباب التي أدت إلى ظهور هذه الحركة الشيوعية تأثرها في تلك المرحلة بمصر. فقد انضم عدد من الطلبة السودانيين في مصر إلى الحركة الشيوعية المصرية. وقد أصدر الحزب الشيوعي المصري برنامجاً للسودان منذ عام 1945 نص على الوحدة على قدم المساواة مع حق تقرير المصير للسودانيين ويشمل ذلك حق الانفصال وإنهاء الحكم البريطاني وجلاء القوات البريطانية. وأدى قيام الحركة السودانية للتحرر الوطني إلى انتشار النقابات في أوساط العمال والمزارعين وموظفي الحكومة وقد أثر ذلك على الحياة السياسية في السودان كما زعزعت المطالب الاقتصادية والزراع الإدارة البريطانية في السودان. واستقلت الحركة المدن التي بها تجمعات مثل عطبرة وبورتسودان ومشروع الجزيرة لنشر مبادئها ورفعت شعار الكفاح المشترك مع مصر ضد الوجود البريطاني. (74)

ونشأ الحزب الجمهوري بزعامة محمود محمد طه عام 1945، ونشر الحزب برنامجاً انتقد فيه حزب الأمة وحزب الأشقاء لارتباطهما ببريطانيا ومصر، ودعا إلى استقلال السودان عن بريطانيا ومصر وقيام جمهورية سودانية.(75)وفي بيان ألقاه محمود محمد طه في الاجتماع العام للحزب في نوفمبر 1951 أشار إلى الوضع المتردي الذي لا أمل في إصلاحه إلا إذا تغير الوضع تماماً بجلاء الاستعمار البريطاني.(76)

وتأسس الحزب الجمهوري الاشتراكي عام 1951 بتشجيع من الإدارة البريطانية في السودان، ومعظم عضويته من زعماء العشائر والقبائل. وأصبح إبراهيم بدري سكرتيره العام، واشتمل دستور الحزب على إعطاء السودان الحكم الذاتي عام 1952، وتأجيل تقرير المصير للمستقبل.(77) ويذكر  روبرتسون السكرتير الإداري آنذاك أنهم شجعوا  إلى حد ما قيام هذا الحزب باعتبار أنه سيعمل للاستقلال بعيداً عن  أسرة  المهدي وربما انضم إليه عدد من الختمية وغيرهم من  الذين  يخشون  الاتحاد  مع  مصر  ويتخوفون  من  الاستقلال  تحت هيمنة  السيد  عبد  الرحمن(78).

كما تأسس الاتحاد النسائي السوداني عام 1952 ونشأ في أحضان الحركة الوطنية التي كانت في أوج نهوضها، وأصبحت المرأة ذات حضور ملحوظ بعض الشيء في وسائل الإعلام وفي المجتمع. وساهمت بعض النساء في الحركة الوطنية. فقد كانت خالدة زاهر أول امرأة خرجت في مظاهرة ضد الاستعمار وضد الجمعية التشريعية العام 1948 وأول امرأة اعتقلت لأسباب سياسية. (79)

 

 

المؤسسات الدستورية:

أفلحت  الإدارة  البريطانية  في السودان في  شق الحركة  الوطنية  السودانية  بإنشائها  المجلس  الاستشاري  لشمال  السودان  في عام  1944  لمناهضة  مؤتمر الخريجين  الذي  كان  الجهاز الوحيد المنظم آنذاك. وقد حاد المؤتمر في نظر الإدارة البريطانية، عن الدور  الاجتماعي  الذي  رسم  له وذلك  في  مذكرته  الشهيرة  في  إبريل  1942  التي  طالب  فيها  بتقرير  المصير  عقب  الحرب مباشرة . وانتقد المجلس لدوره الاستشاري ولاقتصاره على شمال السودان دون جنوبه. (80)

ثم  اتخذت  الإدارة  البريطانية  خطوة  أخرى  في  طريق  الحكم  الذاتي  استهدفت التدرج في الحكم الذاتي وإبعاد  النفوذ  المصري  عن  السودان  بإنشاء  الجمعية  التشريعية  والمجلس  التنفيذي  في  ديسمبر  1948. وشارك حزب الأمة في الجمعية وقاطعها حزب الأشقاء. ووجهت الانتخابات للجمعية بمظاهرات شارك فيها حزب الأشقاء والحركة السودانية للتحرر الوطني والطلاب والعمال.(81) فقد  نظم  الطلاب  والعمال  منذ  افتتاح  الجمعية  في  ديسمبر  1948  مظاهرات  عنيفة  ضدها.  واختلفت  شعارات  هذه  المقاومة  عن  الشعارين  التقليديين   " وحدة  وادي  النيل  تحت  التاج  المصري  " و"  السودان  للسودانيين  " . وتبنت شعار  الكفاح الثوري  ضد  الإمبريالية.  ورأى الشباب في شعار وحدة وادي النيل وسيلة للكفاح ضد المستعمر أكثر من كونه غاية في حد ذاته (82) ومثلت  هذه  الأعوام  المرحلة  الحرجة  في  عمر  الحركة  الوطنية  السودانية  التي  أشار  إليها  نبلوك  وهي  بروز  قومية  راديكالية  لم  يقتصر  عداؤها  فقط    على الحكام  الأجانب  وإنما  امتد  ليشمل  السودانيين  الذين  ارتبطت  مصالحهم  بالحكم الثنائي(83).

وعموماً استفادت الإدارة البريطانية في السودان من المؤسسات الدستورية لمنع أي تنازلات لمصر في السودان بل عملت على عزلها وإبعاد النفوذ المصري عن القطر .كما شكل قيام الجمعية التشريعية والمجلس التنفيذي في ديسمبر  1948  خطوة حاسمة في طريق التطورات الدستورية في السودان لارتباط الأحداث التي تلت بقيامها وذلك مثل رد الفعل الذي أحدثه قيام هذه المؤسسات لدى دولتي الحكم الثنائي ،وموقف الوطنيين السودانيين منها وإجازة دستور الحكم الذاتي الذي شكل الأساس لمفاوضات1952 -1953 بين الحكومتين المصرية والبريطانية من داخلها.(84)

من  ناحية  أخرى كانت المطالبة المستمرة  بالحكم  الذاتي  وتقرير  المصير  ومن  ثم  تحديد وضع  السودان  السياسي والدستوري من أهم أسباب  فشل الجمعية  التشريعية  وحيادها عن الدور  الذي  أرادته  لها  الإدارة  البريطانية وهو الحد من سلطاتها  وإعطائها  دوراً  استشارياً  فقط  أمام  التشريعات  التي كانت  تعرض  عليها(85) . إلا أن العامل الأساسي لفشل الجمعية كان بعدها من أن تكون أساساً لحكومة برلمانية نتيجة لمقاطعة الأحزاب الاتحادية لانتخاباتها،  وبالتالي تعذر وجود النظام البرلماني القاضي بوجود أحزاب معارضة لحزب الأمة بالجمعية.(86) وعليه شكل  الحاكم  العام  في  مارس  1951  لجنة  لتعديل  دستور  الجمعية  التشريعية  والمجلس  التنفيذي. شارك  الختمية  في  لجنة  تعديل  الدستور  وسط  هجوم  من  حزب  الأشقاء  و الصحف  المصرية(87) .بدأت اللجنة أعمالها في 22 إبريل 1951 شكل إلغاء مصر لاتفاقيتي الحكم الثنائي (1899) ومعاهدة عام 1936 في 8 أكتوبر 1951 عاملاً آخر خلق مزيداً من الزعزعة وعدم الاستقرار داخل اللجنة.  إلا أن اللجنة وقبل حلها تمكنت من إعداد مسودة دستور الحكم الذاتي.

 

 

اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير 12 فبراير 1953:

أحدث قادة الانقلاب العسكري في مصر اختراقاً فيما يخص مسألة السودان وذلك لاعترافهم بحق الشعب السوداني في الحكم الذاتي وتقرير المصير وحفظ سيادة السودان لأهله. وكانت الحكومات المصرية السابقة تصر على وحدة وادي النيل تحت التاج المصري.

وعندما رفعت المقترحات البريطانية حول دستور الحكم الذاتي الذي أجازته الجمعية التشريعية في أبريل 1952 رسمياً إلى الحكومة المصرية الجديدة في 24 سبتمبر 1952 كانت الحكومة المصرية قد قررت سلفاً استشارة الأحزاب السياسية السودانية قبل الرد على هذه المقترحات وذلك بإبداء ملاحظاتها حول مسودة الدستور إدراكاً منها لأهمية العامل السوداني في تقرير مصير السودان. وكانت المفاوضات المجهضة بين الحكومتين المصرية والبريطانية التي  دارت  بين  الأعوام من 1948  وحتى وقوع الانقلاب العسكري  في 23 يوليو 1952 تدور  حول أهمية هذا العامل.

أولت الحكومة المصرية أهمية قصوى للتفاوض مع الجبهة الاستقلالية بزعامة حزب  الأمة الذي تميز بموقفه الرافض لأي شكل من أشكال النفوذ المصري في  السودان، ووقعت معها اتفاقاً تاريخياً في أكتوبر 1952 . ولم يكن التفاوض مع الأحزاب الاتحادية صعباً فقد وافقوا الحكومة المصرية في  موقفها من الوجود البريطاني في السودان. وكانت مهمة الحكومة المصرية توحيد هذه الأحزاب في حزب واحد، الحزب الوطني الاتحادي، وكان  ذلك مهماً  وضرورياً  لمصر  خلال  الانتخابات  البرلمانية  المقبلة ، خاصة وأن حزب الأشقاء أهم هذه الأحزاب شهد انقساماً في عام 1951. إلا أن هذا التوحيد لم يكن ببرنامج شامل وجامع(88)

وعلى ضوء اتفاقياتها مع الأحزاب السياسية السودانية رفعت الحكومة المصرية مذكرة إلى الحكومة البريطانية في2 نوفمبر 1952. وبدأت بذلك المفاوضات بين الحكومتين في 20  نوفمبر 1953 التي أسفرت عن توقيع اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير في 12 فبراير 1952. وتضمنت المذكرة  ولأول مرة اعتراف مصري صريح بحق الشعب السوداني في الحكم الذاتي وتقرير المصير واستعداد الحكومة المصرية لمشاهدة ذلك قبل عام 1956. 

بعد هذا التوقيع وقعت اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير وأصبح دستور الحكم الذاتي ملحقها الرابع بعد تعديله، وارتكز في مجمله على ديمقراطية ويستمنستر دون توافر المقومات اللازمة لإنجاحها. ونصت الاتفاقية على إجراء الانتخابات وقيام فترة انتقالية لا تتعدى ثلاث سنوات يقرر عند نهايتها السودانيون مصيرهم إما بالاتحاد مع مصر في صورة من الصور أو الاستقلال التام.وابتهجت الأحزاب السياسية السودانية والشعب السوداني بتوقيع الاتفاقية.(89)

 

 

الانتخابات:

بدأت مراحل تنفيذ الاتفاقية فور توقيعها في 12 فبراير 1953 وهيأت المادة السابعة من الاتفاقية لقيام لجنة للانتخابات تكون مهمتها الإعداد  والإشراف على الانتخابات البرلمانية، تمثل واجب لجنة الانتخابات في الإعداد  ومراقبة سير الانتخابات وتأمين حيدتها في جو متوتر تشكل  فيه نتيجة الانتخابات أهمية قصوى للأحزاب السياسية السودانية ولدولتي الحكم  الثنائي. وبالرغم من أن الحكومة المصرية قد اتبعت أسلوباً عملياً في حل مسألة  السودان إلا أنها لم تتخل عن تطلعات مصر في تحقيق نوع من الاتحاد مع  السودان.(90)

حصل الحزب الوطني الاتحادي على أغلبية بسيطة تمكنه من السيطرة على البرلمان(91)وعزا حزب الأمة ذلك إلى الدعاية المصرية المكثفة(92)وكان التعاون الطويل بين حزب الأمة والإدارة البريطانية من أهم العوامل لفشل الحزب في إيجاد سند شعبي. وكان العامل الحاسم لفوز الحزب الوطني الاتحادي تحالفه مع طائفة الختمية التي تخوف زعيمها من طموحات السيد عبد الرحمن. إلا أن  التحالف بين طائفة الختمية والحزب الوطني الاتحادي كان  قصير الأجل إذ بدأت الخلافات تطفو إلى السطح خلال الفترة الانتقالية وتطورت إلى تكوين حزب الاستقلال الجمهوري في مطلع عام 1955 ولقاء السيدين علي الميرغني وعبد الرحمن المهدي بعد قطيعة طويلة، ذلك اللقاء والتحالف الذي وصفه محمد أحمد المحجوب بأعظم كارثة مُني بها تاريخ السياسة السودانية.(93)

الفترة الانتقالية:

مهد إجراء الانتخابات وإعلان نتيجتها لخطوة أخرى هي بدء الفترة الانتقالية التي  حدد لها ما سمي في الدستور باليوم المعين. فقد ذكرت المادة التاسعة من الاتفاقية أن اليوم المعين هو اليوم الذي تبدأ فيه الفترة الانتقالية بتكوين مؤسسات الحكم  الذاتي وهى مجلس الوزراء، ومجلس النواب ومجلس الشيوخ(94). وشهدت الفترة الانتقالية الانشغال بتنفيذ الاتفاقية أكثر من الالتفات لوضع برامج اقتصادية واجتماعية. فقد رفع الحزب الوطني الاتحادي الحاكم شعار "تحرير لا تعمير". ورفض الحزب الشيوعي هذا الشعار وطرح شعار " لاتحرير بلا تعمير"، باعتبار أن الاستقلال السياسي وحده لايكفي، بل يجب استكماله بالاستقلال الاقتصادي والثقافي.(95)

بدأت لجنة السودنة التي نصت عليها المادة الثامنة من اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير أعمالها في مارس 1954 .وفي واقع الأمر فإن غموض المادة الخاصة بالسودنة التي منحت اللجنة تفويضاً لسودنة أي وظيفة تتحامل على الجو الحر المحايد المطلوب لتقرير المصير قد استغلت من جانب اللجنة التي سيطرت عليها العناصر الاتحادية لسودنة كثير من الوظائف وكان واضحاً أن اللجنة تريد إبعاد  جميع البريطانيين من السودان.(96)

لم تكن سودنة الوظائف كافية لتهيئة الجو الحرالمحايد في السودان. وبما أن  الاتفاقية قد منحت السودانيين حرية الاختيار بين الاستقلال التام وبين نوع من  الاتحاد مع مصر فقد كان طبيعياً لكل من دولتي الحكم الثنائي أن تسعى بطريقة أو  بأخرى للتأثير على قرار السودانيين. فقد أدركت بريطانيا أن وقوف السودانيين مع  خيار الاستقلال سيخدم مصالحها أكثر من خيار الارتباط مع مصر في  صورة  ما.  وبالتالي فقد عملت لأن يختار السودانيون الاستقلال التام. وبينما كانت الحملة  البريطانية في هذا الاتجاه دبلوماسية وتميزت بالحصافة والحذر فإن مصر استفادت من قربها من السودان لتدعم حملة نشطة ومكشوفة  للدعوة للاتحاد(97). وزاد انتصار الحزب الوطني الاتحادي الكاسح في الانتخابات البرلمانية من الدعاية المصرية في السودان، فقد كانت الانتخابات الجولة الأولى بالنسبة للحكومة المصرية ولا زالت أمامها الجولة الثانية وهي العمل على دفع السودانيين إلى خيار الاتحاد  مع  مصر. 

 

 

التوجه نحو الاستقلال:

تضافرت عوامل عدة أدت إلى خرق البنود الخاصة بتقرير المصير في الاتفاقية  والاستعجال في إعلان الاستقلال. منها الدعاية المصرية التي  توضح أن موقف القادة الجدد في مصر كان موقفاً تكتيكياً رغم أنهم تحملوا المغامرة  ووافقوا على أن يختار  السودانيون  بين  الاستقلال التام والاتحاد مع مصر، لكنهم فشلوا  تماماً في تهيئة الجو الحرالمحايد الذي كان شرطاً لازماً لتقريرالمصير وساهموا إلى حد  كبير في خرق  بنود الاتفاقية.

وبينما كانت السودنة في طريق التنفيذ فقد وصلت الدعاية المصرية في السودان قمتها. وتطابق إعلان التعيينات الجديدة للوظائف الشاغرة في أكتوبر 1954 مع خلاف معلن داخل صفوف الحزب الوطني الاتحادي حول مستقبل العلاقة مع مصر. وكانت جذور الخلاف موجودة أصلا فالحزب في الأساس دمج لمجموعة من الأحزاب الاتحادية لكل منها وجهة نظره الخاصة عن موضوع الاتحاد.وكانت  طائفة الختمية التي مثلت السند الشعبي الأساسي للحزب الوطني الاتحادي لا ترغب  في الاتحاد مع مصر بالرغم من حرصها على الاحتفاظ  بعلاقة طيبة معها. وعبر زعيم طائفة الختمية السيد علي الميرغني منذ أوائل عهد الحكم الثنائي عن وجهة نظره في مستقبل العلاقة مع مصر.(98)كما أن العلاقة بين الختمية والأشقاء  كانت علاقة منفعة متبادلة فبينما استغلت طائفة الختمية مقدرة حزب الأشقاء التنظيمية وأهميتها للمعركة الانتخابية استغل حزب الأشقاء طائفة الختمية لجلب السند الشعبي.(99) ومثلت الدعاية المصرية المكثفة خلال عام 1954 عاملاً آخر لبروز هذا  الخلاف.

ومن العوامل أيضاً التي ساعدت في اتجاه الاستقلال التام حوادث أول مارس  1954 وتشكيل الجبهة الاستقلالية. فقد انتهزحزب الأمة فرصة احتفال افتتاح  البرلمان الذي حدد له أول مارس 1954 للإعراب عن هذا  الشعور للرئيس المصري محمد نجيب  الذي دعي إلى هذه المناسبة.. وقد أدى أخذ اللواء نجيب سراً من المطار إلى القصر الجمهوري إلى استفزاز جموع  الأنصار. وكانت النتيجة  وقوع  صدام  دموي  بين الأنصار والبوليس.حوادث أول مارس 1954 والدعاية المصرية المكثفة وإيمان الشعب السوداني بخيار الاستقلال التام نتج عنه تكوين جبهة استقلالية في يناير 1955 شملت حزب الأمة والجبهة المعادية للاستعمار وحزب الاستقلال الجمهوري - الذي تكون عام 1954  بعد انسلاخ بعض العناصر الختمية من الحزب الوطني الاتحادي -  والحزب الجمهوري والحزب الجمهوري الاشتراكي.(100)

شجع قيام الجبهة الاستقلالية رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري لأن يصدر في مايو 1955 تصريحه الشهير بأن السودان جمهورية مستقلة كاملة السيادة وكان واضحاً أن إعلان الاستقلال قد أصبح معركة فكل جهة كانت تريد أن يكون لها قصب السبق في إعلانه. وكان الأزهري أول من أعلن ذلك بصفته رئيساً للحزب الوطني الاتحادي، الحزب الحاكم. وعموماً كان هناك إجماع على الاستعجال في إعلان الاستقلال منذ بداية العام،  وبدأ التنافس في من سيكون له قصب السبق في ذلك. وأراد رئيس الوزراء أن يكون له شخصياً قصب السبق في إعلان الاستقلال. وقام في أوائل عام  1955 بجولات في مديريات السودان المختلفة داعياً  للاستقلال.(101)

 

 

إعلان  استقلال السودان :

رغم التصريحات التي جاءت من الحاكم العام  ومن رئيس وزراء الحكومة  الانتقالية بأن واجبهما تنفيذ الاتفاقية نصاً وروحاً إلا أن الأحداث التي شهدتها الفترة  الانتقالية كانت تشير إلى ضرورة  اقتضاب  الترتيبات  الدستورية  التي  تضمنتها  الاتفاقية  لتقرير  المصير.  وكان السودانيون ومنذ مطلع عام 1955 تواقين لإعلان الاستقلال وأبدوا رغبة واضحة لخرق الاتفاقية. وكانت المادة الثانية عشرة من الاتفاقية قد عهدت إلى الجمعية التأسيسية تحديد مستقبل السودان.

أعلن رئيس الوزراء في جلسة سابقة لجلسة 19 ديسمبر 1955 التاريخية التي أجمع فيها البرلمان على إعلان الاستقلال بأن حكومته ستتقدم باقتراح لإعلان الاستقلال. وكان لابد من تأمين أشياء أخرى  تتماشى مع قرار اقتضاب بنود الاتفاقية الخاصة بتقريرالمصير وإعلان ذلك من داخل البرلمان. وكان أهم التهديدات جنوب السودان فالجنوبيون كانوا دائماً مع تأجيل تقرير المصير وعارضت وجهة النظر الجنوبية إعلان الاستقلال وكان هناك وعد بالنظر في موضوع اتحاد فدرالي. ولم يجد قرار إعلان الاستقلال ترحيباً  لدى الجنوبيين عندما بدأ الحديث عنه.

كان يتوقع من الحكومة السودانية أن تولي مسألة الجنوب أهمية قصوى للتوتر  الذي  يشهده  الإقليم  ولأنها كانت عقبة أساسية خلال المفاوضات المصرية – البريطانية حول السودان.فقد تولدت مرارة لدى الصفوة المتعلمة في الجنوب لإبعادها وعزلها عن مباحثات الأحزاب السودانية في القاهرة. ومما يجدر ذكره أن الأحزاب الشمالية لم تعمل عند تكوينها على استقطاب جنوبيين لعضويتها ولم تفعل ذلك إلا مؤخراً عندما أدركت الحاجة للناخبين من جنوب السودان في معركة الانتخابات. وكان متوقعاً أن تزداد حدة  التوتر في جنوب السودان بإعلان الحكومة عن ملء الوظائف التي سودنت والتي لم يعين بموجبها جنوبيون في وظائف عليا، رغم وعود الحزب الوطني الاتحادي خلال المعركة الانتخابية بمنح الأولوية للجنوبيين في ملء الوظائف الشاغرة في  الجنوب والمنافسة على تلك  في  الشمال.(102) وكانت النتيجة على كل حال تمرد القوات الاستوائية  في أغسطس 1955 عقب يومين فقط من إجازة البرلمان في 16 أغسطس لقرار  بجلاء جيوش دولتي الحكم  الثنائي عن السودان.

لتلافي المعارضة الجنوبية لإعلان الاستقلال أجاز البرلمان اقتراحا في 19  ديسمبر  بأن تعطى الجمعية  التأسيسية التي ستنتخب لإعداد وإجازة  الدستور الدائم  للسودان اعتبارا  كافياً  لمطلب  النواب  الجنوبيين  الخاص  بقيام  اتحاد  فدرالي  بين  المديريات الجنوبية الثلاث وشمال السودان في نطاق وحدة  القطر. (103) وأجيز  اقتراح آخر بقيام  جمعية  تأسيسية  منتخبة  لوضع وإقرار الدستور الدائم وقانون  انتخابات  للبرلمان  المقبل.  وكانت تلك مهام المادة  الثانية  عشرة  من الاتفاقية  التي  تركت  للجمعية  التأسيسية  واجبين؛ الأول أن تقرر مصير السودان وحدة لا تتجزأ  والثاني أن تعد  دستورا  للسودان يتوافق مع  القرار الذي  سيتخذ  في هذا  الصدد  ووضع  قانون لانتخاب برلمان سوداني  دائم. ولحل مسألة الدستور فقد اعتمد دستور الحكم الذاتي بصورة مؤقتة بعد إدخال تعديلات طفيفة عليه.

حسمت مسألة إعلان الاستقلال نهائياً في 19  ديسمبر 1955 عندما قرر  البرلمان  السوداني بالإجماع  :"نحن أعضاء مجلس النواب في  البرلمان مجتمعاً نعلن  باسم  شعب  السودان  أن السودان  قد  أصبح  دولة  مستقلة  كاملة السيادة  ونرجو من معاليكم ( الحاكم العام ) أن  تطلبوا من دولتي الحكم الثنائي الاعتراف  بهذا  الإعلان  فورا "(104).كانت الحكومة المصرية واقعية جداً  بقبولها رسمياً لهذا  القرار الذي  وجد  ترحيباً من الحكومة البريطانية. 

 

 

الخاتمة:

أبان ما تقدم أن بريطانيا كانت الدولة المسيطرة على السودان طيلة فترة الحكم الثنائي. ونتج عن الحكم الثنائي وسياسة الإدارة البريطانية في السودان انقسام الحركة الوطنية إلى أحزاب اتحادية وأقسام استقلالية.

لم تكن  اتفاقية الحكم الذاتي بدستورها الملحق التي نصت على إنهاء الحكم الثنائي بعد فترة انتقالية أقصاها ثلاث سنوات  خطوة إلى الأمام في طريق بناء سودان موحد، فقد كانت مليئة بالثغرات التي كان لها نصيب الأسد في تصعيد مشكلات السودان في مرحلة ما بعد الاستقلال. وبالرغم من أن العامل السوداني كان أكثر العوامل حسماً للنزاع إلا أن اتحاد الأحزاب السياسية كان مرحلياً فقط لتحقيق الحكم الذاتي وتقرير المصير. كما تميزت الفترة الانتقالية بالتركيز على ماذا سيكون مصير السودان بدلا عن أن تكون فترة تدريب على الحكم الذاتي والالتفات لبرامج ما بعد الاستقلال الملحة وحل المشكلات التي خلفها الحكم الثنائي بوضع برامج للتطوير. كما أن اقتضاب إجراءات تقرير المصير التي نص عليها في الاتفاقية والعجلة التي لازمت إعلان الاستقلال كان له مساوئه التي تمثلت في عدم إعداد دستور دائم للبلاد، المهمة التي نصت عليها المادة 10 والمادة 12 من اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير التي نصت على انتخاب جمعية تأسيسية أحد واجباتها إعداد دستور للسودان يتواءم مع مصير السودان الذي تقرره الجمعية التأسيسية المنتخبة. وظل الدستور مؤقتا عام 1956 واعتمد مرة أخرى مؤقتاً عقب ثورة أكتوبر 1964م.  كما أن انقسام الحركة الوطنية في منتصف أربعينيات القرن الماضي كان بداية لصراعات مريرة تحكم فيها زعماء الطوائف تواصلت عقب الاستقلال مباشرة عندما اتحد زعيما الطائفتين لإسقاط حكومة الحزب الوطني الاتحادي وتكون حزب الشعب الديمقراطي الذي دخل مع حزب الأمة في ائتلاف غير متجانس. وكان كسب الجنوبيين على عجل للموافقة على إعلان الاستقلال مع وعد بالفدرالية لم يراع ولم ينفذ عقب الاستقلال البداية لصراع شمالي – جنوبي تطور إلى حرب أهلية أدت في نهاية المطاف إلى انفصال جنوب السودان.

 

 

النتائج:

  • سيطرة بريطانيا على الأوضاع السياسية في السودان طيلة فترة الحكم الثنائي بعد أن أبعدت عملياً مصر شريكها في الحكم .
  • كان لسياسة بريطانيا أثر مباشر في انقسام الحركة الوطنية إلى أحزاب اتحادية وأخرى استقلالية .
  • اتسمت اتفاقية الحكم الثنائي بالعديد من التعقيدات مما تسبب في مشكلات عدة للسودان لازمته في مرحلة ما بعد الاستقلال .
  • كان رد الجنوبيين على استعجالهم للموافقة على إعلان الاستقلال وما وعدوا به من الفيدرالية ولم ينفذ ، بداية لصراع شمالى-جنوبي تطور لحرب أهلية أفضت في نهاية المطاف إلى انفصال جنوب السودان.

 

التوصيات :

  • إجراء المزيد من البحوث لمعرفة الآثار بعيدة المدى التي خلفها الحكم الثنائي في السودان.
  • دراسة الأسباب الموضوعية والذاتية لانقسام الحركة الوطنية السودانية في وقت مبكر قبل إنجاز الاستقلال .
  • البحث عن مسؤولية الأجزاب السياسية الشمالية عن صياغة القوى السياسية في جنوب السودان وما أفضت إليه من نتائج

 

الهوامش :

  1. فدوى عبد الرحمن علي طه، مصر والسودان: الاحتلال العسكري، الكتاب المرجع في تاريخ الأمة العربية، المجلد السادس 2008، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس  ص 485-504.
  2. محمد سعيد القدال، تاريخ السودان الحديث 1820 - 1955، طبعة ثانية، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، أم درمان 2002،  ص .306
  3. نفس المصدر ص 308.
  4. نفس المصدر ص 311
  5. نفس المصدر ص 312
  6. نفس المصدر ص 313
  7. P. M Holt & M W Daly, A History of the Sudan from the Coming of Islam to the Present Day, Fourth edition, Longman, London, 1988, p. 111
  8.  نفس المصدر ص 113
  9. نفس المصدر.
  10. M. W. Daly, Empire  on  the  Nile  The  Anglo  -  Egyptian  Sudan  1898  -  1934,  Cambridge  University  Press,  1986, p. 5
  11. محمد سعيد القدال ، مصدر سابق، ص 317
  12. Daly, Empire on the Nile, p. 14
  13. نفس المصدر.
  14. نفس المصدر.
  15. نفس المصدر ص 15.
  16. نفس المصدر
  17. للمزيد عن مسألة حلايب انظر:  فيصل عبد الرحمن علي طه، حلايب وحنيش مقالات في القانون الدولي العام، طبعة أولى مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي  2000.
  18. راشد البرواي، مجموعة الوثائق السياسية لمصر والسودان، القاهرة  1952، ص107-110.
  19. ويقصد بذلك غزو محمد علي باشا للسودان بين عامي 1820 – 1821 . حق  الفتح  في  القانون  الدولي  التقليدي  وعندما  كانت  الحرب  مشروعة  لتحقيق  أهداف  السيادة  الوطنية  كان  الفتح  سبباً  لاكتساب  السيادة  على  الإقليم.
  20. منها رجوع فرقة من الجيش المصري إلى السودان على أن تبقى قوة دفاع السودان تحت سيطرة الحاكم العام. 
  21. يونان لبيب رزق، السودان في عهد الحكم الثنائي الأول 1899-1924، القاهرة 1976 ص 44-60. 
  22. Daly, M.W. Empire On the Nile, , pp 13-20
  23. P. M Holt & M W Daly, op.cit., p. 120
  24. For more details see: Gabriel Warburg,The Sudan under Wingate: Administration in the Anglo-Egyptian Sudan 1899-1916, Taylor & Francis, Ltd, London 1971.
  25. Holt and Daly, op.cit., p. 122
  26. Daly, Empire on the Nile, p. 72
  27. محمد سعيد القدال، مصدر سابق ص 337
  28. أحمد إبراهيم أبو شوك، "الإدارة الأهلية في السودان، النشأة والتطور والإلغاء": في: السودان السلطة والتراث، الجزء الخامس، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي 2015 ص 122 – 127
  29. Holt and Daly, op.cit., p.123
  30. محمد عمر بشير، تطور التعليم في السودان 1898 – 1956مم، ترجمة هنري رياض – الجنيد علي عمر – عبد الله الحسن محمد سليمان، دار الثقافة، بيروت 1970م، ص 89
  31. نفس المصدر.
  32. محمد عمر بشير، تطور التعليم في السودان،  صـ69.
  33. للمزيد عن فترة سير إستيوارت سايمز انظرM. W. Daly, Imperial Sudan The Anglo - Egyptian Condominium 1934 - 56, Cambridge university Press, 1991 pp. 9 - 45.
  34. ف ل قريفث، تجربة في التعليم: رواية لمحاولات تحسين تعليم البنين في المراحل الأولية بالسودان الإنجليزي – المصري المسلم 1930 - 1950، ترجمة فدوى عبد الرحمن علي طه،  مطبعة جامعة الخرطوم 2014. شغل قريفث منصب عميد معهد التربية ببخت الرضا خلال الفترة 1934 - 1950.
  35. نفس المصدر ص 16
  36. محمد سعيد القدال مصدر سابق ص 388.
  37. ناصر السيد، تاريخ السياسة والتعليم في السودان، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم الطبعة الثانية، 1990م، ص 99.
  38. فدوى عبد الرحمن علي طه، أستاذ الأجيال عبد الرحمن علي طه 1901-1969م، بين التعليم والسياسة وأربجي، دار جامعة الخرطوم للنشر، دار عزة للنشر  2004م، صـ142. 
  39. نفس المصدر ص 154.
  40. نفس المصدر ص 223 – 224.
  41. داود ساغة محمد عبد الله، تاريخ التطورات التعليمية في السودان 1956 – 1970، رسالة ماجستير، جامعة الخرطوم 2006، ص 18.
  42. محمد عمر بشير، مصدر سابق، صـ338.
  43. ناصر السيد، مصدر سابق، صـ138.
  44. سعاد عبد العزيز أحمد، ، قضايا التعليم  الأهلي  في السودان 1898-1956م، دار جامعة الخرطوم للنشر، 2002م، صـ89.
  45. داود ساغة محمد عبد الله، مصدر سابق.
  46. Holt & Daly op.cit., pp. 138 - 139.
  47. نفس المصدر ص 125.
  48. محمد سعيد القدال، مصدر سابق، ص 417 – 418,
  49. Daly, Imperial Sudan, p. 413
  50. محمد سعيد القدال، مصدر سابق، ص 350.
  51. نفس المصدر، ص 354 - 355
  52. فدوى عبد الرحمن علي طه، كيف نال السودان استقلاله دراسة تاريخية لاتفاقية 12 فبراير 1953 المصرية – البريطانية حول الحكم الذاتي وتقرير المصير، طبعة ثانية مركز عب الكريم ميرغني الثقافي، أم درمان، السودان، ص 86 – ص 87
  53. Holt & Daly, op.cit., p. 121
  54. محمد سعيد القدال، مصدر سابق، ص 372.
  55. محمد سعيد القدال ص 364
  56. نفس المصدر ص 376.
  57. نفس المصدر 360 – 362
  58. Holt & Daly p 125.
  59. نفس المصدر ص 129.
  60. Fadwa Taha Sudanese protest under Anglo-Egyptian rule, International Encyclopedia of Revolution and Protest, ed. Immanuel Ness, Oxford: Blackwell Publishing ,(USA) vol. 7  2009, 3192–3195.
  61. محمد سعيد القدال، مصدر سابق، ص 411
  62. نفس المصدر ص  419 - 420
  63. نفس المصدر ص 432.
  64. نفس المصدر ص 445- 447.
  65. نفس المصدر ص 463.
  66. Hassan Ahmed Ibrahim, The 1936 Anglo – Egyptian Treaty, Khartoum University Press, 1976. 
  67. محمد سعيد القدال، مصدر سابق، ص 477.
  68. نفس المصدر  ، صـ478.
  69. Beshir, M.O., Educational Development in the Sudan, 1899 – 1956, Oxford 1969, pp. 151 – 152 & pp.237- 253.
  70. عبد الرحمن علي طه، السودان للسودانيين طمع فنزاع ووثبة فجهاد، طه، تحقيق فدوى عبدالرحمن علي طه، دار جامعة الخرطوم للنشر 1992، ص 8
  71.  لمزيد  من  التفاصيل  انظر  :Abu  Hasabu,  Afaf,  Factional  Conflict in  the  Sudanese  Nationalist  Movement,  1918  -  1948,  Khartoum,  1984                                                         
  72. Fadwa Abd al-Rahman Ali Taha,  Sayyid Abd al-Rahman al-Mahdi: "Kingship and its Implications on the History of the Sudanese Nationalist Movemen"t. Conference Papers, University of Durham, 1 (1991): 53–60
  73. فدوى عبد الرحمن علي طه، كيف نال السودان استقلاله، ص 104.
  74. محمد سعيد القدال، مصدر سابق ص 498 – 499.
  75. نفس المصدر  ص 494.
  76. البيان الذي ألقاه رئيس الحزب الجمهوري في الاجتماع العام للحزب، 30 نوفمبر 1951، دار الوثائق القومية (الخرطوم) الأحزاب السودانية نمرة 2/1/1.
  77. Fadwa Taha, "The Socialist Republican Party 1951 – 1954 ‘A Party without Ingredient’, Middle Eastern Studies, (Routledge) vol. 47, No. 4, 655-671,July 2011.
  78. Note  by  Robertson  on  SAD 's  Memorandum  to  Mr.  Eden,  7.10.1952.,   SAD, 523/4/75                                                                                                                                   
  79. فاطمة بابكر محمود، المرأة الإفريقية بين الإرث والحداثة، دار كمبردج للنشر كمبردج المملكة المتحدة، 2002 ص 262 – 263
  80. للمزيد من التفاصيل عن المجلس الاستشاري انظر: نعمات بشير إبراهيم، المجلس الاستشاري لشمال السودان 1944-1948، رسالة ماجستير، جامعة الخرطوم 1992.
  81. فدوى عبد الرحمن علي طه، كيف نال السودان استقلاله ، ص 100 وص 104
  82. M. O. Beshir, Revolution & Nationalism in the Sudan, London 1972, p. 173.
  83. ,  Tim Niblock ,  Class  and  Power  In  Sudan :  The  Dynamic  of  Sudanese Politics  1898  -  1985,  London,  1987,  160                                                                                                                
  84. فدوى عبد الرحمن علي طه، كيف نال السودان استقلاله، ص 65
  85. مداولات  الجمعية  التشريعية  الأولى  1948  -  1952 الملخص الأسبوعي الدورة الأولى والثانية،  مكتبة  السودان،  جامعة  الخرطوم.
  86. فدوى عبد الرحمن علي طه، كيف نال السودان استقلاله، ص 67.
  87. Robertson  to  Mayall,  26.1.1951, (Sudan Archives Durhan)  SAD 522/13/38.                                                                                     
  88. حيدر إبراهيم علي، الديمقراطية السودانية، المفهوم، التاريخ، الممارسة، الحضارة للنشر، القاهرة 2013، ص 94
  89.  للمزيد انظر: فدوى عبد الرحمن علي طه، "التمهيد للحكم الذاتي وتقرير المصير"، في: استقلال السودان ستون عاماً من التجربة والخطأ 1956 – 2016، تحرير حيدر إبراهيم علي، مركز الدراسات السودانية القاهرة 2016
  90. فدوى عبد الرحمن علي طه، كيف نال السودان استقلاله، ص 300 - 327.
  91. أحمد إبراهيم أبو شوك، الفاتح عبد الله عبد السلام، الانتخابات البرلمانية في السودان 1953 – 1986، مقاربة تاريخية – تحليلية، أم درمان، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، ص 64
  92.  Report by S. LIoyd, Foreign Minister of State  on his Visit to the Sudan from 21 March to 27 March 1954,(Public Record Office, Foreign Office) PRO FO371/102754
  93. محمد أحمد محجوب،  الديمقراطية في الميزان، طبعة ثانية، الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، بدون تاريخ، ص 178.
  94. فدوى عبد الرحمن علي طه، كيف نال السودان استقلاله،   ص 358 – 483
  95. تاج السر عثمان بابو، بمناسبة مرور 69 عاما على تأسيس الحزب الشيوعي السوداني ، www.alrakoba.net/articles-action-show-id-63535.htm
  96. فدوى عبد الرحمن علي طه، كيف نال السودان استقلاله، ص 295.
  97. نفس المصدر ص 324
  98. Wingate to Cromer, 24.2.1915, The Wingate, The Wingate Papers, SAD, No. 194/2/157.
  99. فدوى عبد الرحمن علي طه، كيف نال السودان استقلاله، ص 304.
  100. عبد الرحمن علي طه، مصدر سابق 205 – 206.
  101. فدوى عبد الرحمن علي طه، كيف نال السودان استقلاله، ص 324.
  102. نفس المصدر ص 328 – 329.
  103. نفس المصدر ص 349.
  104. صحيفة الأيام، 20/12/1955.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خريطة السودان الإنجليزي - المصري

 

أضف تعليقاً

0 تعليقات