سواكن المدينة المفقودة نشأة المدينة، الجغرافية والسكان

العشرين من شهر مايو عام 2018م



أ . د عبدة عثمان عطا الفضيل دياب

المستخلص:

     دراسة سواكن كانت في الأصل أُطروحة (دكتوراة) تمت  بقسم الآثار في جامعة الخرطوم. وسيتم عرضها هنا على ثلاثة مراحل لفائدة النشر وما يتيحه من حيز. فالعرض الأول كما جاء في عنوان هذه الورقة، أما الأخيران فيأتيان تباعاً: الثاني يعنى بمعمار المدينة وزخارفها، بينما يهتم الثالث بالملابسات التي جعلت سواكن تنهار ،حيث تهتم هذه الورقة بنشأة مدينة سواكن التاريخية متطرقة للظروف التي أحاطت بفترات تكوينها وانتعاشها.

     من المعلوم أن الهجرات العربية التي توجهت بغزارة إلى إفريقيا قد استقبل السودان مجموعات كبيرة منها إلى جانب وجود سلالات أخرى؛  لتجاوره مع الجزيرة العربية وتوسطه للقارة الإفريقية وضمه للجزء الأكبر من حوض النيل، الشيء الذى جعله مميزاً دون الأقطار الأخرى ؛ لتمثيله تلك السلالات في تكوينه العرقى والثقافي.

    إن الترحال والانتقال ميزة بشرية منذ القدم وسبب للنهوض والإبداع  ، حيث تلتقي الأعراق بثقافاتها المتباينة فتنصهر مع بعضها عرقياً وثقافياً . ومع أن تاريخ سواكن عُرف منذ فترات قديمة لكن الموثق منه تزامن مع حركة الفتوح الإسلامية.  والشاهد أن قبائل البلو قد قدمت قبل الإسلام لمنطقة البجا، أما الأثر الواضح للدماء السامية وامتزاجها مع أهل المنطقة فيرجع للقرن السابع لقبيلة ربيعة، التي كثرت هجرتها في القرنين التاسع والعاشر فتصاهرت بكثرة مع أهل البجا. فالهجرات  كلها أثرت في التركيبة العرقية للبجا، فهم اليوم مزج حامي وسامي يصنفان على مجموعتين كبيرتين. فتشكلت نتيجة لذلك حياة واحدة  انعكست  فيها العادات والتقاليد المتشابهة والمشتركة. كما يشمل هذا الجانب التكوين السكاني الذي تضمه مدينة سواكن من مختلف الأعراق وكيفيفة نهوضهم بالمدينة تجارياً بفضل ممر البحر الأحمر وأهميته التجارية التي امتدت للآفاق البعيدة وكيف تيسر لهم بناء علاقات تجارية متينة امتدت حتي الصين فأصابوا منها قدراً من الثراء مكنهم من إنشاء منازلهم على نمط العمارة الإسلامية فتأثروا بثقافة الشرق فأبدعوا في إنشاء  العمارة وافتنوا فيها .

     كما تستعرض الورقة جغرافية المنطقة والحياة الاجتماعية لسواكن، والظروف التي صاحبت التجارة وأسباب ازدهار مباني المدينة وانكماشها ؛ نتيجة للإفرازات السياسية المسيطرة على هذا الممر (البحر الأحمر) المهم للتجارة العالمية في العصور الوسطي وما بعدها. بسبب احتكار النقل التجاري وتوجيه حركته لمحطات إعادة تصدير السلع نفسها إلي أوروبا بأضعاف مضاعفة من سعر المنشأ، فتعود عليهم بالأرباح الطائلة، الشيء الذي يحرم تلك المدن – سواكن- من الاستمتاع بعائدات تجارتهم الحقيقية. ومن ثم خلصت الورقة لنتائج وتوصيات.

 الجغرافية :

          يقع إقليم البجا أقصي الشمال الشرقي للسودان بين خطي الطول 33  و 39 درجة شرقاً وخطي العرض 18 و 23 درجة شمالاً. فشمالاً يلتحم بالحدود المصرية عند بئر شلاتين ثم يمتد جنوباً إلى مصوع ( محمد صالح ضرار، 1992: ص 9) أما شرقاً فيحده البحر الأحمر بينما يمتد غرباً حتى مشارف النيل. وعموماً تتشابه فيه البيئة الطبيعية وتتميز هذه الجغرافية بتضاريس متنوعة أهمها سلسلة من التلال التي تكون هضبة جبلية تجري في محاذاة البحر الأحمر من أقصى شمال الإقليم إلى جنوبه حيث تتصل بالهضبة الأثيوبية. والهضبتان معاً تشكلان الجزء الأعلى من الاخدود الإفريقي العظيم ،الذي تكون فى الماضى نتيجة للتحركات الأرضية الباطنية ما بين عصري المايوسين والبلايوسين( الشامي 1937:  49). ويلاحظ أن سلسلة جبال البحر الأحمر الصخرية البازلتية تتسع جنوباً بينما تضيق في إتجاه الشمال، وترتفع عن سطح البحر بألف متر في أدنى ارتفاع ولا تتجاوز ألفي متر في أعلاه .Barbour,1961:25)  )

      كما أنها في حالة اتصال ولايقطع تسلسلها إلا الممر الذي قطعه مجرى خور بركة الموسمي من ناحيتها الجنوبية، حيث أن الناحية الغربية لهذه السلسلة أرض منبسطة تنحدر بلطف في الاتجاه الغربي فتمتزج بسهول البطانة ذات الكثبان فتواصل امتدادها حتى مشارف نهر النيل، وهي السهول التي توافر المرعى لقبائل البجا صيفاً، ومن ناحيتها الشمالية تتجه تلك السهول لتلتقي بالصحراء النوبية.  (Barbour,1961:27 )

     يتميز الشريط الساحلي عامة بالضيق بين البحر وسلسلة الجبال فيتراوح عرضه بين عشرين ميلاً في أضيق مواقعه و لايتجاوز الستين ميلاً عند أوسعها في اتجاه الجنوب، حيث يلتقي بالسهول الخصبة المتسعة المتجدده سنوياً بدلتا خور بركة. وطبيعة الساحل رملية تشقها بعض المجاري المنحدرة من الجبال في اتجاهها للبحر حاملة معها بعض التربة الطينية فتمتزج برمال الشاطئ فتكسبها لوناً هادئاٌ ويحتوي  الشاطئ على التراكمات المرجانية، ويتصف خط الشاطئ بالتعرج الواضح؛ إذ تنساب مياه البحر داخل اليابسة في المواقع المنخفضة على شكل خلجان آمنة _ عيزاب وسواكن وعقيق وترنكتات _ بينما تتجه اليابسة على شكل ألسنة داخل البحر فتكون أجزاءً صغيرة قرب الشاطئ في بعض المواقع.

المنــــاخ:

    تأثرت البيئة الجغرافية (الحياة النباتية والحيوانية) بالمناخ، حيث تتحدد طبيعة التربة وقدرتها الإنتاجية، و استطاعة جذبها للاستقرار البشري ( عيد علي الخفاف 1988: 52 ).

      يتصف مناخ شرق السودان حالياً بالجفاف والحرارة الشديدة بصورة عامة؛ بحكم أنه مداري قاري، ولتباين أرضه بين الصحراء وشبه الصحراء فهو شديد تقلبات الحرارة والجفاف. مع ملاحظة أن الامتداد الطبعي لسلسلة جبال البحر الأحمر جعلها تقف معترضة الرياح الشمالية الشرقية عند موسم الشتاء والرياح الجنوبية الغربية الموسمية عند موسم الصيف، مما يترك أثراً واضحاً ومتبايناً في شرق السلسلة عند الساحل مقارنة بسفوحها الغربية. فشتاءً تحمل الرياح الشمالية الشرقية الأمطار والغمام للشريط الساحلي والجوانب الشرقية من السلسلة وتزداد كلما اتجهنا جنوباً. وتتسبب تلك الرياح في خفض درجات الحرارة في الفترة الممتدة من نوفمبرحتى فبراير لتصل ما بين 19 إلى 29 درجة مئوية في العام. (Eltom,1991:4  ).

وهذا الشريط الساحلي يعرف باسم القَنِب، ويمتد من منطقة حلايب في الشمال حتى منطقة طوكر في الجنوب. وهو شبيه بباقي الإقليم في جدبه. إلا أن أثر الأمطار الشتوية تحيل المنطقة إلى كساء أخضر فتجذب معظم رعاة البجا ليبقوا فيه حتى قرب انتهاء فترة الصيف( بول، مصدر سابق:ص 12) ، أما في الصيف فتتصادم الرياح الجنوبية الغربية الرطبة بالقمم الغربية لسلسلة جبال البحر الأحمر فتحدث أمطاراً خفيفة تنساب في اتجاه الغرب. وتجد هذه الرياح الغربية طريقها أحياناً من بين سلسلة الجبال عند ممر خور بركة الواسع فتمطر صيفاً في بعض مناطق الساحل الجنوبية فتصل الرطوبة في هذه الفترة إلى درجات مرتفعة تتجاوز 60% وأحياناً 70% عند ساعات النهار فهذه الظروف الطبعيَّة لشرق السودان تجعل متوسط الأمطار السنوي يتباين ما بين شمالها وجنوبها، ( 25 ملمتراً شمالاً إلى 250 ملمتراً جنوباً)     Barbour,1961:49))   

          إن تأثير كميات مياه الأمطار الشحيحة في الغطاء النباتي لمنطقة شرق السودان عامة طبعي، فهو فقير تسوده النباتات الصحراوية وشبه الصحراوية ، بينما يكون ذلك الغطاء وفيراً حيث مجاري الأودية والخيران الموسمية الكبيرة. فعدم وجود الماء جعل البيئة قاسية قاحلة على قبائل البجا الرعاة، وحدَّ من توافر المرعى لقطعانهم من الجمال والأبقار والضأن والماعز، وأن يعتمدوا على الزراعة موسمياً في الصحراء الشمالية (بول، 1954: 11) . يلاحظ أن شح الأمطار المستمر، ومواسم الجفاف المتعاقبة قد بدلت الغطاء الحيوي لكل منطقة شرق السودان ، خاصة المراعي والغابات ، الشيء الذي جعل كثيراً من النباتات والحيوانات أن تختفي تماماً.

          توجد في تاريخ منطقة شرق السودان إشارات واضحة يمكن أن يستنج منها ما كان عليه المناخ قديماً، تدل على أنه كان مختلفاً تماماً عما عليه اليوم . حيث كان له عظيم الأثر في الجوانب السياسية والاقتصادية و الحياة الاجتماعية للمنطقة . فحملات الفراعنة الأولى لاستخراج واستغلال الذهب في منطقة شرق السودان قد بدأت في عهد بيبي الثاني عام 2644 ق.م ، وأن عملية تصفيته تتطلب مياهاً كثيرة لابد أن تكون متوافرة حينها. فإذا كان هذا في أمر الذهب الذي تصعب عمليات استخراجه لما يتطلبه من جهد وعمالة وخبرة، فلابد أن تكون قد بدأت قبل ذلك  حملات لاستغلال خيرات المنطقة ، مثل: الأخشاب التي تنوعت ما بين الأبنوس وشجر المر وصمغه وشجر القرفة والبخور وسن الفيل والصمغ والفهود. وفي فترات لاحقة قام البطالسة بتصدير الفيلة نفسها من المنطقة عبر البحر الأحمر. تلك الأصناف وغيرها هي التي سجل التاريخ  توافرها في المنطقة فتوافدت شعوب عديدة للحصول عليها . ويبدو من تلك الأصناف أن مناخ منطقة البجا يمكن أن يوصف على أسوإ الأحوال وقتها بالسافنا الغنية.

الســـكان:

      ظلت منطقة الشرق الأوسط ثورة للنشاط الحضاري منذ بدايات البشر ، وحينها كان عليهم مواجهة التغييرات الطبعية النشطة التي تحدث كالكوارث التى تجبر الناس على الرحيل فتساعد في إحداث الحضارة عن طريق جمع الناس ذوي التقاليد المتباينة .فبتعارفهم وتعاونهم يتعلمون من بعضهم بعضاً مما يزيد مجموع الطاقة الكامنة في مجتمعاتهم(J.M.Roberts,1980:p.108  )

وقد لوحظ انتشار الساميين والحاميين فى أنحاء عديدة من الشرق الأوسط من موطنهم فى الجزيرة العربية، بعد منتصف القرن الثالث قبل الميلاد. واستقبل السودان مجموعات كبيرة منها إلى جانب سلالات أخرى؛  لتجاوره مع الجزيره العربية وتوسطه للقارة الإفريقية، وضمه للجزء الأكبر من حوض النيل، الشيء الذي جعله مميزاً دون الأقطار الأخرى لتمثيله تلك السلالات في تكوينه العرقي والثقافي ( جوهر ومخلوف،37:1969 ). وهناك أسباب عديدة لتلك الهجرات أبرزها الجفاف الذي ضرب الجزيرة العربية. وأن البحر الأحمر لم يشكل عائقاً في أي من أجزائه لربط القارتين، بل كان حلقة وصل بينهما بجانب  الصلة المباشرة لإقليم الحجاز بالشاطئ الآخر المقابل.( محمد عوض 1951-7). فالسفن كانت تتحرك دوماً بين الشاطئين (مقلد، بدون تاريخ:19 ). و رغم أنها كانت قليلة في أول أمرها إلا أنها سرعان ما كانت ذات أثر عظيم عند دخول الإسلام .

       سلكت تلك الهجرات عدة طرق لتصل إلى السودان وتستقر فى سهوله ، فلا يتقيدون بموقع واحد أو حدود معينة فى السعي خلف الماء والكلإ. فوجدت في مناطق هجرتها الجديدة ظروفا أحسن لممارسة الرعي والطواف بدوابهم بحرية تامة في السهول والوديان الغنية بالماء والكلإ.

       اختلفت الآراء حول الأصول العرقية لقبائل البجا التي تسكن في شرق السودان فهم بصفاتهم هذه أقرب تشابهاً لأهل مصر في الفترة التي لم تبدأ فيها بعد عهود الأسرات (جوهر ومخلوق، مصدر سلبق:40) .

      اتفق جورج زيدان مع محمد صالح أن أصلهم سامياً وقد أشار إليه فى كتابه  أن عرب الشاسو هجروا مواقعهم في بلاد الشام ليستوطنوا في المنطقة التي سماها الفراعنة بـ " تشر" ( وتعني الأرض الحمراء) أي المنطقة جنوبهم ما بين النيل والبحر الأحمر. (محمد صالح، مصدر سابق:35). وهناك رأى آخر يرجعهم للنسب الكنعاني عن طريق حام حيث كانت تنتشر الدماء الحامية في جنوب الجزيرة العربية فاتجهت منها مجموعات عابرة للبحر الأحمر لتستقر منذ وقت باكر في مناطق شرق السودان(بول، 18:مصدر سابق:18). ومع أن البجا والنوبة يعدان من أقدم السلالات التي تسكن السودان إلا أن عدم اختلاط البجا بدماء أخرى أبقاهم أصفى جوهراً من النوبة. و ذهب بعضهم (انطلاقاً من هذا المفهوم)، أن سماتهم الشخصية تشابه قدماء المصريين(محمد عوض، مصدر سلبق: 22، بول،مصدر سابق:18-19).

       قدمت قبائل البلو قبل الإسلام لمنطقة البجا ( ضرار،1997: 81). ولكنَّ الدماء السامية وامتزاجها مع أهل المنطقة فيرجع للقرن السابع لقبيلة ربيعة، والتي تكاثرت هجرتها في القرنين التاسع والعاشر فتصاهرت بكثرة مع آهل البجا (محمد صالح،مصدر سابق: 23، بول، مصدر سابق:20). فقد تركت منطقة اليمامة بنجد وتفرقت هجرتها بين فارس ومصر والجزيرة وكانت بداية ذلك عام 238هـ (852م) . حيث كان نزولها فى أرض البجا والمنطقة الجنوبية من مصر (ضرار، مصدر سابق:97). كما أن القرنين التاسع والعاشر شهدا نزوح قبائل صغيرة لشرق السودان كالحلنقة والأرتقية والحسناب والأشراف، فتمكنوا بعد عبورهم للبحر الأحمر عن طريق سواكن من الانتشار في أرض البجا والامتزاج بأهلها وتبني ثقافتها(بول،مصدر سابق:20)  فقد اختلط  عرب ربيعة بالبجا(خاصة الحداربة) وانتقلت  إليهم  الزعامات  عندما أدركوا   مفهوم انتقال  السلطة  عن طريق  الوراثة بالأم  خاصة قد انفتحت  أبواب النوبة والبجا بعد الحملة  التي قام بها (أبو عبد الرحمن  العمري) (مقلد ، مصدر سابق 59 ،60)  فحرص العرب  في كل  موقع  أقاموا  فيه  أن يتزوجوا من بنات  الزعماء ورؤساء  قبائل البجا فانتقلت الزعامة إليهم (مقلد ، مصدر سابق 62)  وهذا  بدوره  أدي  في النهاية  أن يندمج  المهاجرون مع السكان  الأصليين  باختلاف  انتماءاتهم  العرقية  المحلية، وهذا يعني  اندماج  الثقافة  العربية الإسلامية  التي حملوها مع الثقافات  المحلية  خاصة  عندما صحب قدوم العرب المسلمين وقيام  الإمارات الإسلامية .

    إن الهجرات كلها أثرت في التركيبة العرقية للبجا، فهم اليوم مزج حامي وسامي يصنفان على مجموعتين كبيرتين. فواحدة من نواحى الجنوب وقد غلبت عليها الدماء الحامية مع أنها تتكلم بلغة سامية. والأخرى تتركز في الشمال وهي مختلطة الدماء، وتميزت بسمات تضعهم أقرب إلى السمات الحامية من المجموعة الجنوبية. وأبرز تلك المميزات أن لغتهم هي الحامية(بول،مصدر سابق 32) وتشترك المجموعتان بما فيها من وحدات قبلية داخلها في التحدث باللغة. فكل الذين يقطنون ذلك الإقليم ويتكلمون البجاوية يطلق عليهم بجا ، منهم العبابدة والمجاذيب وغيرهم. علماً بأن هؤلاء يعدون أنفسهم جزء من البجا.

          تتكون قبائل البجة من عشرة قبائل تتواجد منتشرة من الشمال إلى الجنوب مبتدئة بالبشاريين والأمرأر والأشراف والكميلاب والهدندوة والملهيكتناب والحلنقة والبني عامر والحباب ، وقديماٌ عند رحلة ناصر خسرو(437هـ ) كانت مناطقهم حول عيزاب حيث لم يدينوا بدين ولهم في المنطقة التي يسكنوها مدينتان هما بحر النعام وعيزاب،  كما أنهم ليسوا أشراراً فهم لا يسرقون ولا يغيرون ويشتغلون بتربية ماشيتهم .وقد درج المسلمون وغيرهم بسرقة أبنائهم ليباعوا فى المدن الإسلامية(ناصر خسرو،134:1993) وقد أكد ابن جبير – الذي قام برحلته لتلك المنطقة بعد مائة وأربعين عام من رحلة ناصر خسرو – على أن أهل عيزاب هم البجا وهم يسترون أنفسهم بخرق.(ابن جبير،43:1981). كما أن نص المعاهدة المكتوبة بين عبد الله بن أبى الجهم وبين ملك البجا الذي كان مقيماٌ بأسوان وهو كنون بن عبد العزيز( في حملته عليهم بتوجيه من الخليفة المأمون). جاء في شطر من المعاهدة " وذلك أن يكون سهل بلدك وجبلها من منتهى حد أسوان من أرض مصر إلى حد ما بين دهلك وباضع ملكاٌ للمأمون عبد الله بن هارون أمير المؤمنيين…)  ( ضرار، مصدر سابق:102-103). وكانت تلك المعاهدة في ربيع الأول من عام 216هـ(813م). أي قبل زيارة خسرو بمائتين وثلاثين عاماٌ تقريباٌ، ويطلق على هذه القبائل مملكة البجا القديمة وهي تنتشر بين النيل والبحر الأحمر ، وهي حقيقة عدة ممالك ، إذ لكل بلد ملك منفرد. فالمملكة الأولى من حد أسوان، وهم قبائل وبطون منهم : الحدرات  وحجاب ( الحدراب والحباب ) والعمائر (الأمرأر ) وكرفر ( غير معروفة ) ومناسة ( منه ) ورسفه ( ما زالت موجودة ) وغريريعة والترنافج .أما المملكة الثانية فهي " بلقين " وهي كثيرة المدن ، وهم وثننيون ينتفون لحاهم ويقلعون ثناياهم ويُختتنون، وبلادهم بلا مطر . والمملكة الثالثة هي مملكة بازين وهم يتاخمون علوة ، والرابعة هي مملكة بازين ولهم ملك خطير مملكته من باضع إلى موضع يقال له الدجـاج ، وهم قوم يقلعون ثناياهم ، أما الخامسة فمملكة النجاشي ( الشاطر بصيلي 1955:-22:21). وترجع أنساب قبائل البجا إلى الجزيرة العربية ؛ فالبشاريون والبني عامر والأمرأروالكميلاب يرجع نسبهم إلى كاهل الذى ينتمي في نسبه إلى الزبير بن العوام ( محمد عوض،مصدر سابق:69 – ضرار، مصدر سابق:461-462 – أوهاج،:1986: 13 ) .

    تلك هي قبائل الشرق  بمعيار التقسيم التقليدي . تتشارك مع بعضها اللغة، والمهنة  الأساسية الرعي ؛ لان الزراعة والمهن الحرفية والمهنية سمة من سمات الاستقرار لم يكن لقبائل البجا حظ وفير منها. فالرعي ومتطلباته، برغم شح الأرض وجفافها وفقرها، قد أخذ اهتمام كل قبائل البجا تقريباً وجعلها في حالة حركة وبحث وانتقال دائمةً. الشيء الذي أفقد تلك القبائل حياة الاستقرار وما يتبع ذلك من تطور نواحي الحياة المختلفة، بخاصة التعليم فقد تفشت الأمية عند قبائل البجا؛ لأن حياة البداوة شغلتهم عن تلك الحضرية.

     لذلك رأي الباحث أن دور البجا كان مقدراً في مدينة سواكن سواء كان ذلك في إدارتها أو تجارتها طوال الحقب التاريخية للمدينة.

تاريخ سواكن:

          دلت الآثار على ساحل شرق إفريقيا الشرقي وساحل البحر الأحمر الغربي في الفترة من منتصف القرن الثالث عشر أن هناك هدوءاً وسلاماً شاملين استمرا حتى وصول البرتقاليين في نهاية القرن الخامس عشر.  في تلك الفترة استقرت على طول الساحل الصومالي الكيني التنجانيقي جماعات إسلامية متحضرة كما في ساحل البحر الأحمر الإفريقي فظهرت سمات مشتركة في هيئة وحياة تلك المدن كان أبرزها اشتغال أهلها بالتجارة البحرية وتشييد بيوتهم من الكتل الصخرية (أوليفر وميج، بدون تاريخ :109) .

          عُرف تاريخ سواكن منذ فترات قديمة لكن الموثق منه تزامن مع حركة الفتوح الإسلامية. فتاريخها قديم ارتبط في أذهان العامة بإسطورة الفتيات السبعة اللآئي أهداهن ملك الحبشة للملك سليمان وظهرعليهن آثار الحمل عند وصولهن إلى بيت المقدس فاكتشف الملك سليمان أن السفينة التي كانت تنقلهن في طريقها إليه قد مكثت فترة طويلة في جزيرة سواكن، وما كان يشاع عنها ( وقتها ) بأن الجن يسكنها فأعادهن  الملك ليعشن فيها ( محمد صالح ضرار،مصدر سابق:24). وربما ارتبطت هذه القصة بسواكن ؛لأن الملك سليمان كان يعلم بهذه المنطقة  إذ كانت سفنه تصل إلى ترشيش مع عبده حورام وتمر بسواكن كل ثلاثة أعوام لتعود محملة بخيرات بلاد أثيوبيا (السودان) من الذهب والفضة والعاج والطيور والحيوانات ( كما هو مذكور في التوراة) فكانت مركزاً تتجمع فيه منتجات أثيوبيا.

    كما أنها ارتبطت منذ الفترة 1415 - 339 ق.م بالفراعنة في القطر المصري حينما نصب رعمسيس الثاني فرعوناً على مصر (يسميه الإغريق سيزوستريس) وهو الذي اشتهر بتعذيب اليهود كما ولد سيدنا موسى عليه السلام في عهده، فاتخذ سواكن قاعدة لأسطوله التجارى. وعرف من بعده رعمسيس الثالث 1198ق.م المنطقة حتى بلاد البنت (بلاد الحبشة والصومال) وبذل جهداً كبيراً لتذليل التجارة مع جهات السودان المختلفة  حتى تعبر لمصر عن طريق البحر الأحمر. وتواصلت أهمية ممر البحر الأحمر وشواطئه فى عصر البطالسة حينما أعجبوا بموقع جزيرة سواكن وأسسوا فيها مركزاً تجارياً لسلع السودان فربطوا بين سواكن  وبربر وشندى ومروي وأم درمان وسوبا بطرق برية حفرت في جانب هذه الطرق الآبار (محمد صالح ضرار،مصدر سابق: 29).  كان اهتمام الرومان عند احتلالهم لمصر عام  284 م أن ينشئوا خطوط بحرية مباشرة إلى الهند ولم يهتموا بتجارة البحر الأحمر .

     أما العرب فقد عرفوا الساحل الغربى للبحر الأحمر قبل وبعد الإسلام. فهذه المنطقة من السودان شهدت الهجرات المتعاقبة من الجزيرة العربية وهجرة المسلمين الأوائل كما أن أربعاً من ذرية الصحابة قد جاءت لسواكن لنشر الدين الإسلامي. كذلك عندما لوحظ خوف الخلافة الأموية الشديد على سلامة الحجيج وأمن الأراضى المقدسة على أثر هجوم الأحباش علــى أرخبيل جزر هذه النواحى، أن جعل الخليفة عبد الملك بن مروان أن يشدد كثيراً على تأمين المنطقة، فأرسل قوات لحمايتها وتأمين البحر الأحمر ومداخله. ومنذ ذاك الوقت عمرت الجزر وشواطئ إفريقيا بالإسلام، خاصة في دهلك وباضع (محمد صالح ضرار،مصدر سابق: 270- 271) . كما أفادت كثيراً من الأحداث التي ألمَّ بها تجار سواكن أن شريف مكة قد نوي الأغارة على سواكن بقصد سلب ثروتها ، لكنهم ركبوا البحر تصحبهم أموالهم وذويهم وخدمهم قبل هجومه عليهم عام473 هـ . وهذا ما جعلها خالية من أهلها وتجارتها الغزيرة لفترات طويلة ( عبد القدوس الانصارى،1982: 82 ) وقد كان الشاطئ الغربى للبحر الأحمر وجزره ضمن المناطق التي لاذ إليها أهل جدة بعد تلك الواقعة.  فقد وصلت بالفعل أسر منهم إلى جزيرة دهلك وأقاموا فيها ( أبن المجاور ،1951: 45 – 46 ). فالعرب كانت على علم بجزيرة دهلك ومصوع (باضع )، و نفي بعض الأشخاص إليها من قبل سيدنا عمر بن الخطاب إلا دليل على ذلك (محمد صالح ضرار،مصدر سابق: 286).

        عند انتقال الخلافة من البيت الأموي للعباسي بمقتل الخليفة مروان الثاني ،هرب ابنه ورهط من اتباعه طلباً للنجاة إلى الحبشة عن طريق سواكن والعقيق. وفي عام 270هـ (833م) أعادت هجرة الأرتقية (من حضرموت) لسواكن مجدها وانتعاشها؛ لاهتمامهم بالتجارة عبر مواني البحر الأحمر ، فمهنتهم التي كانوا يجيدونها التجارة التي ارتبطت بوجود سواكن الميناء ، وبما توفره لهم من رغد في العيش والحياة التي اندمجوا فيها مع أهلها الأصليين من البجا. ( محمد صالح ضرار،مصدر سابق: 34).

       وفى الوقت الذي كان شأن سواكن يرتفع وتنمو تجارتها وتتكاثر الجماعات العربية فيها ومن حولها بقصد الاستقرار، كانت عيذاب المركز التجاري الكبير على ساحل البحر الأحمر الغربي خاصة عندما انتقل إليها طريق الحج من الوجه القبلي عام 453 هـ (1061) كما خدمتها الأحداث التي أودت بعيذاب واندثارها، فعادت لسواكن مكانتها التجارية إلى جانب أنها أصبحت مركز حجيج إفريقيا.

     الحضارمة (أهل حضرموت ) هم أيضاً من أحيا التجارة بجدة (عبدالقدوس الأنصاري ، مصدر سابق: 271) فكونوا بيوتاً تجارية امتدت صلاتها إلى الهند وأوربا وآسيا . وهم شديدو الكد والعمل أكثر من غيرهم (بور كهارت، 1992ا: 50) ، وهجرات الحضارمة اتخذت مسارين من حضرموت إلى حوض البحر الأحمر فأقاموا في كل من جده وسواكن وبخبرتهم التجارية توسعوا حتى الهند والصين وأوربا. فالوجهة الأولى اتخذوها إلى جده فقد قامت (على سبيل المثال في الهجرات الحديثة نوعاً ) أسرة باعشن _ علي باعشن _  حيث قدم إلى جده حوالي عام 1260م (عبدالقدوس الأنصاري، 1982 :229 , 276) ولما أطل القرن السابع عشر الميلادي كان الكثير من تجارة جدة بيد الحضارمة.

أما الوجهة الثانية من الحضارمة هي من دوامت على التوجة مباشرة إلى سواكن والقيف من حضرموت مثل : جماعة التجار  من ذرية العلوي محمد بن الحنيفة التي هاجرت من حضرموت عام 270هـ (883) (محمد صالح ضرار مصدر سابق:34 ، 21) وهي بذلك سابقة للهجرة المتجهة إلى جدة التي ضمت أسرة باعشن،  فطاب لهم المقام في سواكن فتزاوجوا مع أهلها واستقروا فيها وفي مصوع.

    يتضح للباحث أن الحضارمة هم أهل التجارة في كل من جده وسواكن وأن صلات القربى والتجارة التي نشأت بين المدينتين قوية ، من خلال أسماء بعض الأسر التي يوجد فرعها في المينائين (أسرة باعشن وأسرة الكابلي) كما أمتدت هذه الصلات بسواكن إلى الأشراف من مكة المكرمة والتي انتدبت واحداً من أشرافها العلويين أميراً على سواكن عام 726هـ (1325) وهو الشريف زيد بن أبي نمي الذي كان أبوه على رأس إمارة مكة (محمد صالح ضرار، مصدر سابق:312).

          أما الارتباط المباشر بحضرموت فيراه الباحث في تواجد أسماء أسر عديدة مثل : باصفار،  وهي أسرة معروفة في سواكن مما يؤكد صلتهم المباشرة بحضرموت . و أن هذه الصلات الممتدة جعلت من جزيرة سواكن جزءاً متكاملاً مع جده في تجارتها وعمرانها، فتاريخ جده وتطوره وتقلباته لم يؤثر عليها فحسب بل كان يمتد إلى سواكن ، فلا غرو أن معظم ما يخرج عن طريق البحر الأحمر من سواكن يأتي إلى تجار جده بينما ترد إليها معظم احتياجات تجارة سواكن وداخلية السودان وإفريقيا ؛ فارتبطت سواكن بجدة ارتباط مصير ومصلحة إقتصادية، وظل متبادلاً لكنه يتأثر سلباً وإيجاباً بما يحدث في جده.

إمارة سواكن :     

          إن التنافس على سواكن كان كبيراً سواء بين العرب أنفسهم أو بينهم وبين البجا ففي عام 346هـ (957 م) أشار محمد صالح ضرار في كتابه سواكن والبحر الأحمر بأن المسعودي (أبو الحسن المسعودي) قد ذكر بأن سكانها كانوا من الخاسة. وبالتالي لم يكونوا من الأرتيقة ثم دارت الأيام بالخاسة أنفسهم فأجلوها بدورهم تحت الضغوط من القبائل الأخرى ليستقروا في منطقة طوكر. وصحة ذلك وردت في نفس كتاب ضرار صالح ضرار عند إشارته على لسان من سألهم القلقشندي، وهو يجمع أخبار تلك المنطقة بأن من يسكنها عند سؤاله هم التجار من العرب الحداربة،  وهو يتزامن مع نهوض دولة المماليك في مصر وقد كان الملك عليهم من قبيلة بلي ابن عمر بن الحافي (وهي بطن كبيرة من قضاعة) هاجرت إلى المنطقة الغربية من شاطئ البحر الأحمر قبل الإسلام من مناطق الشحر وحضرموت أي من الجهات الجنوبية من الجزيرة العربية و لم تطب لهم الإقامة في الحجاز واصلوا هجرتهم إلى شرق السودان (ضرار صالح ضرار، مصدر سابق:35).

           استمر تغيير أمراء سواكن، ففي عام 664هـ 1265م عُزل أميرها الحدربي وعين الشريف علم الدين عليها من قبيلة الأرتيقة من علمونيات ولكن بعد اثنين وخمسين عاماً من توليه المنصب خُلع منه وعاد مرة أخرى للحدارب في عام 716/717هـ (1317م) (محمد صالح ضرار مصدر سابق:38) وكان بسبب تعرضه للسفن التجارية العابرة من اليمن إلى عيذاب صارت لا ترسو في سواكن، فاستولى على حمولة ثلاثة من تلك السفن وكان فيها ما يخص السلطان في القاهرة (هدايا من أمير اليمن). فهرب الشريف علم الدين من سواكن وتوزعت ذريته.

          الحدث المهم الذي وقع لعيذاب بعد أن أغار عليها السلطان بيبرس حوالي عام 834هـ (1430) ودمرها كاملاً، انتقاماً وتأديباً لأهلها لاغتصابهم لسفن تحتوي على هدايا من حاكم زبيد اليمنية إلى حاكم مكة. فلم يقم لها من بعد ذلك شأن يذكر (ضرار صالح ضرار. مصدر سابق:258) .

          عندما بدأ تطويق البرتقالين لمنطقة المحيط الهندي ومحاولاتهم للاستيلاء على البحر الأحمر إبان الحرب الصليبية، عرج أسطولهم للسويس في رحلة استكشافية لمواني البحر الأحمر بقيادة (ستيانو دي جاما) وأبقى القائد (دون جوان كاسترو) محاصراً لمدينة سواكن عام 922هـ (1516 م) (محمد صالح ضرار . مصدر سابق : 42-43) ففي تلك الفترة كان يقيم بسواكن الباشا التابع للإمبراطورية التركية ومعه مائة من الجنود الأتراك. لكن وبعد خمسة عشر عاماً استطاعت جنود السلطان سليم الأول بقيادة سنان باشا من طرد البرتقاليين من سواكن ومياه البحر الأحمر (927-1531م) فتبعت مواني البحر الأحمر تلقائياً للخلافة العثمانية. وقام سنان باشا بتعيين محافظ على كل مدينة من تلك المدن بوصفه موظفاً تركياً ينوب عنه ، وتعاونه حامية من الجنود الأتراك التي سرعان ما اندمج أفرادها (في سواكن ومصوع) وتوالدوا مع سكانها (محمد صالح ضرار، مصدر سابق:45). وتقع تلك المدن مجتمعة تحت إمرة والي الحجاز (حاكم عام) (محمد صالح ضرار. مصدر سابق:52) وتزامن دخول الأتراك العثمانيين لمنطقة الجزيرة العربية وشواطئ البحر الأحمر أن تكون منطقة شرق السودان بما فيها سواكن تخضع لمملكة البلو الإسلامية . بل إن مصوع كانت تخضع لإمرتهم وقد دخلوا في منازعات مستمرة مع الأتراك في أمر الاستيلاء على سواكن لكن عندما لم يأت النزاع بنتائج اتفق الجانبان على اقتسام الفوائد التي تدر بها تجارة سواكن (محمد صالح ضرار، مصدر سابق: 45) ويتضح أن ذلك حدث في مصوع نفسها. أن الأتراك كانوا يحتلون سواكن أربعين عاماً قبل أن يضعوا يدهم على مصوع في عام 967هـ (1557م) (محمد صالح ضرار، مصدر سابق:45) ليجدوا أيضاً أن البلو قائمين على أمرها كما في سواكن وفي المدينتين كلتيها أبقى الأتراك حاميتين للقيام بمهام جمع نصيبهم من المال .

          يبدو أن إمارة سواكن ظلت في أيدي الحدارب لفترة طويلة حتى امتدت يد السلطنة الزرقاء للمنطقة فتم إجلاء الحداربة منها بمساعدة قبيلة الأرتقية بعد انضمامهم لجيوش السلطنة فكانت مكافأتهم أن عين منهم عبد الله بوش الأرتيقي أميراً على سواكن . فعادت سواكن بذلك مرة أخرى للأرتقية الذين أعادوا الحياة إليها سواء في تجارتها أو عمرانها فانتعشت المدينة برواج التجارة (محمد صالح ضرار. مصدر سابق:46) وكان اهتمام سلطنة الفونج بها كبيراً ، ويلاحظ ذلك عند زيارة الشيخ عجيب المانجلك ابن الشيخ عبد الله جماع لها عام 970هـ (1560م) في طريق رحلته إلى الحج. فعلاوة على طلبه مصاهرة الأرتقية والذي تحقق، أمر بحفر حفير جنوب سواكن ووضع به حلاً لمشكلة مياه الشرب التي ظلت تعاني منها سواكن لفترات طويلة.  ويتأكد للباحث من هذا الحدث أنه لا وجود لأي سلطة سياسية أو إدارية في سواكن للخلافة العثمانية.

          لقد حدد سنان باشا مهمة محافظيه الأتراك في مدن البحر الأحمر بالقيام بتحصيل الرسوم الجمركية فقط بينما تركت السلطة الإدارية الأخرى لمواطني كل مدينة. وحينها كانت التجارة بيد الأرتقية. ويبدو أن العثمانيين حافظوا على الشكل الإداري الذي كان سائداً قبل غزو البرتقاليين في تلك المدن فاكتفوا بوجودهم فيها بالمحافظ والحامية.  فظهير سواكن بدءاً من القيف إلى داخلية كل السودان لم يكن للسلطة التركية أي سلطة فعلية عليه، إذ كان يخضع لسيطرة من هو أقوى من القبائل. لذلك كانت إمارة سواكن تنتقل من قبيلة إلى أخرى حسب هذه القوة والمنعة لهذه القبائل وما على محافظ سواكن التركي إلا اقتسام الربع المالي مع من يعتلي إمرتها لصالح الإمارة في جده عدا ذلك كانت مسؤولية أمير سواكن الذي تعترف السلطة التركية به وبدوره المهم ومن ثم يقوم أمير سواكن بتوزيع المهام التي تعنى بتصريف شؤون المدينة على الزعماء من أهله. فالزعيم المسؤول عن الأمن مثلاً يقوم بتعيين ثلاثة من أهله ليكونوا ضباطاً مساعدين له في حفظ الأمن وهم بدورهم يعينون من يحتاجونه من البوليس والخفراء (محمد صالح ضرار. مصدر سابق:64) أما المالية فكانت لسر التجار (شاه بندر تجار) فيتخذ خمسة من المساعدين وكتبة يناط إليهم الإشراف المالي على جميع المرافق. لذلك نجد منهم جماعة تداوم المندوب التركي القائم على أمر الجمرك. وهم معاً تنحصر مهمتهم جميعاً على تحصيل الرسوم الجمركية على كل ما يرد عبر البحر من بضائع ؛ لأن هناك ربطاً ثابتاً على ميناء سواكن يتم توريده للسلطة التركية سنوياً مقداره أربعون أوقية من الذهب. أو ما يعادله من الريال الإسباني (أبو مدفع) وبعد أن يتحصل المندوب التركي على هذه الجزية كاملة يتنحى لأمير سواكن ليجمع هو الآخر ما فاض من مبلغ الجزية لصالح الإدارة الوطنية في سواكن. ولكن في موسم الحج ترتفع هذه الجزية لتصل إلى ثلاثة ألف ريال (محمد صالح ضرار. مصدر سابق: 65).

          وهناك إدارة مالية أخرى تعنى بالإيرادات المتحصل عليها من سلع داخلية السودان القادمة إلى سواكن ، ولكنها رسوم مخفضة يقوم عليها مجلس خاص يضم جماعة من كسلا وشندي وبربر ومندوب من كل ناظر من قبائل البجا ويترأسه أحد كبار التجار.

          ويكون كل عضو في المجلس مسؤولاً عن تحصيل الرسوم ممن بطرفه من النزلاء التجار وتوريده على خزينة الدولة. غالباً ما يتساهل أمير سواكن مع أهله التجار في تحصيل تلك الرسوم. ويبدو أن أكثر الرسوم المفروضة تقع على الخيل والرقيق (محمد صالح ضرار. مصدر سابق:65).

          ويعرف أيضاً من نظام الإدارة المالي إمارة البحر وهي هيئة بحرية مكونة من أدلاء البواخر وآخرون وعلى رأسها أمير البحر . وتقع مسؤوليتهم في جمع الرسوم عن كل السفن الداخلة والخارجة من سواكن والتي كانت عبارةعن ريال واحد للسنبوك الداخل وخمسة ريال للبواخر ومثلها عند الخروج (محمد صالح ضرار. مصدر سابق:68).

          ظل هذا الوضع الإداري مستمراً قبل دخول البرتقاليين إلى سواكن ولمدة ثلاثة قرون تقريباً . لم تكن قبضة السلطة العثمانية بخانقة على حركة المدن التجارية . ومن ثم كانت تعيش ازدهاراً ملحوظاً وظلت حركة التجارة في سواكن تكاد تكون حرة لا تعترضها القيود الناتجة من الضرائب الباهظة لثلاثة قرون فرضها البرتقاليون . فعمرت مباني الجزيرة للدرجة التي لفتت انتباه البرتقاليين عند دخولهم البحر الأحمر ليصفوا جمال عمرانها بمدينتهم لشبونة.  لكن قدوم الخديوية قلب حينها موازين الحركة التجارية لصالحه في مصر بدلاً من مدن البحر الأحمر عامة وسواكن خاصة. فلم يهتم الأتراك بتلك المدن الساحلية التي وضعوا أيديهم عليها. كما هو الحال في مدينة سواكن ولم يهتموا بالأحوال التجارية أو العمرانية لها، فصارت تلك المدن عبارة عن قواعد حربية ولم تنته هذه الصفة منها خاصة عندما نشبت الحرب بينهم وبين اليمن فصارت تلك المدن استراحات مرور للجيوش التركية في حركتها ذهاباً وإياباً. واسعافات للجرحى في تلك الحرب التي ظلت نارها مشتعلة لعدة قرون لتنتهي بمعاهدة صلح في عام 1911م اعترفت فيها أخيراً تركيا باستقلال اليمن.

          الاهتمام بسواكن ، من قبل الحكام في مصر هو جزء مهم لا ينفصل عن النظرة السياسية للسودان ككل وسواكن بصورة أخص وهذا ما دلت عليه الوقائع التاريخية المتصلة بهذا الاهتمام. كما أن فترة الخديوي إسماعيل باشا (1863- 1879م) قد اتسمت بالمشروعات السياسية الطموحة المتصلة ببسط نفوذه على سواحل البحر الأحمر ومدنه. ليسهل ربطها سياسياً وتجارياً في ظل تبعيتها للخديوية في مصر (سيدي الميري، 1992ا:517). خاصة إذا علمنا أن سواكن ومصوع قد تمت تبيعتهم للخديوية في ذي الحجة عام 1281هـ (مايو 1865م) (شوقي الجمل. 1959: 47-48-297) بعد تأجيرهما بالفرمان السلطاني نظير جزية سنوية تقدر بسبعة آلاف جنيه مصري. فصار تبعية تعيين المحافظيين لتلك المدن من مهام الخديوي إسماعيل، فقام بتعيين أول محافظ لسواكن الباشا أحمد ممتاز (ربيع 1283هـ -1866) فوجهه بالالتزام بتنشيط التجارة والبريد (سيدي الميرى، مصدر سابق:566). ونظير ذلك التوجيه قام المحافظ الجديد بعمل إصلاحات بالمرفإ وهيأ مرافق المدينة الحكومية منها والأهلية. فبدأ ببناء المحافظة وشيد الجمارك والبريد والبرق والضباطية والقمندانية وثكنات الجيش علاوة على الكورنتيه كما شيد محلجين داخل الجزيرة لحلج القطن الذي وجه بزراعته في طوكر . واستمر العمل بالمحلجين حتى سقوط طوكر عام 1883م. تلك الإجراءات التي اتخذها المحافظ أحمد ممتاز باشا جذبت العديد من الموظفين المصريين والحجازيين ، وقدم تسهيلات حببت الهجرة لتجار المستعمرات التركية من مصر إلى سواكن (محمد صالح ضرار. مصدر سابق:263) واهتم المحافظ الجديد كذلك باصلاح مرسى القيف والجمرك وبناء المخازن لاستقبال البضائع المستوردة و المصدرة (اتخذ نفس الشيء في مصوع) (سيدى الميري. مصدر سابق:83).

          أما مرفأ سواكن فمن النوع الطببعي الجيد ويمكن الوصول إليه من خلال فجوة خلال سلسلة الصخور المرجانية . وهذا الوضع يجعله يقدم حماية عالية للسفن بطول الشاطئ مع إمداد معقول من المياه؛ نسبة لموقع الجزيرة ومدخلها الضيق  (165 متر في عرضه) أكسبها درجة دفاعية كبيرة. لكن حركة السفن التجارية الخديوية إليه كانت ضعيفة وتتحكم فيها النواحي السياسية التي تنفذها شركاتها التجارية المتعاقبة ووكلائها في ميناء سواكن. وقد انشغلت السفن الخديوية مع قلتها بالحرب،  فمعظم الفترة الخديوية في مصر قد هزتها الحروب المختلفة المتباعدة . منها ثورة عسير (1863-1865م). وحرب كريت (1866م) وحرب الحبشة(1875-م1876) وحرب البلقان،  ونتيجة لذلك تعطلت الرحلات التجارية المجدولة بين موانئ البحر الأحمر للشركة الخديوية لتقوم سفنها بنقل الجنود ومعداتهم واحتياجاتهم إلى جانب الأسطول الحربي(سيد الميري، مصدر سابق:51-662-665).

ويلاحظ أن الخديوي إسماعيل وجه بفتح خط ملاحي للبريد بسواكن في ربيع الأول 1283- (25 يوليو 1866م) وجدولت حركته دون الاهتمام بجدولة للحركة التجارية. ويرى الباحث أن الأحداث في السودان في تلك الفترة بدأت تتصاعد جراء مواقف الإدارة التركية المتعسفة والتي بدأ السودانيون في اعتراضها لذلك كانت أهمية إنتظام البريد إلى القاهرة مهم وهو الذي يحوي التقارير الإدارية والعسكرية والسياسية إلى الخديوي والتي تساعده في تقييم الموقف في السودان فيتمكن من اتخاذ القرارات المناسبة . وجاءت سانحة أخرى تدعم مسالة البريد عندما تم فتح مكتب له بسواكن عام 1867م (شوقي الجمل 81-82) فهذه الظروف التي حدثت في السودان إلى جانب أحداث أخرى في جهات عديدة كان لا بد أن تنعكس سلباً على حركة ميناء سواكن بالنسبة للتجارة بين السودان ومصر وجده وعدن ومصوع والشرق الأقصى علماً بأن الاهتمام البالغ ببريد السودان ظل كما هو لم تتأثر حركته الدؤوبة . فقد كانت بمعدل سبع سفن شهرياً بالتقريب (165سفينة في العامين) وهو مؤشر واضح لما يعنيه البريد من أهمية بالنسبة للخديوية في مصر في تلك الفترة من التطورات السياسية . بل إن هذا الاهتمام بأخبار السودان السياسية قد امتد إلى الاسراع في مد خط التلغراف الكهربائي والذي يبلغ طوله 2110 كيلو متر من الأسلاك .(سيد الميري:مصدر سابق:158). فقد سارعت الخديوية في إرسال أعمدة هذا الخط التلغرافي ليبدأ تركيبه أولاً من سواكن في اتجاه كسلا في ذي القعدة 1282هـ (مارس 1865م) كما شحنت أدوات إنشاء سكة حديد السودان وذلك بإرسال 4390 قطعة خشبية (سيد الميري، مصدر سابق:655) . ولكن كل ذلك لم يُجدِ الخديوية في القاهرة وهي المثقلة بالضغوط السياسية الأوربية والديون الباهظة ، فكان أن نجحت إنجلترا بمساعدة الدول الأوربية في عزل الخديوي إسماعيل عام 1879م لتولي ابنه توفيق مقاليد البلاد، لكنها كانت تعلم أنه ليس إلا لعبة في يدها، حتى أنها لحماية مصر في مواجهة الثورة العرابية في الداخل قامت باحتلال مصر عام 1882م وأوعزت للخديوي توفيق بتقديم مساندتها بالوقوف معه موازرة لإخماد ثورة السودان. لكن الموقف والأحداث تبرهن أن للإنجليز مرامي أخرى بعيدة من وراء موقفهم هذا، انتهى بهم للانفراد باستعمار السودان دون مشاركة مصر لهم.

التكوين السكاني :

       انتقلت قبائل وبطون  وأفخاذ القبائل من موطنهم البدوي في الجزيرة العربية إلى ربوع السودان وشرقه، وهم الرعاة  أهل الإبل  والمواشي  الذين اتصفت حياتهم  بالترحال خلف الماء والكلإ ولا تزال بعض القبائل  تمارس حياتها كما كانت  عليه  الحياة  الجاهلية في الجزيرة العربية (محمد مصطفي هداره بدون تاريخ :11) .  لكن عرف إقيلم الشرق أيضاً المناطق الحضرية  المستقرة  كما  في المواني والجزر  الساحلية  لسواكن  ومصوع  ودهلك. حيث استقر  التجار من الحجازيين واليمنيين  والهنود والمصريين  في سواكن  وأقاموا حاضرة شبيهة بالتي اعتادوا العيش فيها في مواطنهم الأولى. ومن الطبعي أنهم ضمن ما حملوا لمواطنهم استقرارهم وثقافتهم  التي تشربت بالحياة العربية فأحدث تغيرات  مهمة  جعلت  تلك المناطق  في شمال  إفريقيا  ووادي  النيل أن تلتحم سياسياً وفكرياً واجتماعياً  ببقية  الوطن العربي (مقلد، مصدر سابق :29).  فصبغت  اللونية  العربية أرجاء السودان ومنطقة شرقه خاصة.  فكان  الاختلاط كفيل بأن يوسع مفهوم واكتساب العروبة وثقافتها في السودان؛ ووسمة بدرجة  كبيرة  من التجانس  الاجتماعي والثقافي والروحي  والوجداني  فغلبت على شماله ووسطه وغربه وشرقه العادات والأعراف والتقاليد  بينما سيطرت  اللغة العربية ( لغة العروبة والإسلام والقرآن الكريم ) وأصبحت لغة للتخاطب والثقافة وآدابها  والحضارة والعمران ، وهي شاهد على غلبة ثقافة القرآن الكريم على اللغات المحلية مما يدل على حيويتها وقدرتها التفاعلية. لذلك صاغت  لهم هذه الثقافة نوعاً واحداً من الحياة انعكس في العادات والسلوك والملبس  والمسكن والمأكل؛ و تؤكد الاشتراك المتكامل بين جدة وسواكن.

التعليم بسواكن :

     ارتبط  التعليم في كل أنحاء السودان في بدايته بتعليم القرآن من فقه وتوحيد وتفسير وحديث، وقل من  لا يرسل ابنه من الأسر ذات الوزن لتلقي التعليم في الدامر أوالمقرات  أوعند الشايقية . حيث يقضون  فيها  بين ست وثماني سنوات  باستضافة  كاملة  في تلك  الجهات  إلى  أن يكملوا دراستهم (بوركهارت مصدر سابق :179)  وكان  رجالات الطرق  الصوفية  وأهل الخلاوي  هم رواد  التعليم  الأوائل  وكانت  طريقة  التعليم  تعتمد  على التلقين  والإملاء  واستعمال  اللوح ( عبد المجيد  عابدين 1967 :89)  وينتقل  التلميذ في فترته  الدراسية  بتلقي العلوم  النقلية أو بعضها سواء  على شيخ واحد  أو أكثر،  وهنا يملي المعلم  ليكتب التلميذ على لوح  خشب ثم يمحوه  للكتابة مرة ثانية (وهي طريقة الكتاتيب في مصر). ويكون  التلميذ قد تعلم  الكتابة والقراءة وحفظ القرآن.                                        

     اهتم حكام  دولة الفونج  كثيراً  بالحركة التعليمية بطريقتها  التقليدية   عن طريق  الخلاوي  أو باهتمامهم بابتعاث الذين  يودون  نيل مزيد من  التعليم  الديني  فقد أنشاء  الشيخ  عجيب المانجلك بن الشيخ  عبد الله جماع  عام (970هـ-1560م) رواقين  لتعليم السودانيين (الرواق السناري)  في مكة  المكرمة والمدينة المنورة  إلى جانب  الرواق  الذي كان  قد تأسس بالأزهر الشريف  من  خزينة  السلطنة  الزرقاء  حتى سقطت  البلاد  في أيدي الأتراك عام 1821م (محمد صالح ضرار مصدر سابق :47) .                                                                             

     أما الطرق الصوفية  فقد كان لها دوراً بارزاً في نشر التعليم . وساعدتها  عوامل لتنتشر  في السودان فالبلاد  المجاورة  تعج بتلك  الطرق الصوفية كالحجاز والعراق والمغرب (عبد المجيد  عابدين، مصدر سابق: 64)  فالهجرات  العربية  قبل سلطنة الفونج  أتت بالعرب  تصحبهم طرقهم  الصوفية  كالشاذلية والقادرية. ومعظم  هؤلاء  كانت  لهم ظروفاً سياسية  أجبرتهم  على الفرار بحياتهم ودينهم بعيداً من الهلاك  فوجدوا ترحاباً في  السودان. و قامت للصوفية  بدور كبير (في بدايتها) في التقريب بين السودانيين وانتزاع  القبلية وتعصبها  لكنها  حادت  عن ذلك الشيء الذي جعل الثورة المهدية  أن تعاديها  وترفضها (عبد المجيد  عابدين  مصدر سابق:66)  أما الذين كانوا يرغبون  في علوم  الدين  يسافرون  إلى الحجاز  واليمن والقاهرة  وعند عودتهم  يباشرون  تعليم  الناس  أمور دينهم ،ويتزامن ذلك  مع محاولات  الفونج  لدعم حكمهم  فزادت  الرغبة  في تفعيل  الدعوة الإسلامية  بين  الناس حيث ظهر دور واضح للحجاز  والمغرب والعراق ومصر  إلى جانب  العلماء السودانيين (عبد المجيد  عابدين ، مصدر سابق : 55-56) .

     عرفت سواكن  المدرسة  قديماً فقد كانت تقوم برسالتها التعليمية  قبل زيارة بوركهارت لسواكن  أي قبل  عام 1814م (بوركهارت  ، مصدر سابق : 354) وغالباً يكون  قد انتبه  أعيان سواكن الأتراك الذين توالدوا مع السواكينية على تعليم أبنائهم  واستجلبوا  لها المعلمين  من جده أو مصر. خاصة وأن بسواكن فقيه  أو فقيهان  من طبقة  العلماء كما أن بالجزيرة  قاضي ومفتي (بوركهارت ، مصدر سابق :354) ثم  فتح المبشرون  النمساويون  عام 1892م مدرسة علة أيديهم واهتمت  بتعليم  اللغة العربية والإنجليزية وعندما  اتضح  أن مهمتها  تبشيرية  خلت تماماً من التلاميذ عام 1895م فتحولت إلى كنيسة عام 1901م (محمد صالح ضرار مصدر سابق:160) .                        

    لم يهتم  الحكم  التركي  بالتعليم  في البلاد التي سيطر عليها خوفاً من ازدياد وعي شعوب  هذه الجهات  الشيء الذي يسارع بطردهم . فاهتم محمد علي بالتعليم الفني  دون التعليم العام  لاعتقاده  أن النهل  من الحضارة الحقيقية  لا يكون إلا بالتدريب  الصناعي والزراعي لأهل السودان. وتأكد موقف  الخديوي  محمد علي  خوفه  من تعليم  أبناء السودان  عندما ألغى المدرسة التي أسسها  مأمور دنقلا و جمع  لها مائة وأربعين تلميذاً. ويبرر محمد علي قراره  بأن  التعليم  الصناعي  وحده يخلص البلاد  من حالتها  الراهنة. ويري  الباحث أن محمد علي يؤمن على أهدافه وطموحاته  التي  غزا من أجلها السودان ، إذ أن نتاج عمليات  التعليم  الصناعي  يسهل سلبه  من شعب حكم  عليه بالأمية.                                              

     من جانب  آخر  لم يتدخل محمد علي في حركة  التعليم  الديني  ولا عادات  السكان الدينية في السودان ، كما  لم يفعل  في مصر كذلك ، فهو يدرك  لاخطر عليه من التعليم بل يمكنه الاستفادة منه وبالفعل  فقد أرسل مع خورشيد باشا ثمانية من كبار المشايخ ومائة وأربعين خوليا لتعمير الأراضي في سنار (أنتوني سوريال: بحث ماجستير : 45)  وحتى أبناء الخديوي  محمد علي ، عباس وسعيد  من بعده  لم يوجها  عناية  إلي أحياء النهضة العلمية  فاستمرا بإهمالها وتجميدها. وأظهر محمد سعيد باشا عدم  اكتراث بالتعليم  لاعتقاده( كوالده) بأن التعليم يجعل  حكم  الناس عسيراً ويُمكنهم من انتقاده ويجعلهم يطالبون بحقوقهم.  فحل ديوان  المدارس  في مصرعقب توليه الحكم، ثم أغلق  المدارس (مدارس الطب ومدرسة الهندسة ) وانطبق ذلك على السودان، إذ بعد سبعة أيام  من توليه الحكم ألغى مدرسة  الخرطوم  وفصل ناظرها وسائرمعلميها وموظفيها (أنتوني سوريال، مصدر سابق:97-98) .               

       لم تعرف داخلية السودان إجراءات القضاء الشرعي المتعارف عليه. فمملكة الفونج التي بسطت يدها على السودان عدا سواكن ، لم تكن بها مدارس للعلم والقرآن إلا بعد اهتمام سلاطين الفونج بالعلماء ورجال الدين فعلمت القبائل حينها بهدى الشريعة الإسلامية بالمذهب المالكي . لكن كان الأمر مختلفاً في سواكن ومصوع منذ أن امتدت الإدارة التركية لإقليم الحجاز ، و آلت إليه مسؤولية تعيين موظفي سواكن ومصوع. فالقضاء كان يجري فيها بالمذهب الحنفي ، وذلك بحكم اتباع سلطان الدولة التركية التي كانت تلتزم بهذا المذهب. ومع أن المذهب الشافعي قد انتشر في السودان إلى جانب المالكي إلا أنه غير مسموح في سواكن أو مصوع بغير المذهب الحنفي في التعامل بالقضاء الشرعي. وكان طلاب العلم من أهل سواكن يذهبون لدراسته في مدارس زبيد وموخا باليمن. وكان أول قاضي شرعي بسواكن قد عينه قاضي قضاة مكة وهو الشيخ محمد محي الدين بن حمد بن محمد القلمي الذي يُعد وقتها أكثر العلماء دراية بالمذهب الحنفي والشافعي معاً ( محمد صالح ضرار ، مصدر سابق :132) واعترض أهل سواكن على مبدإ القضاء الذي يجري على المذهب الحنفي لأنهم الغالبية في الجزيرة ويتبعون مذهب الإمام الشافعي فقاطعوا المحكمة والتعامل معها.

   ثقافة الأزياء:

          يوجد تشابه كبير بين أزياء الرجال في سواكن و جدة ، فمثلاً زي الرجال العادي في جدة هو الجبة المصنوعة من الصوف بألوان متعددة، أما الأشراف فيلبسون العباءة أو المشالح ومن تحت ذلك تلبس الثياب الملونة الطويلة بحزام رقيق وهي ذات ياقة مرتفعة ، ثم يأتي الصديري والسروال الطويل الذي تطرز أطرافه السفلى النساء ، وعلى الرأس توضع العمامة وهي عبارة عن طربوش بألوان زاهية ، ويلف بالشاش الأبيض لفاً محكماً بترتيب خاص ثم توضع من تحتها الطاقية لامتصاص عرق الرأس حتى لا تفسد ألوان الطربوش ويصاحب هذا الذَّي الشال (غتر) أو القبانة على الرأس بدل الطربوش وعلى القدمين الأخفاف الصفراء التي أصبحت فيا بعد تستخدمها النساء ( عبد القدوس، 1982: 252) .

    أما الزي الرجالي لسكان جزيرة سواكن فقد كان يتألف من الجاكية ، من تحتها الجلابية الضيقة ذات ياقة عالية ثم من تحتها يلبس العراقي والسروال ، أما أعيان سواكن فيلبسون القفطان والجلابية المصنعة من خامة خفيفة أو نوع من التيل القطني وتوضع على الرأس العمامة والطاقية البيضاء المنشاة . والعمم أصناف عديدة منها ما يأتي من مكة ويسموها في الجزيرة ( اليرعي ) التي عليها رسومات وزخارف مشغولة وكانت العمامة كبيرة أشبه بعمامة تاج ، والأعيان  يضعون على رأسهم  في الأعياد  الألفية  الكبيرة  وهي طاقية  من السعف   تلف  حولها  العمامة ، أما القدمان  فعليهما  المداسات  الخفيفة  أو الجزمة  مع الجوارب ، بينما  يتكون  زي الرجال  في القيف من الصديري  ومن تحته  يوجد  القميص  وهو جلابية ( البجة يطلقون على الجلابية القميص) ثم تحتها  يوجد  العراقي والسروال الفضفاض الذي يعرف  لديهم  بالسربادوب  وعند الكبار يصاحب  الزي  ارتداء  العمامة  والطاقية البيضاء  علاوة على الثوب الرجالي  يستخدم  زياً  خارجياً  في المناسبات  المختلفة ، وعلى القدمين  و المرفقين بعض التمائم (الحجاب) وباليد  السيف  والكرباج والشعر كث مدهون ومغزوز عليه الخلال الخشبي (بوركهارت ، مصدر سابق 348).

     أما نساء جدة  فيرتدين عند  الخروج (الملاءة ) زياً  خارجياً تصنع من الحرير الأزرق ذات خطوط بيضاء ويستعملن  البرقع  الأبيض  خماراً  على وجوههن  ثم يلي ذلك  اللباس  الأساسي وهو عبارة  عن ثياب مطرزة  بيضاء مفتوحة  الجوانب  وسراويل يضيق  أسفلها  عند الحجل  الذي يحوي زخارف فضية  أو ذهبية  ، وترتدي  الفتاة  مع ذلك الصدرية  إلى  المرفق وتتحلى  النساء  بالأقراط  والأطواق الذهبية أو الفضية ، ويضعن فوق المرفق الأساور وأحزمة  فضية  وذهبية  أيضاً وينتعلن ما يعرف (بالتراسم) الخفيفة  التي تصنع بالمدينة ( عبد القدوس  الأنصاري ، مصدر سابق :258/259/260).

     أما  النساء في جزيرة سواكن  فهن  محجبات فيرتدين  زي  نساء  الجزيرة  العربية (بوركهات ، مصدر سابق :353)  ويلاحظ  أن نساء بعض الأسر قد لبسن أزياءً شرقية  عبارة عن سروال طويل خفيف حوافه مزينة  بالسلاسل ويتحجبن (د. بعشر- مقابلة).

     أما نساء القيف فلبسهن  عبارة  عن توب خارجي  يعرف بالفوطة ، وهو مستورد من  الهند. ثم يلبسن  تحته صديري  قصير  يكشف  الجزء الأسفل من  البطن والإكسير الذي يعرف (بالملكوف)  وأحياناً القرباب  الذي يلي الجزء  الأسفل  من الجسم  ويلبسن  أسورة  من  الفضة أو الذهب على المرفق تعرف(بالكمام) وعلى أرجلهن  حجولاً  ذات سلاسل دقيقة  تحدث أصواتاً عند المشي ، وعلى أقدامهن  حذاء يعرف بالكركب . ولنساء القيف طريقة خاصة للثوب عبارة  عن لف   الفوطة  حول الجسم  والرأس  مع تغطية جزء كبير من الوجه  بالبلمة  أو التبليمة (د. بعشر مقابلة).

ثقافة البناء :

     تأثرت  المباني كثيراً في الشرق بمفهوم  الثقافة العربية الإسلامية  حيث تتضمن  الدار السكنية  على مكان خاص بالأسرة ، فأسرة كابلي  التي جذورها  في جدة  (على سبيل المثال)  قد نقلت  معها  في مقرها  الجديد  في سواكن   كل ما يتصل بالسكن  المرتبط بثقافتهم (صورة رقم1)  فلهم ثلاثة منازل  في جدة  وتقع في شارع  أخذ الاسم منهم.   

      ومعظم منازل سواكن الأولى من طابق واحد وذات حيشان  واسعة تحتفظ بأماكن  النساء  معزولة  عن الرجال  كما في حلفا القديمة فلازالت بيوتها تتصف بتلك الصفات .

أهمية  موقع سواكن الاقتصادية :

     حظيت سواكن باهتمام  كبير  لموقعها  الاستراتيجي ، ليس  من البحر  الأحمر  فحسب وإنما  لظهيرها  الغني بكل أنواع  الثروات الزراعية  والطبيعية،  وتجلى الاهتمام  من قديم  الزمان، لكنه ارتبط  دائماً باستغلال مواردها واحتكارها  وفرض ضرائب باهظة الشيء الذي جعل حالتها  الاقتصادية  غير مستقرة يتناوبها  الانكماش  والانتعاش .لكن عند ضعف سلطة و مراكز الخلافة الإسلامية المتعاقبة على منطقة البحر الأحمر ازدهرت التجارة في سواكن فانعكس على عمرانها  وحالة أهلها و في بقية المواني في هذا الممر الحيوي؛ فوصول أيادي السلطة المركزية إليها تسلب الخيرات بابخس الأسعار علاوة علي ما يفرض من مكوس وجزية وغيرها مما يرهق  تجارة  سواكن وداخلية السودان . فالفراعنة منذ  الأسرة السادسة والعشرين  أقامت  منشآت يديرها فينيقيون على شاطئ البحر الأحمر يجمعون ذهب المنطقة بما فيها شرق السودان، وقد حذا الرومان حذوهم .

    إن النشاط الأقتصادي الوفير ليس من تنظيم  المراكز أو الخلافة الإسلامية  لكنه من تنظيم الجاليات والأفراد والأسر العربية، فهي التي أحيت التجارة بإنشائها للعديد من المراكز التجارية والإسلامية في الشاطئ الإفريقي والبحر الأحمر. فالبلو و الحدارب و الأرتيقة وغيرهم من الجنسيات الأخرى ارتبط تاريخهم بسواكن عن طريق التجارة فمارسوها باستقلال تام ؛ ليرجع كل عائدها إليهم فينعكس على صرفهم بسخاء على عمائره في سواكن. وربما الملاحظة التي أطلقها البرتغاليون عندما حاصرأسطولهم المدينة في الربع الأول من القرن السادس عشر (917هجرى -1531م ) " لشبونة إفريقيا "  بهروا بجمال معمارها ونسقه فاعترفوا بأنها من أجمل المدن معمارياً وحضارياً،  فشبهوها  بعاصمتهم لشبونة .

    يعتقد الباحث أن سواكن احتاجت لفترة طويلة لتصل لهذه الحالة من الاستقرار والازدهار التي لفتت انتباه البرتغاليين  وبهرتهم دون أن يصفوا أياً من المراكز الأخرى في الشاطئ الإفريقي أو البحر الأحمر بهذا النعت بما فيهم دار السلام . وذلك يجعل  الباحث يظن أن عمر سواكن  ربما  منذ  القرن الثالث عشر  أسوة بالمراكز الأخرى  في الشاطئ الإفريقي وليس كما ذكر الفنان ( قرينلو) بان  نشأتها  في  القرن الخامس عشر.

     يتضح  أن سبب ازدهارها (حسب  اعتقاد  الباحث ) لبعد  الخلافة  الإسلامية  وتوسعها ، فالأمويون  أول من ابتعد  عن عاصمة  الخلافة بانتقالهم  من الحجاز إلى الشام، حيث اتجه  اهتمامهم  نحو الشرق وشمال  إفريقيا . وكذلك  العباسيون  اتجه  اهتمامهم  نحو  أقصي  الشرق . بل اتجهت   أنظارهم  لتجارة  الخليج  فدثروا  تجارة البحر الأحمر تماماً ( القوصي، بدون تاريخ:47) . مما أفاد سواكن  كثيراً ؛ لإن  التجارة  وعائدها  يعود  إليهم  دون  أن ترهقهم  تكلفة  النقل  والمكوس  السلطانية  أو الخديوية.   لكن  عندما  تولى أحمد بن طولون  السلطة واستغل بمصر عام 868م اجتهد  في ترقية  مصر اقتصادياً وكان ذلك  على حساب  تجارة  البحر الأحمر. حيث سيطر  على مراكزها  مرة أخرى  في جدة  واليمن  وكانت  سواكن  تنمو  بتقدم  في تجارتها  وعمرانها ؛  لأن عيون الخلافة  في القاهرة  تتجه  نحو  عيذاب ، التي بها  من ينوب  عن الطولونيين. وحينما  كان أهلها  من البجا  ولا سلطان لهذا  النائب عليهم (ودليل  الباحث ) أنه  في  عام 256هـ (870م) اتخذها  عبد الرحمن  العمري  قاعدة  له  عندما  كلفه  الطولونيون بمحاربة البجا وتأديبهم ؛ لمهاجمتهم  وسلبهم  لمدينة  قوص. لذلك لم  تتجاوز سلطة الطولونيين عيذاب  ميناءهم الرئيس على البحر الأحمر. فكانت سواكن  آمنة ويأتيها  مناديب  السلطان  لجمع  الضرائب  فقط (محمد صالح ضرار ، مصدر سابق : 181). ويبدو أن الحال  استمر حتى  آلت سلطة مصر للفاطميين  (909-1171م).  فغياب  السلطة المباشرة  للخلافة الإسلامية  في سواكن  أفاد  في انتعاش  تجارة  المدينة  المباشر مع جدة  فزاد ذلك من  أرباح  التجارة في سواكن.

     انشغلت  الخلافة  الفاطمية  عن المواني الصغيرة  كسواكن ؛ لدخلولها في مشاكل  البربر والانشقاق الديني  في شمال إفريقيا  والاضطرابات ، حتى  أن الجوع والطاعون ، والضرائب فتكت بالرعية. ولازالت عيذاب  هي ميناء الفاطميين  ، خاصة  عند بداية  انتقال  طريق الحج  إليها بسبب  الحروب الصليبية  في  عام 1061 م. ويلاحظ  أن البجا يقيمون فيها  و يشيدون  البيوت  ويصنعون  المراكب  لنقل  الحجاج   إلى جدة ، ولازالت  سواكن بعيدة  نسبياً من السلطة  المركزية  المباشرة  ، كما  أنها  لازالت  تنمو  بتجارتها  مع جدة . أما  الاضطرابات  التي  تفاقمت  في أخريات  العهد  الفاطمي  حركت  صلاح الدين الأيوبي  فأقصاهم  عن الخلافة  بعد  أن ظلوا  عليها  لقرنين  ونصف (909-1171م)  ولكن  من حسنات صلاح الدين  أنه  أسقط كل المكوس  التي استنها الفاطميون  (بلغت  في إجمالها ثمانية  وثمانين مكساً ، وكانت قيمتها  مائة  الف دينار  في السنة) فشملت  مكوس  تجارة الصادر والوارد  وأيضا  المراعي  والمياه  والمصائد  والذبائح  وسوق  الرقيق  والصناعات ، ولم يسلم  حتي الحجيج  منها ، إذ أن مكس الحاج الواحد  الواجب عليه  دفعه  في عيذاب طوال  فترة الفاطميين  سبعة دنانير ونصف  . إذ  تشكل  أهم مصادر دخل دولتهم ، لكنهم يشتطون  في جمعها  ويعامل  القادمون والخارجون ، تجاراً وحجاجاً معاملة  سيئة. وذكر  ابن جبير  أنها  في  غاية  القسوة  والشدة ( ابن جبير ، 1981 م :38/39)  فلم يبق من تلك  المكوس سوى  الذكاة  التي تؤخذ مرة في العام وهي ربع العشر.

     ويرى  الباحث  أنه  أثناء فترة الأيوبين  بدات  سواكن  في الانتعاش  من جديد  وانعكس ذلك  على  عمرانها ، خاصة  وأنها  كما يعتقد  الباحث ، لازالت بعيدة  عن أيادي  السلطة  المركزية  ولا يوجد  من يمثل  السلطة  التركية بها ، والأجزاء  التي ضمها  ابن طولون من السودان ،  في ظن  الباحث  هي  منطقة عيذاب  التابعة للبجا . لذلك  فإن إلغاء  تلك  المكوس  من أمام  التجارة كان  فتحاً  جديداً لا نعاش  ونماء تجارة  سواكن.

 ارتبط  ازدهار  الحركة التجارية  في ممر البحر الأحمر  في القرن الخامس  عشر (خاصة  بعد سقوط القسطنطينية  عام 1453م) . بسياسة  دولة المماليك الرامية  إلى تحطيم  مركز عدن  التجاري  وإحلال جدة  بدلاً عنه (نعيم زكي، 1968م  1 :138)  واستخدموا  العديد  من الأساليب  كي ينجحوا  في احتكار التجارة  القادمة  من الشرق،  ويعتقد  الباحث  أن ذلك  هو السبب  المباشر  الذي جعل سواكن تتجه بتجارتها  وعلاقاتها  إلى جدة ؛ لتجمع  تجارة الشرق وأوربا في جدة  بدلاً عدن . فازدهرت  عمارتها  وقصورها  من أرباح  التجارة.

تتأثرت سواكن  كثيراً بما أصاب جدة  بفقد الأمن و عدم  الاستقرار في أوائل القرن  العاشر  فعمت  الفوضى بالحجاز ونشبت النزاعات  بين  أشراف مكة  في السيادة  فنهبت وسلبت  من قبل أمراء المدينة وخرجت القبائل  على الدولة  فقطعت  طرق الحج وقتلوا وسلبوا  الحجاج  وهددت جدة ؛ فأبطل السلطان  الحج لأكثر  من عشر سنوات  (حتى  عام 912هـ) فتأثرت  تجارة سواكن وأصابها الانكماش في تلك الفترة . أما حدث  لجدة  عام 473هـ -1080م فقد  استفادت سواكن منه ، حين أراد شريف مكة الذي تحركت  أطماعه  وأغرته  ثرواتها  العريضة  وما تذخر به  من قدرات  اقتصادية  فعزم الإستيلاء على  تلك الكنوز  جوراً وغدراً ،  لكنه  لم ينل  منها شيئاً ، فقد ركب  أهل جدة البحر ، وظلت حتى القرن  السادس الهجري . فاستقر جزء  من هؤلاء التجار وأسرهم  في جزيرة  عيري  في سواكن  مع أقربائهم  الشئ الذي أنعش سواكن تجارياً. 

    نعمت سواكن بخير تجارتها، ونمى عمرانها ؛ لبعدها من سلطان المماليك  في مطلع  حكمهم . ويرجح  الباحث بُعد سواكن  من سلطة  المماليك  لحادثتين  (من جانب  السلطان المملوكي) عندما  أرسل السلطان  مندوباً له  عام 662 هجري_ 1263م ليحذر أميري سواكن وجزائر دهلك  من التعرض لأموال من يتوفى  من التجار العابرين بمدينتيمها ، وبعد سنتين  أمر والي قوص  ليحقق مع أمير سواكن  البلوي  في بعض  الأحداث . وبعد عام أمر السلطان  استخراج  ذكاة سواكن  والجزائر المجاورة  لها.

      لكن أهم  الأحداث التي يستند إليها الباحث  في غياب  سلطة  دولة المماليك  المباشرة عن  سواكن  ما حدث  عام 716هجري -1316م  عندما تعرض أمير سواكن  لثلاث سفن بها هدايا  للسلطان  في القاهرة واستولي عليها ، وجاءت بعثة عسكرية  لسواكن لكن أميرها سارع بالخروج منها .وربما هذا الحدث  هو الذي هدى  المماليك  بإبقاء قوة ثابتة بسواكن، ويعتقد الباحث  أن ملاحظة  البرتغاليين  عن سواكن  أثناء حصارهم لها وجود حاكم تركي  تساعده قوة من  مائة جندي مما يدل أن المماليك قد أبقوا  إدارة  ثابتة    في سواكن وذلك يعده الباحث  بداية  دخول الأتراك  المماليك  سواكن  فصارت سنة سار عليها العثمانيون  عندما آلت  إليهم  تبعية سواكن ، فظلوا بها وتزاوجوا واختلطوا بأهلها .

     إن الحدث المهم الذي  وقع  لعيذاب عام 1319م وأدى  لتخريبها – بأمر من سلطان  المماليك الظاهر بيبرس – كان يحسب في صالح سواكن  إلى أبعد الحدود  ، فقد صارت الميناء البحري الوحيد للسلطة المركزية  الإسلامية في القاهرة ونقطة العبور لحجاج  الأراضي المقدسة  لكل أهل إفريقيا (محمد صالح ضرار ، مصدر سابق :184)  مما زاد الأرباح  المجزية  لتجار سواكن .

      اتصفت فترة المماليك  بسوء الإدارة  والتدهور  والضعف  الذي أضاع طريق  البحر  الأحمر  الحيوي  عندما أجبرت  أوربا  للالتفاف حول إفريقيا  لموقع  تجارة الشرق  بسبب ضرائب المماليك  الباهظة  فأثر سلباً على سواكن  خاصة  لوجود سلطتهم فيها.

    استمر العثمانيون_بعد أن آلت  إليهم الخلافة  الإسلامية_ في إدارة  سواكن  من خلال  إمير جدة وبنفس  الأسلوب السابق.  إذ يعين  من ينوبه على سواكن  تعاونه  مجموعة  من الجنود ؛ لتحصيل  الرسوم  والضرائب  فقط ،  واستمر  لثلاثة قرون  تقريباً  حتى استأجر محمد علي باشا سواكن ومصوع.  فقد قام بجمع  كل المهمات التجارية  و الإدارية و المالية وسلطات  المدينة  في يد المحافظ الجديد،. وحتى قدوم  الإنجليز واحتلالهم  للسودان  وإدارته  كاملاً يكن  لإهلها (سواكن)  أي شأن  في جوانب  إدارتها  التجارية  أو المالية.

تجارة سواكن :

    تختص سواكن  ومصوع  بنقل  تجارة الحبشة  والنوبة ، وتصلهما بحراً سفن  الحبشة وبراً قوافل النوبة  محملة بالرقيق والشمع والعسل  ولها صلة مباشرة  مع عدن ؛ لأنها  كانت  أكبر المواني  التي تتبادل  فيها السلع  بين الشرق والغرب و تنتهي عندها  تجارة الصين  والهند . وتعود  محملة بما  لديها  من سلع  الشرق وسلع  أوربا  القادمة  من القاهرة  لتأخذ  طريقها  إلى الهند والصين (أباظة 1987ا:29) . ومهنة أهل سواكن  هي التجارة  في شقيها  البحري  والبري  وهم يملكون  سفنهم  الخاصة (وهي  قليلة) للقيام  بهذا العمل  إلى جانب سفن  جدة  الكثيرة (بوركهات ، مصدر  سابق :350)  فتجارة ظهير  السودان  من شندي وسنار  والمناطق الأخرى  التي تأتيهم  من القارة الإفريقية بالقوافل  والتي تتجمع  لديهم يصدرونها  إلي الحجاز  واليمن  حتى "مخا" بتركيز على جدة والحديدة.  فتخرج  السفن  من الجزيرة  محملة بالعبيد والذهب والتبغ والبان  وريش النعام  والهجن  وقرب الماء  والجربان الجلدية  والجلود  المدبوغة (لقلة  وندرة  الماشية  هناك) و الحصر  التي يصنعها  البدو  من سعف  الدوم (بوركهارت  مصدر سابق 348) وتصل الحديدة الذرة والقرب  والحصر وأهمها  الجياد ؛لان مكسبها  عالٍ فالواحد منها سعره في شندي  خمسة وعشرين  ريالاً  بينما يباع  بمائة  أو مائة وخمسين ريالاً  في الحديدة. ويعود  تجار سواكن  بكل ما يلزم  الأسواق  في إفريقيا  وفي مقدمتها  البضائع  الهندية الرائجة  في سوق  سواكن  كثياب النساء والحلي  والأواني  والسكر  الهندي واللبن والبصل والبلح والحديد (بوركهات ، مصدر سابق :350) .

     يقام سوق سواكن بالقيف وبضائعه  المعروضة  كالتي في شندي  ويعقد  فيه البدو  صفقات  مقايضة الجلود  بالذرة والدمور  حيث يجني الحداربة  والهدندوة   أرباحاً طائلة  . أما الصفقات  الكبيرة  كالعبيد  والجمال فالتعامل يتم  فيها بالريال كما في شندي وبربر. ويلاحظ  الباحث  أن ذلك  نفس  نهج التعامل  في منطقة المحس  حيث يتخذ الريال  في السلع  الغالية  أما المعاملات الصغيرة  فتتم بمكيال الذرة "المد" أو بذراع  قماش  الكتان (ثوب  القماش ثلاثون ذراعاً  يساوي  ريالاً واحداً بينما  يساوي  قرشان  في أسيوط  (بوركهارت مصدر سابق :56) وهذا يؤكد  المجال  الثقافي  الواحد  الذي انتشر في شمال  وشرق  السودان.

     استفاد التجار السواكنيون  كثيراً من الأسواق الداخلية  في السودان  في بربر  وشندي  وسنار  وكردفان . وكانت سمعتهم  وصفاتهم الطيبة  ( أمانة  وكرم  وصدق ) جعلتهم في مكانة  مرموقة  منذ أزمان بعيدة  عند الملوك سواء  الجعليين  أو الفونج.

      إن أهم ما يرد سواكن  من سلع  الخارج   السكر والأقمشة  الإنجليزية (من مانشستر)  والحديد  (من بيرمنجهام) والصابون  والشمع والأرز  فتتجه  تلك السلع مباشرة  من  الميناء إلى بربر أقرب  نقطة  داخل السودان  (محمد صالح  مصدر سابق :77). وتنظم  عادة حركة قوافل  التجار  ثلاث  مرات في العام إلى بربر وتضم الواحدة  منها ألفاً إلى ثلاثة آلالاف جمل. أما  الصادرات  التي تخرج  عن طريق سواكن  إلى جدة والهند  وعدن  العاج  والذهب  والريش والخيول والرقيق والتمباك  والصمغ والجلود  والقطن  والذرة والدخن  والسنامكي والبروش  والعسل والسمن  والسمسم والبن ( الذي يورد عن طريق كسلا والحبشة) والمواشي  والحيوانات  المتوحشة كالفيلة والأسود والنمور ووحيد القرن  والنعام  وفرس البحر وحمار الوحش (محمد صالح  ضرار ، مصدر سابق :77/78) .

     كانت  مدينة شندي بمثابة  السوق الكبير لكل تجار إفريقيا ، خاصة الرقيق . إذ يرد إليها  تجارسنار والمغرب وكردفان  ومصر  ودارفور  والحبشة  وإريتريا  واليمن  والحجاز  لإعادة  تصدير  تلك السلع  إلى أوربا  وعدن والهند. أما الرقيق فقد كان يرحل إلى الجزيرة العربية ومصر  فقط.  وانفرد  السواكنيون باحتكار أصناف  أخرى  كالحرير الذي تلبسه الطبقة الاستقراطية في سنار وشندي وكردفان والعطور الهندية  والخرز  والسوميت  ، خاصة  الكهرمان فيتحكمون  في أسعارها  في دارفور  والبرقو ، فالألف  حبة من الكهرمان تساوي ثمناً لست جوار. و كان الرقيق يباع بالذهب فيما تعارف بالقمحة والدرهم    والأوقية.

النتائج والتوصيات :

النتائج:

  1. دخول الهجرات العربيه قبل وبعد الإسلام جعل السودان يلتحم بالثقافة العربية والإسلامية .
  2. سواكن بصورة خاصة أتت إليها أعراق كثيرة ومتنوعة فنشأ فيها هجين ثقافي له سمات المجتمع المتحضر، سواء في مظهر المدينة أو في التنظيم الإداري للمدينة والذي أُتفق عليه.

   3- ممر البحر الأحمر مكَّن المدن التي نشأت عليه - سواكن – أن تنشط فيها الحركة  التجارية طوال فترة العصور الوسطى وخرجوا بها كذلك حتي الشرق القديم فاصابوا  منها أرباحاً طائلة.

    التوصيات :

      تضمين تاريخ سواكن في المناهج التعليمية، فهي ليست فقط تشكل مدخلاً للهجرات من الجزيرة العربية أو لاستقبال الدين الإسلامي بل لأنها تشكل الوجه الحضاري الأول لجانب الثقافة المادية الإسلامية بما شملته من بنيان وتنظيم وإدارة في وقت مبكر لم يكن لداخلية السودان نصيب منها إلا البداوة الأولى. فهو تراث مهم في تكويننا الفكري والثقافي الحديث لابد من استصحابه في تكوين الشخصية السودانية التي لا زلنا نبحث عنها ولا نبحث فيها.

المصادر والمراجع

1- أبو الحسن محمد بن        1981م         رحلة  ابن جبير ( بيروت : طبعة منقحة بإشراف

جبير                                لجنة تحقيق التراث ( منشورات مكتبة الهلال .

2- أبو الحسن عز الدين     1290هـ       الكامل فى التاريخ المطبعة العامرة : مصر

( ابن الأثير )

3- أبو الحسن محمد بن          1981م                 رحلة  ابن جبير ( بيروت : طبعة منقحة بإشراف

جبير                              لجنة تحقيق التراث ( منشورات مكتبة الهلال .

4- ابن أياس                                      نشقة الأزهار في عجائب الأقطار- مخطوط

بدار الكتب تحت الرقم 349 جغرافياٌ الورقة 83

5- أبو عبد الله محمد        1323 هـ           تحفة النظار فى غرائب الأمصار وعجائب الأسفار

ابن بطوطة                                 ترجمة محمد عبد الهادى أبوريدة ، القاهرة

6- جون لويس بوركهارت   1992م             رحلات في شعبة جزيرة العرب،ط1، ترجمة عبد

العزيز بن صالح الهلابي بيروت : مؤسسة الرسالة

7-  جون لويس بوركهارت                        رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان:

ترجمة فؤاد أندراوس

8- حسن محمد جوهر        د. ت.                السودان إرثه وتاريخه وحياة شعبه ، حقيقة

الشاطر بصيلى وحسين حسن مخلوق – القاهرة

مطبعة المعرفة

-9- محمد صالح ضرار         1992م                    تاريخ شرق السودان ممالك البجة قبائلها وتاريخها

القاهرة : دار الإتحاد العربى للطباعة

10- محمد صالح ضرا ر    1964م            تاريخ سواكن والبحر الأحمر ، الخرطوم: الدار

السودانية للكتب

11-  محمد أدروب أوهاج           1986م              من تاريخ البجا ، الخرطوم: مطبعة جامعة

الخرطوم

12- محمد مصطفى هدارة           د. ت.                 تيارات الشعر العربى المعاصر فى السودان

د. دار نشر

13- محمد عوض محمد            1956 م     السودان الشمالى ، سكانه وقبائله ، القاهرة: مطبعة

لجنة التأليف والترجمة والنشر

14- نعيم زكي فهمي          1968م          طرق التجارة الدولية ومحطاتها بين الشرق والغرب

في أواخر القرون الوسطى، رسالة    دكتوراه

جامعة القاهرة

15- ناصر خسرو علوي   1993م     سفر نامة ، ترجمة يحيى الخشاب ، القاهرة/

الهيئة المصرية للكتاب ، ط2

16- علي بن الحسن  بن      1861م            مروج الذهب ومعادن الجوهر – باريس

17 - علي المسعودي                                1973م (طبعة ثانية)

 

18- عبد الفتاح مقلد الغنيمى    د. ت.   الإسلام والعروبة في السودان ، القاهرة : العربى

للنشر والتوزيع

19- عبد القدوس الأنصاري        1982م      موسوعة  تاريخ مدينة جدة،ج1، القاهرة: دار مصر

للطباعة

20- عبد المجيد عابدين         1967م تاريخ الثقافة العربية في السودان : بيروت

 

21- عطية القوصي        د. ت.         تجارة مصر في البحر الأحمر ، منذ فجر الإسلام

حتى سقوط الخلافة العباسية ، بدون دار نشر

 

22-  شوقي عطا الله الجمل        1959م       الوثائق التاريخية لسياسة مصر في البحر الأحمر ،

مطبعة البيان العربي .

23- ضرار صالح ضرار     1997م هجرة القبائل العربية إلى وادي النيل – مصر

والسودان – الرياض مكتبة التوبة الطبعة الأولى

 

رسائل جامعية:

 

24- انتوني سوريال              1972م                   جهود الثقافة في السودان ، بحث ماجستير –

 

25- جان بيير قرنيلو           1988م           مباني الحجر المرجاني في سواكن ترجمة فوزية

عبد القادر صالح- رسالة ماجستير آداب في

الترجمة، جامعة الخرطوم

26- صلاح الدين الشامي   1956م             التوجه البحري للسودان و أثره في طرق التجارة و

المواصلات - رسالة دكتوراة في جامعة القاهرة .

27- خلف عبد العظيم     1992م              تاريخ البحرية التجارية المصرية 1879م -1854م

سيدي الميري                          الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهره

مراجع بالإنجليزية:

27- Barbour,K.M    1961      The Repuplic of The Sudan ( A Regional     

Geography  ) . Universtiy of London Press led

 

       28- El Tom . M.   1975  The Rains Of The Sudan ( micanism and Distribution Khartoum   Univ. Press Khartoum) 

.

J. M. Roberts.     1980     History Of The World ( Oxford : Hdicon , 1976 Re,- 29  

                                  1987, 1988, 1990, 1992 ) 1983,                         

مقابلات ميدانية:

30- د. بعشر                    1998م       أسرة بعشر، أستاذ جامعي- بورت سودان

31- العم حسين                  1998م       خفير جزيرة سواكن - سواكن

 

الملاحق :

الأشكال والصور

المدخل البحري الآمن إلى مدينة سواكن

توزيع المنازل داخل الجزيرة-

شكل المنازل في الجزيرة

الأسطول البرتغالي يحاصر سواكن بعد عبورهم حول إفريقيا

أشاوش الشرق

 

 

 

 

أضف تعليقاً

0 تعليقات