السـلم التعليمي في الســودان (دراسـة تـاريخية)

الثالث من شهر مايو عام 2018م



 

                                                                                                          د. داود سـاغه محمد عبدالله

المستخلص:
        تناولت هذه الدراسة السلم التعليمي في السودان، وقد اشتملت على عدد من المحاور بدءأً من تعريف السلم التعليمي وأنماط السلالم التعليمية في العالم، ثم التغييرات التي طرأت على السلم التعليمي في السودان، حيث تناولت الدراسة هذه السلالم كل على حده، فالسلم الأول (4-4-4) وهو الذي أسسه المستعمر لتحقيق أهداف معينة، وتغييره بالسلم الثاني (6-3-3) في عام 1970م وأهداف هذا السلم، ثم السلم التعليمي الحالي (8-3) أهدافه وسلبياته وايجابياته وخلصت الدراسة إلى بعض الملاحظات.
•   المقدمة
•    تغيير السلم التعليمي
•   مراحل تغيير السلم التعليمي
•   الخاتمة
•    المصادر والمراجع


المقدمة:  

   النظام التعليمي مثل الأنظمة داخل المجتمع يحتاج دائماً إلى رعاية مستمرة حتى ينمو ويتطور بصورة سليمة، ونجد أنّ مسيرة التعليم في السودان قد مرت بثلاث محاولات كانت الأولى قبل الاستقلال حينما جاء أول وزير سوداني للمعارف، ثم كانت المحاولة الثانية في عام 1969م، بتغيير السلم التعليمي السوداني القائم وقتذاك ثم في العام 1990م، ثم تقديم مشروع لتغيير السلم التعليمي وفق أهداف وبرامج معينة.
تعريف السلم التعليمي:
هو مجموع المراحل التعليمية التي يتكون منها نظام التعليم  في البلد المعني (أي بلد) ومدة مراحله، والسن التي تبدأ وتنتهي بها كل مرحلة، والسلم التعليمي في أى بلد من البلاد يبيَن مدى عدالة التعليم في البلد وفاعليته حيث أنّ تعدد المراحل يعني قلة الأعداد التي تتدرج من مرحلة إلى مرحلة بعد اجتياز الاختبارات من مرحلة إلى أخرى، وهذا يعني أنّ أعداداً قليلة من التلاميذ والتلميذات هي التي تصل إلى المراحل العليا أو المتقدمة في السلم التعليمي. وهذا يعني زيادة الفاقد التربوي، وطول أي مرحلة أو قصرها يكشف عن مدى فاعليتها بالنسبة للتلاميذ والتلميذات. وبدء تعليم أي مرحلة في سن مبكرة خير من بدئه في سن متأخرة، لأنّ التعليم يجب أن يماشي العمر فلا يسبقه ولا يتأخر عليه.(1)
    ومن ناحية إدارية نجد أنّ تعدد المراحل ينعكس على تكوين الجهاز الإداري للنظام التعليمي. حيث إنّ تعدد المراحل يعني تعدد المعلمين في المدارس، وتعدد الفنيين في أجهزة التفتيش وتعدد الإداريين على المستوى المركزي والإقليمي مما يزيد من الأعباء والتكاليف على خزينة الدولة.(2)
    أمّا أنماط السلالم التعليمية في العالم فهي تكاد تنحصر في ثلاثة سلالم تعليمية هي:
1-    نظام الـ(6+3+3) وكانت تعمل به ثلاثون دولة في العالم وقتها.
2-    نظام الـ(8+4) وكانت تعمل به أربع عشرة دولة في العالم.
3-    نظام الـ(6+4+2) وكانت تعمل به ثلاث دول في العالم.
من هنا نلاحظ أنّه لا وجود لسلم تعليمي مثل الذي كان معمولاً به في البلاد (4+4+4) مع أنه يتفق مع الأنظمه السابقة فى المدة الزمنية أثني عشر عاماً.(3)

تغيير السلم التعليمي في السودان

     وعلى الرغم من أنّ التوقعات المشار إليها سابقاً لا تخلو من الصحة؛ لأن زيادة القدرة الاستيعابية للوزارة تتطلب مزيداً من الصرف والإنفاق، إلا أنّ وزير المعارف لم يعرها اهتماماً فكوّن في عام 1958م لجنة ضمت أحد عشر مربياًَ سودانياً بينهم مدير جامعة الخرطوم ومدير المعارف وتسعة من كبار رجال التربية برئاسة خبير من اليونسكو هو الدكتور متى عقراوي.(*)
    وطلب من اللجنة بعد دراسة أوضاع التعليم في السودان أن تناقش ثلاث قضايا تمثلت في تغيير النظام التعليمي القائم وهو السلم (4-4-4)، حيث كان الوزير يرى أنّ فترة الأربع سنوات في المرحلة الأولية غير كافية بالنسبة للتلميذ فيجب تغييرالسلم الدراسي  إلى  (6-6) حيث تكون مدة الدراسة في التعليم العام مرحلتين أولية ست سنوات تليها ثانوية ست سنوات، على أن تقسّم المرحلة الثانوية إلى قسمين كل قسم ثلاث سنوات. وشدد الوزير على الوحدة الوطنية في مسألة التعليم واللغة العربية.(4)
    وأوكل للجنة مهمة دراسة أهداف التعليم ونظمه القائمة في السودان بمراحله الثلاث ومدى تناسبه مع التطور الاجتماعي الحاصل في البلاد.
    كانت هنالك أربع وسائل متاحة أمام عقراوي لدراسة أوضاع التعليم في السودان من أجل إصلاحه وكشف نقاط الضعف والتقصير فيه تمثلت في الآتي، أولاً: دراسة الوثائق المنشورة وغير المنشورة، ثانياً: جمع المعلومات الإحصائية وغير الإحصائية، ثالثاً: المقابلات الشخصية (5)  مع من يعملون في حقل التعليم خاصة الشخصيات البارزة منهم، رابعاً: التجول في البلاد وزيارة المدارس والتعرف على الحياة المدنية والقروية، ومن الأشياء المهمة التى صاغتها لجنة عقراوي ما عرف بأهداف التربية في السودان وكانت ثلاثة عشر مبدأً هي: (6)
1.    نقل التراث الوطني والإنساني إلى الجيل الجديد.
2.    خلق مواطن وطني.
3.    مساعدة التلاميذ على النمو وتطوير طاقاتهم واهتماماتهم.
4.    بناء شخصية سودانية سليمة الأخلاق.
5.    ترسيخ النظرة الدينية والروحية.
6.    مساعدة التلاميذ على التمكن من اللغة العربية لبناء القومية.
7.    إعطاء المهارات الذهنية الأساسية والمعرفة الضرورية للحياة.
8.    تطوير المهارات اليدوية وتغيير نظرة الاحتقار للعمل اليدوي عند التلاميذ.
9.    تكوين مواطنين أصحاء وأقوياء بدنياً وتطوير الروح الرياضية.
10.    تطوير الهوايات والاهتمامات عند التلاميذ حتى يتمكنوا من استخدام أوقات الفراغ وملئها بصورة مفيدة.
11.    إعداد التلاميذ للحياة العائلية.
12.    تشجيع التعبير الخلاق عند الأطفال.
13.    تطوير روح المبادرة عند الأطفال(7).
 ولعلّنا نلاحظ الفرق الكبير بين الأهداف التي صاغها عقراوي ولجنته والأهداف التي وضعها جيمس كري في فترة الحكم الثنائي والتي كانت تهدف لخدمة أهداف المستعمر دون مراعاةٍ لحاجة الإنسان في ذاته أو مصلحة البلاد العامة.
    الواقع أنّ هذه الأهداف لم تتجاوزها كل اللجان أو المؤتمرات التي عُقدت بعد لجنة عقراوي إلا في الصياغة وحدها لا غير، بل أصبح تقرير هذه اللجنة حجر الأساس لكل محاولة إصلاح جاءت من بعده، وكان مقترح تغيير السلم التعليمي من (4-4-4) إلى (6-6) يعني زيادة مدة الدراسة بالمدرسة الأولية، وإلغاء المرحلة الثانية وهي المرحلة الوسطى واستبدالها بمرحلة ثانوية مدتها ست سنوات، وكانت حجته في ذلك أن المرحلة الأولية من أربع سنوات مدة قصيرة تؤدي إلى إرسال التلميذ لمواجهة متاعب الحياة في سن مبكرة (8).
    وناقش عقراوي مسألة تعليم البدو، ثم تناولت اللجنة التعليم في الجنوب، ومسألة تعميم اللغة العربية والوحدة الوطنية.
    وعلى الرغم أنّ تقرير عقراوي من الأهمية بمكان إلا أنّ الوزارة لم تقم بتنفيذ مقترحاته مباشرة، بل استدعت وزارة المعارف خبيراً آخراً في عام 1960م وهو أيضاً عراقي الجنسية يعمل خبيراً في منظمة اليونسكو لتقييم تقرير لجنة عقراوي ودراسته بصورة دقيقة (9) وكان اسمه عبد الحميد كاظم. وقد اهتم كاظم بثلاث نقاط أساسية هي:
1-    مقدار التكاليف المالية التي يكلفها مشروع متى عقراوي.
2-    تقديم النصح حول الإجراءات التي يمكن تنفيذها في مشروع عقراوي حسب ظروف البلاد وحالتها المالية.
3-    إبداء وجهة نظره الخاصة حول المشروع بمعنى هل يوافق عليه أم لديه اعتراض أو إضافات أو تعديل.
يبدو لنا مما هو ظاهر أنّ الحكومة غير واثقة من مشروع عقراوي على الرغم من أنّه بذل جهداً مقدراً بصحبة لجنته لإخراج مشروع فيه كثير من الإيجابيات، ولاشك أنّه لا يخلو من السلبيات والعيوب. وربما يعود تردد الحكومة لخوفها من التكاليف المالية العالية التي هي الثمن للفلسفة الجديدة للتعليم. وعلى كلٍ فإنّ عبد الحميد كاظم بعد أن اطلع على تقرير لجنة عقراوي أعد تقريراً استعرض في بدايته كل جوانب مشروع متى عقراوي بإيجاز ثم وضع الأسس التي اعتمد عليها في تقييمه لمشروع عقراوي. وقد أبدى موافقته على الأهداف التالية في مشروع عقراوي: (10)
1-    أهداف التربية والتعليم.
2-    إعداد متخصصين في شئون التربية والتعليم.
3-    تدريب معلمين للمدارس الثانوية.
4-    الأسس المقترحة لتطوير المناهج.
5-    المنهج المقترح لمعلم المدرسة الابتدائية.
6-    إدخال تغيير على جهاز التعليم الإداري.
7-    زيادة المبالغ التي تصرف على التعليم.
8-    تعليم العرب البدو.
9-    الزمن المحدد لبدء الخطة.
10-    الزمن المقدر لتعميم التعليم الأولي (11).
وافق كاظم على هذه المقترحات التي وردت في تقرير متى عقراوي وكان في رأيه أنّ أهم توصية وردت في هذا التقرير هي تغيير  السلم التعليمي القائم وقتها وهو (4-4-4)، ويبدو أنّ تغيير السلم التعليمي أو مقترح تغييره كان بالفعل هو الأهم لما يحمله معه من تغييرات جذرية في كل المراحل التعليمية.
    رأى كاظم أنّ مسالة السلم التعليمي مسألة مهمة تحتاج إلى تفكير على ضوء حاجة البلاد ومواردها المالية ونُظمها التربوية، وكان يرى أنّه ليس هناك سلم تعليمي متفق عليه في كل بلاد العالم، وأن مقدار تحصيل التلاميذ العلمي لا يعتمد على نوع السلم التعليمي وإنّما يعتمد على جودة الكتب المدرسية ومستوى الأساتذة ونوع المناهج، (12) وأنّ تحصيل التلاميذ العلمي قبل دخولهم الجامعة يتحسن بطول الفترة الدراسية قبل الجامعة، أمّا تقسيم الفترة التي تبلغ اثني عشر عاماً إلى (4-4-4) أو (6-6) أو غير ذلك فلا يؤثر على مقدار التحصيل العلمي, وهو ليس على قدر كبير من الأهمية، وكان يرى أنّ السودان يحتاج إلى تعميم التعليم أكثر من أى شي آخر، وأوضح رأيه بصراحة في عدم التخلي عن السلم التعليمي المعمول به (4-4-4) وقتذاك لأنّ التغيير في حد ذاته من سلم إلى آخر يخلق العديد من المشكلات، وقال إنّ السلم التعليمي المعمول به لا عيب فيه، (13) وكان يرى أنّ القصور في المناهج والمعلمين، وكما يرى أنّه بالإمكان تشييد نظام تعليمي على هذا السلم جدير بالاعتبار، وأشاد بدور المدرسة الأولية وقال عنه إنّه ممتاز مخالفاً بذلك رأى الدكتور متى عقراوي.
لخص عبد الحميد كاظم محاسن السلم المعمول به (4-4-4) في الآتي:
•    إنّ نظام الوحدات المكون من (4-4-4) نظام اقتصادي لأنه أقل تعقيداً من نظام الست سنوات في المرحلة الابتدائية، ومتوسط الصرف على التلميذ في نظام الأربع سنوات أقل من متوسط الصرف على التلميذ في نظام الست سنوات.
•    نظام الأربع سنوات مناسب من الناحية الإدارية.
•    إن نظام الأربع سنوات يساعد على نظام التعليم المختلط في المناطق قليلة السكان على عكس نظام الست سنوات.    
كان من رأي عبد الحميد كاظم أن يُجعل التعليم الإلزامي أي الأولي ثماني سنوات مقسّمة إلى قسمين. وتحدث عن فترة تدريب المعلمين للمدرسة الأولية والتي كانت عامين وقال إنّها مناسبة إذا ظلّ السلم التعليمي كما هو (4-4-4) (14).
    أمّا إذا تم تعديل السلم التعليمي وفق خطة تقرير عقراوي فإنّه يرى ضرورة مد فترة التدريب إلى ثلاث سنوات بعد الثانوي العام. ثم تحدث في تقريره عن تدريس اللغة الإنجليزية، وكان من رأيه أن تدريس اللغة الإنجليزية غير مجدي في المرحلة الأولية ويستحسن أن تدرس من المرحلة الثانية من مراحل التعليم العام، وأنّ تدريسها في المرحلة الأولية يزيد من تكاليف الدولة المالية في مجال التعليم لأنّها تحتاج إلى إعداد معلمين لذلك(15).

مراحل تغيير السلم التعليمي:

وقد استعرضنا من قبل محاولات تغيير السلم التعليمي في السودان من تقرير متى عقراوي وحتى آخر محاولة قامت بها وزارة التربية والتعليم في عام 1967م لتعديل السلم التعليمي وتغييره والأمر الذي صار هم كل لجان التربية والتعليم في السودان.
    وعليه فإنّنا إذا نظرنا إلى السلم التعليمي (4+4+4) نجد أنّه يتكون من ثلاث مراحل منفصلة عن بعضها وأنّ مدة كل مرحلة أربع سنوات وهو نظام فريد من نوعه ولا مثيل له في العالم (16)، حيث نجد أنّ النظام السائد في العالم يقسم التعليم إلى مرحلتين منفصلتين عن بعضهما مرحلة ابتدائية وهي المرحلة الأولى، ومرحلة ثانوية وهي المرحلة الثانية وتنقسم إلى قسمين صغرى وعليا(17).
    ذكر مُعد التقرير مهدي الأمين أنّ هذا النظام لا يمكن أن يطبق عليه نظام المرحلتين وذلك لتساوي سنوات مراحله الثلاث. حيث نجد أنّ المرحلة الوسطى لا يمكن أن تعتبر امتداداً للمرحلة الأولية لتساوي عدد السنوات (4 سنوات)، كما لا يمكن أن تكون مرحلة ثانوية صغرى لأنها أيضاً مساوية لها في عدد السنوات، ومع ذلك فقد ذكر مُعد التقرير محاسن السلم (4-4-4 ) ولخصها في الآتي:
1-    إنّ المراحل الثلاث تمتاز بالاستقلالية حيث لا ترتبط ببعضها.
2-    إنّ الدراسة في المرحلة الأخيرة (الثانوية) غلبت عليها الناحية الأكاديمية.
إضافة لذلك فإنّها اقتصادية لأنّ العدد الذي يدخل هذه المرحلة من الأولاد والبنات قليل، ومع قلة سنوات الدراسة وقصرها تقل بذلك التكاليف المالية، وربّما كان هذا هو سر تمسك المستعمر بهذا السلم طوال فترة وجوده بالبلاد، ويفسّر كذلك عجز الحكومات من بعده وفشلها في تغيير السلم حتى عام 1969م(18).
من مزايا هذا السلم التناسق حيث إنّ تقسيمه إلى أربع سنوات لكل مرحلة فيه تناسق في عدد سنوات كل مرحلة وتساوي في التقسيم وتوازن في المراحل (19) مع تقارب أعمار التلاميذ، وسهولة إعداد المعلمين اللازمين لكل مرحلة وتدريبهم وفي وضع المناهج والكتب والنظام الإداري.
أمّا عيوب هذا النظام فقد لخصها مُعد التقرير في الآتي:
1-    انفصال مراحل السلم (4-4-4 ) عن بعضها، كما ذكرنا في المحاسن فهو أيضاً من العيوب.
2-    قلة تنويعه وهذه أيضاً من السمات التي ذكرت في المحاسن.
3-    ارتباط تعلم اللغة الإنجليزية بالمستعمر وسياساته.
4-    قصر المرحلة الأولية يؤدي إلى انحدار من تخلو عنها نحو الأمية مع مرور الأيام.
لم يكتف مقدم التقرير الأستاذ مهدي الأمين بنقد النظام القائم وقتذاك وحسب بل تناول كل السلالم التعليمية التي اُقترحت من قبل اللجان السابقة بالنقد،(*) حيث عاب على مقترح عقراوي (6-3-3) إبقائه على سن السابعة كبداية للدراسة، وقسم المرحلة الثانوية الصغرى العامة إلى عامة، ومهنية وهو بذلك قد خالف النظام المتبع في العالم وقتها، كما عاب على مقترح كاظم (6-2-4)  قصر فترة الثانوية العامة (الصغرى) وطول فترة الثانوية العليا (25). وأخذ على مقترح وزارة التربية والتعليم (6-4-4) طول الفترة (14 سنة) وارتفاع التكاليف مادياً وبشرياً وفنياً، وعاب على المقترح الثاني (8-4) طول فترة الدراسة في المرحلة الأولى، مما ينتج عنه بعض الصعوبات الإدارية والمادية، أمّا المقترح (6-4-2) فقد عاب عليه طول فترة الدراسة في المرحلة الثانية، الثانوية الصغرى أربع سنوات مع مد فترة الدراسة في المرحلة الابتدائية إلى ست سنوات وانتقده فى أنّه متفرد ولا يوجد له نظير في العالم.
    بعد أن شرح كاتب التقرير مسألة السلم التعليمي بالتفصيل قدم بعض المقترحات وذكر بعض الأسس، فأكد على ضرورة مراعاتها عند بحث أي نظام لسلم تعليمي جديد، ومن أهم هذه الأسس والمقترحات:
1-    مد فترة الدراسة في المرحلة الأولى (الابتدائية) بحيث لا يكون المد أطول من الممكن مادياً وعملياً.
2-    كما يجب تخفيض سن الدخول عند مد فترة الدراسة في المرحلة الأولى، وأن تؤخذ في الاعتبار أنظمة الدول العربية، ومحاولة الاقتداء بالدول المتقدمة.
وختم مقترحاته بقول: يجب أنّ نراعي في أي سلم تعليمي مقترح تقسيم سنوات المراحل الدراسية للتعليم العام بشكل يتدرج من الكثرة إلى القلة في عدد السنين؛ وذلك لتمكين أكبر قدر من الأطفال من الالتحاق بالدراسة الأولية والاستفادة منها إذا لم يتمكنوا من المواصلة في المراحل التالية(26).
    نلاحظ أنّ كل السلالم التعليمية المقترحة تركز على مد فترة الدراسة والمرحلة الأولى من التعليم العام وتعميمها بغرض الفائدة لأكبر عدد من الأطفال.
    على ضوء ما ورد ذكره من أسس يرى مهدي الأمين أحمد مُعد التقرير أنّ أنسب مدة زمنية للتعليم في المدرسة الابتدائية هي مدة الست سنوات، وذلك لأنّ الخمس سنوات قليلة، وكذلك السبع سنوات أو الثماني سنوات كثيرة، لذلك فإنّ أنسب نظام تعليمي هو نظام (6-3-3) الذي وافق عليه المؤتمر وجرى تطبيقه في العام الدراسي 70/1971م  حيث قسّم التعليم العام إلى قسمين مدتهما أثنتا عشرة سنة على النحو التالي: ( مع اعتبار المرحلة الثانوية بشقيها مرحلة واحدة):
-    المرحلة الابتدائية ومدتها ست سنوات مع تخفيض سن دخول المدرسة لست سنوات بدلاً عن سبع سنوات في النظام السابق.
-    المرحلة الثانوية وتُعد المرحلة الثانية ولكن تنقسم إلى قسمين كل قسم مدته ثلاث سنوات(27)، وسنتعرض لها بالتفصيل في الحديث عن التعليم الأوسط والثانوي لاحقاً.
كان رأي المؤتمرين أنّه يستحسن ألا تكون هذه الست سنوات تخصصية بل يستحسن أن يرُكز على الدراسات النظرية ومزجها بالتدريب العملي اليدوي، وذكروا مزايا هذا السلم وكان من أهمها:
تجاوب هذا السلم مع ارتباط السودان بجامعة الدول العربية و بمؤتمر وزراء التربية والتعليم العرب وقتذاك والخاص بتوحيد سلالم التعليم العام في البلاد العربية كخطوة نحو تحقيق الوحدة التربوية، وكان نظام الـ(6-3-3) هوالمعمول به في معظم البلاد العربية، كما أنّ  هذا النظام معروف للوزارة لأنّه معمول به في معظم البلاد العربية فهو أفضل من الاتجاه لسلم آخر غير معروف، وهذا السلم نادى به مؤتمر أديس أبابا التربوي للبلاد الأفريقية الذي عقد في عام 1969م، كما أنّه من الناحية المالية أفضل وأقل تكلفة من السلم الآخر المنافس كبديل (6-4-2)(28).
وهكذا بعد مرور أربعة عشر عاماً (14) من الاستقلال تم تغيير السلم التعليمي الذي وضعه المستعمر والذي أستمر لأكثر من نصف قرن من الزمان وتخرجت عليه أجيال كثيرة.
ولاشك أنّ الحماس الذي جاء به أنصار ثورة مايو وميولهم الاشتراكية ومحاولتهم تغيير فلسفة التعليم بصورة جذرية بأنْ تربط التعليم بمواطنة الإنسان، لرفع قيمة الإنسان السوداني وفق فلسفة التعليم من أجل التعليم قد دفع عجلة التطور التعليمية (*).
حتى عام 68/1969م كان عدد المدارس الصغرى قد بلغ 511 مدرسة صغرى، ولاشكّ أنّ هناك نقصاً ملحوظاً في عدد المدارس الصغرى مرده إلى تحويل عدد كبير من هذه المدارس إلى مدارس أولية، وبلغ عدد الطلبة فيها 118.812، وكما بلغ عدد المعلمين 2.986 معلماً في هذه المدارس، أمّا المدارس الأولية فقد بلغ عددها في نفس العام 1450 مدرسة أولية بها 283.484 طالب و5291 معلم(29).
شهد العام الدراسي 70/1971م تطبيق السلم التعليمي الجديد وترتب على ذلك الآتي:
1-    إلغاء امتحان الدخول من المدارس الأولية إلى المدارس الوسطى.(*)
2-    إلغاء امتحان الدخول للمدارس الثانوية في ذلك العام.
3-    إلغاء امتحان التخرج لطلبة السنة الثالثة في المدارس الصناعية الثانوية ليستمروا عاماً آخراً، فيتخرجون في العام المقبل.
وتبعاً لذلك تم تغيير التقويم المدرسي ليصبح تقويماً قومياً، حيث يبدأ العام الدراسي في جميع أنحاء البلاد في بداية الأسبوع الثالث من شهر سبتمبر من كل عام وينتهي في آخر شهر مايو من العام الذي يليه، وتتخلل ذلك فترة عطلة مداها أربعة أسابيع تبدأ في بداية الأسبوع الثالث من شهر ديسمبر وتنتهي بنهاية الأسبوع الثالث من يناير من العام الجديد(30). وتم تعديل الزّي المدرسي لكل مرحلة من مراحل التعليم العام.

        

    

نستطيع القول إنّ التعليم الأساسي أو الإلزامي ظل محلاً وهدفاً للدراسة في الفترات من 1956 – 1970م، ودائماً كان التوسع في التعليم الأولي هدفاً منشوداً لكل الذين تعاقبوا على وزارة التربية والتعليم.
التعليم الأوسط:
المرحلة الأولى في القسم الثاني من مرحلتي التعليم العام، ولاشكّ أنّه من الأهمية بمكان، ونجد أنّ النظام المعمول به قبل مؤتمر 1969م كانت به ثلاث مراحل كل واحدة منفصلة عن الأخرى.
    وتنبع أهمية التعليم الأوسط من أنّه يمثل النُقلة النوعية للطفل من المدرسة الأولية إلى التعليم الثانوي.
    كانت المرحلة الوسطى في السلم التعليمي القديم منفصلة تماماً عن المرحلة الأولية وكذلك عن المرحلة الثانوية، ومع ذلك فقد كانت مهمتها مد المرحلة الثانوية بخيرة الطلبة القادرين على استيعاب الدراسة الثانوية والأكاديمية والفنية بالإضافة إلى غرض آخر هو تثقيف الناشئة وإعطائهم قدراً معقولاً من العلوم المختلفة تساعدهم في شق طريقهم في الحياة مستقبلاً، والواقع أنّ السعة الاستيعابية للنظام التعليمي القديم كانت محدودة؛ لأنّه صُمِّم على حسب سياسة المستعمر من أجل أن يمده بما يحتاجه من كتبة وغيرهم من صغار الموظفين، لذا نجد أنّ معظم تلاميذ المرحلة الوسطى لم يجدوا فرصة في المدارس الثانوية، وكان إحساس السودانيين بأهمية هذا النوع من التعليم مبكراً مما دفعهم إلى إنشاء مدارس وسطى على نفقتهم الخاصة وهي ما عرفت بالمدارس الأهلية، وقد زاد عددها على عدد المدارس الوسطى الحكومية في عام 1954م حيث بلغ عددها 31 مدرسة في حين بلغ عدد المدارس الوسطى الحكومية23  مدرسة فقط(32)، وهذا التفوق الأهلي يكشف لنا مدى قلة هذا النوع من التعليم في تلك الفترة والذي يعكس سياسات حكومة المستعمر، فقد كانت غاية التعليم الأوسط في عهد الاستعمار التوظيف في دواوين الحكومة، حتى أنّ آباء التلاميذ يكتفون بهذا القدر من التعليم لأبنائهم في أغلب الأحيان، ولم تكن فائدة التعليم الثانوي ملموسة كثيراً في ذلك الحين نسبة لأنّ السواد الأعظم من الطلبة كانوا يتخرجون في كلية غردون ويسلكون نفس السبيل بالتوظيف في دواوين الحكومة.  
    بعد الاستقلال والتوسع الكبير في التعليم الأولي كان لابدّ من أنّ يصحب ذلك التوسع توسع موازٍ له في التعليم الأوسط، وإذا ما تتبعنا مسيرة هذا التوسع في الفترة من 54/1955م إلى 61/1962م نجد أنّ عدد الأنهر في المدارس الوسطى قد قفز من 49 في عام 1956م إلى 113 في عام 1958م، ثم إلى 125 في عام 1960م، ثم وصل إلى 133 في عام 1962م، وأنّ عدد التلاميذ قد تضاعف من 5280 تلميذاً في عام 1955م إلى 20150 تلميذاً في عام 1962م، ولاشكّ أنّ هذا التوسع قد صحبته مشكلات مختلفة من ارتفاع التكاليف المادية والفنية والحاجة إلى عدد أكبر من المعلمين المدربين(33). وفي عام 1963م زاد عدد المدارس الوسطى الحكومية للبنين 37 مدرسة، وكان ذلك في مشروع التوسع في المدارس الأولية والوسطى لعام 63/1964م وكان تقسيم المدارس الوسطى على المديريات على النحو التالي:
1-    المديرية الشمالية نالت ثلاث عشرة مدرسة، ثمانٍ منها للأولاد.
2-    مديرية النيل الأزرق نالت خمس مدارس، أربع منها للأولاد.
3-    مديرية الخرطوم نالتخمس مدارس، ثلاث منها للأولاد.
4-    مديرية كسلا نالت مدرسة وسطى واحدة كانت من نصيب البنات.
5-    مديرية كردفان نالت سبع مدارس، ست منها للأولاد.
6-    مديرية دارفور نالت ثلاث مدارس، كانت جميعها للأولاد(34).
    مع تزايد مدارس التعليم الأولي المستمر من عام لعام فقد لازمها التوسع في التعليم الأوسط وخاصة الأوسط الأكاديمي فنجد أنّ الفترة من 65/1966م إلى 67/1968م قد شهدت زيادة في عدد الأنهر في المدارس الوسطى من 212 نهراً في عام 1965م إلى 339 نهراً في عام 1967م وبلغ عدد التلاميذ في عام 1967م 39.291 تلميذاً يقابلهم 2000 معلماً(35).
    وعلى حسب ما جاء في إحصاءات وزارة التربية والتعليم لعام 1968م فأنّ فرص التعليم الأوسط في عام 1968م للأولاد، أنّه من بين كل 1000 ولد أكملوا تعليمهم الأولي في سن الحادية عشر 227 فقط دخلوا المدارس الوسطى المختلفة بنسبة 22.7% فقط، وهي هنا تشمل أقسام التعليم الأوسط الثلاثة الفني والأكاديمي والديني، مع الذين يدخلون أو يستوعبون في المدارس الأهلية والمدارس الخاصة مثل مدارس الجاليات خاصةً العربية (المصرية) ومدارس الإرساليات خاصة الكاثوليكية (كمبوني).(36)
    عندما تولى محي الدين صابر وزارة التربية و التعليم في عام 1969م وضع خطة سريعة للتوسع في القبول في مرحلتي التعليم الثانوي والأوسط للعام الدراسي 69/1970م وتم فتح 171 مدرسة وسطى  للبنين والبنات لم يرد تفصيلها على المستوى القومي، وأعلن عن سياسة التخطيط البعيد المدى وإدخال أنواع جديدة من أنواع التعليم كالإنتاج الحيواني والزراعي(37)، واستطاعت الوزارة أن تستوعب التلاميذ الحاصلين على 190 درجة حيث تم استيعاب 37546 تلميذاً وتلميذة مقابل 24.292 في العام الذي سبقه أي بزيادة بلغت 13.252 تلميذاً وتلميذة، وكان عدد التلاميذ لوحدهم قد بلغ 11480 تلميذاً.(38)
    الحدث البارز في مسيرة التعليم الأوسط من عام 1956م إلى عام 1970م هو تغيير السلم التعليمي في عام 1969م في مؤتمر التربية القومي الذي عقد في أكتوبر 1969م، وعلى حسب تقسيم السلم الجديد فإنّ التعليم الأوسط يمثل الشّق الأول من المرحلة الدراسية الثانية وتعرف بالثانوية العامة ومدة دراستها ثلاث سنوات ويلتحق بها التلاميذ بعد اجتياز امتحان في نهاية المرحلة الابتدائية، والدراسة في هذه المرحلة عبارة عن مواصلة لما درسه التلميذ في المرحلة الابتدائية وارتفاعاً بمستواه وإعداده للمرحلة القادمة، وأُدخل في هذه المرحلة الجانب العلمي كسابقة جديدة في التعليم العام، وتختلف هذه  المرحله في المستوى الأكاديمي عن المرحلة الابتدائية (39).
    قد ثار نقاش حول كيفية تقسيم القسم الثاني في التعليم العام قبل حسمه بتقسيمه إلى قسمين، ثلاث سنوات لكل قسم. حيث كان هنالك اقتراح بأن تقسم كالآتي:
1-     (5-1) خمس سنوات إلى سنة.
2-     (1-5) سنة إلى خمس سنوات.
3-     (4-2) أربع سنوات إلى سنتين أو العكس.
نجد أنّ كل هذه التقسيمات بها خلل واضح هو طول إحدى الفترتين عن الأخرى، وبدأ العمل بهذا السلم في العام الدراسي 70/1971م، وهناك حدث آخر شهده عام 1970م وهو انعقاد المؤتمر الثاني لوزراء التربية والتعليم لدول ميثاق طرابلس بالخرطوم في الفترة 12-15 ديسمبر(*) ومن الموضوعات التي ناقشها المؤتمرون، الأهداف العامة للمرحلتين الإعدادية (الثانوية العامة) والثانوية (الثانوية العليا) حيث جاء في قرارات المؤتمر: (تعتبر المرحلة الإعدادية امتداداً طبيعياً لمرحلة التعليم الإلزامي (أولى) من جهة، ومستهلاً للمرحلة التالية من جهة أخرى، ولذلك يجب أنّ تتصف نوعيتها بالصفات التي تتلاءم مع كل من المرحلة السابقة لها واللاحقة...).
وحدد المؤتمر أهداف هذه المرحلة كالآتي:
1-    مد التلاميذ بمزيد من المعارف العامة، لاسيما في اللغة الأجنبية والرياضيات والعلوم وذلك لإيجاد أساس ثقافي مشترك بين المواطنين في المشاعر والأفكار، تحقيقاً لروح المواطنة الرشيدة.
2-    الالتزام بالمعايير العلمية والضوابط الصحية عند وضع الخطط والمناهج الدراسية أو عند تطبيق أساليب التقييم، وذلك حتى يتسنى توفير الدراسات والوسائل اللازمة للكشف عن ميول التلاميذ وقدراتهم واستعداداتهم ومواهبهم، للاستفادة من ذلك في توجيههم في المرحلة التالية – إلى النوعيات والتخصصات التعليمية المناسبة.
3-    تهيئة التلاميذ لمواصلة الدراسة في المرحلة التالية سواء الدراسة الأكاديمية أو الفنية أوالمهنية، أوالمشاركة في الحياة العامة – بما يتطلبه ذلك من ممارسة التدريب المناسب بمختلف مصادره(40).
عندما طُبق السلم التعليمي الجديد (6-3-3) في العام الدراسي 70/1971م بلغ عدد المدارس الثانوية العامة في كل السودان بما في ذلك المديريات الجنوبية 297 مدرسة للأولاد فقط بها 42.999 طالب وهذه الإحصائية فقط للتعليم الحكومي.
وإذا ما نظرنا إلى التخطيط التعليمي والتعليم الأولي والأوسط نجد أنّ التخطيط التعليمي قد وجد اهتماماً كبيراً من قبل الحكومات التي تعاقبت على السلطة في البلاد يفوق الاهتمام الذي وجده في فترة الحكم الثنائي، وقد استعانت هذه الحكومات بمنظمة اليونسكو ذات الخبرة الكبيرة في هذا المجال، وإن كان هنالك عيب في التخطيط التعليمي في هذه الفترة فيتمثل في ضعف الميزانية المالية وعدم الاستقرار السياسي.
أمّا مرحلتي التعليم الأولي والأوسط فقد شهدتا توسعاً مطرداً طوال الفترة من 1956 إلى 1985م فاق فترة الحكم الثنائي بكثير.
تغيير السلم التعليمي من 6-3-3 إلى 8-3 :
مؤتمر سياسات التربية والتعليم 1990م :
وضع المؤتمر الخطوط العريضة للسياسة التعليمية الجديدة، والتي ضُمنت فلسفة وغايات التعليم، حيث أهتمت بمسألة ترسيخ العقيدة وتقوية روح الوحدة الوطنية في النفوس الناشئة وبناء مجتمع الاعتماد على النفس وتنمية القدرات والمهارات الفردية والحس البيئي.
مسألة تعميم التعليم:
أوصى المؤتمر بالآتي:
1.    تعميم التعليم في مرحلة الأساس لجميع الأطفال في سن التعليم بما فيها شريحة ذوي الاحتياجات الخاصة وفق خطة زمنية (1991 – 1994م).
2.    إصدار إعلان سياسي يؤكد التزام الدولة بتعميم التعليم الأساسي في المدى الزمني المحدد.
3.    التزام الدولة بمجانية التعليم في كل مراحل التعليم العام.
مسألة السلم التعليمي:
من أجل تحقيق ما ذكر، ولإطالة العمر الإنتاجي للمواطن وتخريج طلاب أكثر نضجاً ولخفض تكلفة التعليم العام أوصى المؤتمر بالآتي:
1.    مرحلة التعليم الأساسي وتمتد إلى ثماني سنوات ويبدأ الالتحاق بها في سن السادسة.
2.    مرحلة الثانوي متعددة المجالات موحدة الشهادة (أكاديمي، فني، ديني) تمتد لثلاث سنوات، واعتبار الشهادة الثانوية هي المعيار الذي تقاس عليه الشهادات الأخرى.
التعليم قبل المدرسي:
أوصى المؤتمر بالعمل على التوسع في مؤسسات التعليم قبل المدرسي مثل رياض الأطفال مع استخدام أنماط جديدة ونشرها في كل أنحاء السودان على أن يشرف على هذه المؤسسات مجلس للتنسيق وعلى وزارة التربية مسؤولية إعداد المنهج والتدريب وتُعد سن الرابعة هي بداية الدخول إليها.
المناهج الدراسية:
أوصى المؤتمر بإعادة صياغة مناهج التعليم العام وفق غايات تربوية، وأن يعاد النظر في منهج المواد المنفصلة وبناء منهج يقوم على خيارات تتكامل فيها المعرفة، وأوصى بإنشاء جهاز لتطوير المناهج، وقد أهتم المؤتمر في المناهج الجديدة بالآتي:
1.    أن يكون المنهج قومي يطبق في كل السودان.
2.    اعتبار اللغة العربية لغة التدريس مع الاهتمام بطرائق تدريسها وزيادة العناية بها في مناطق التداخل اللغوي.
3.    الاهتمام بالنشاط العملي في كل البرامج الدراسية.
تدريب المعلم: "الابتدائي والمتوسط":
أوصى المؤتمر برفع كفاءة المعلمين في مرحلتي التعليم الأساسي أكاديمياً ومهنياً، وذلك بتعيين خريجي الجامعات كل في مجال تخصصه خاصة خريجي كليات التربية.
      شهد العام 1991م تقديم مشروع قانون التعليم العام الذي تناول قضايا التعليم العام من بينها السلم التعليمي، حيث أصبح التعليم العام يتكون من ثلاث مراحل:
‌أ.    مرحلة التعليم قبل المدرسي لفترة عامين من سن الرابعة وحتى السادسة.
‌ب.    مرحلة التعليم الأساسي، وتكون مدة الدراسة ثماني سنوات، تبدأ من سن السادسة بدلاً عن السابعة، كما كان في السلم السابق.
‌ج.    مرحلة التعليم الثانوي، تكون مدة الدراسة ثلاث سنوات.
ونلاحظ هنا أنّه قد تم تقليص مدة الدراسة في التعليم العام إلى إحدى عشرة عاماً بدلاً من اثني عشر عاماً، المتفق عليها عالمياً، وهو خلل واضح في هذا السلم الجديد، أيضاً نجد أنّ مدة الدراسة في مرحلة الأساس طويلة (ثماني) سنوات، من ناحية تربوية غير سليم، وترتب على تطبيق هذا السلم الآتي:
1.    إلغاء امتحاني الشهادة الابتدائية.
2.    دمج المرحلة الابتدائية والمتوسطة في مرحلة الأساس.
3.    اعتماد التعليم قبل المدرسي (رياض الأطفال) كجزء من التعليم العام.
إيجابيات السلم التعليمي:
    كان الهدف الأساسي من تغيير السلم التعليمي حسب ما جاء في مؤتمر التربية والتعليم القومي 1990م أن يكون التعليم العام إلزاماً وللجميع، لذلك كانت رؤية إطالة مدة الدراسة إلى ثماني سنوات في مرحلة الأساس، وتعميم التعليم العام بإنشاء عدد كبير من المدارس في كل قرية أو حي حتى يشارك المنزل مع المدرسة في التربية وبذلك تم دمج مرحلتين في مرحلة واحدة وإلغاء امتحان الشهادة الابتدائية، وأصبح الانتقال تلقائياً داخل مرحلة الأساس، وإطالة هذه المرحلة يفيد للتلاميذ الذين يتوقفون عند هذه المرحلة، حيث يكون في سنة مناسبة ويخرج عن دائرة الأمية.
أمّا المرحلة الثانوية فقد ظلت كما هي عليه في السابق ثلاث سنوات ومع تغير في المناهج والأهداف، حيث تتعدد المواد الدراسية التي تعترف ببعضها مؤسسات التعليم العالي مما زاد فرص الطالب في الاختيار.
سلبيات السلم التعليمي الحالي:
1.    القصور في التخطيط.
2.    عدم الواقعية في الأفكار والتفكير النظري الذي لا يعطي تقديراً حقيقاً في الواقع.
3.    جاءت القرارات مرتجلة ولم تنفذ بصورة صحيحة.
4.    عدم مواكبتها لتطور الحياة السريع.
لذلك نجد أنّ هدف إطالة عمر التعليم الأساسي كان خصماً على عدد سنوات التعليم العام الاثني عشرة، ولم يحقق الهدف المنشود على الرغم من محاولة تعويض هذا العام بالتخلص من التكرار في المناهج وإطالة العام الدراسي.
كذلك الاعتراض على وجود أطفال في مراحل نمو مختلفة داخل مبنى واحد مما يسبب بعض المشكلات التربوية، وكان يجب أن يصاحب هذه التجربة الإعداد الصحيح والحقيقي لمقوماتها، مثل:
1.    تجهيز البيئة المدرسية.
2.    إعداد المعلم وتدريبهم.
3.    الإعداد المناسبة للطلاب في الفصل الواحد.
4.    لم تحدث زيادة حقيقية في عدد المدارس خاصة القطاع الحكومي وترك الأمر للمدارس الخاصة التي أنتشرت بصورة مخلة وهي تشكل عبء على المواطن وخصماً على التعليم الحكومي الذي هو الأساس.
     وعليه فإنّ مسألة مراجعة السلم التعليمي الحالي الذي لم يحقق الأهداف التي صمم من أجلها أمر ضروري، ويجب تعويض العام الذي حذف من التعليم العام، لأنّ أضافته تفيد كثيراً في مرحلة التعليم العام، وبرزت عدة أراء حول إضافة هذا العام، فهل يكون ذلك بإضافة فصل للمرحلة الثانوية؟ أم بإضافة عام للسنوات الثماني في مرحلة الأساس ثم تقسيم المرحلة إلى مرحلتين 6-3، وهذا الأمر يجب أن يترك للتربويين من ذوي الاختصاص والخبرة وأن لا يكون بقرار سياسي، كذلك يجب الاهتمام بإعداد المعلمين وتدريبهم على طرائق التدريس الحديثة، وإعداد بيئة مدرسية سليمة.
إنّ مسألة تعميم التعليم العام مازالت بعيدة المنال على الرغم من صدور قانون بذلك، كذلك نجد أنّ مسألة تمويل التعليم لا تجد العناية الكافية، حيث إنّ أكبر معضلة في مجال التعليم هي التمويل اللازم.
الخاتمة

     مما سبق نجد مسألة السلم التعليمي والتخطيط التربوي قد وجدت اهتماماً من الحكومة الاستعمارية والحكومات الوطنية المتعاقبة، فقد صمم المستعمر سلم تعليمي وفقاً لأهدافه ونجح في ذلك، وفي فترة مبكرة بعد الاستقلال اهتمّ الوطنيون السودانيون بأمر التعليم بصورة عامة والسلم التعليمي والتخطيط التربوي بصورة خاصة، حيث استقدموا الخبراء من أجل دراسة أوضاع التعليم في السودان ونتج عن تلك المحاولات تغيير السلم التعليمي وأهداف التعليم في السودان في سنة 1970م.
كذلك شهد العام 1990م ميلاد سلم تعليمي جديد في السودان (8-3)، وعلى الرغم من بعض إيجايباته إلا أنّه خلف العديد من المشكلات في عدد سنوات الدراسة والمناهج.
وتخلص الدراسة إلى أنّ مسالة التعليم يجب أن تترك لخبراء مختصيين في هذا المجال، وأنّ المعضلة الحقيقية في مسألة التعليم في بلد مثل السودان هى التمويل والصرف المالي على التعليم من أجل جودته.

المصادر والمراجع
(1)    دار الوثائق القومية، الخرطوم، تقارير مصلحية، 6/12/118، السلم المناسب للتعليم في السودان، مهدي الأمين، 1969م، صـ3.
(2)    المصدر السابق، صـ4.
(3)    وزارة التربية والتعليم، التوثيق التربوي، مجموعة الوثائق الخاصة بإستراتيجية التعليم في عهد مايو، صـ45.
(4)    أيمن كمال، الحكم العسكري الأولي 58-1964مرجع سابق، صـ333
(5)    ناصر السيد، تاريخ السياسة والتعليم في السودان، مرجع سابق، صـ213.
(6)    المرجع السابق، صـ217.
(7)    دار الوثائق القومية، الخرطوم، تقارير مصلحية 6/12/119، 1958م  
(8)    The first extract from the report of the Akrawit planning committee “The Aims of Education in the Sudan”.
(9)    ناصر السيد، تاريخ السياسة والتعليم في السودان، مرجع سابق، صـ216.
(10)    دار الوثائق القومية، الخرطوم، تقارير مصلحية، 6-17-190، موجز آراء الدكتور عبد الحميد الكاظم في التخطيط التربوي في السودان، إعداد: الأستاذ موسى عبد الغفار، صـ1.  
(11)    دار الوثائق القومية، الخرطوم، تقارير مصلحية، 6-17-190، موجز آراء الدكتور عبد الحميد الكاظم في التخطيط التربوي في السودان، إعداد: الأستاذ موسى عبد الغفار، صـ1.  
(12)    المصدر السابق، صـ2.   
(13)    دار الوثائق القومية، الخرطوم، تقارير مصلحية، 6-17-190، موجز آراء الدكتور عبد الحميد الكاظم في التخطيط التربوي في السودان، إعداد: الأستاذ موسى عبد الغفار، صـ1.  
(14)    المصدر السابق، صـ2.
(15)     المصدر السابق نفسه.
(16)     دار الوثائق القومية، الخرطوم، تقارير مصلحية، 6-17-190، موجز آراء الدكتور عبد الحميد الكاظم في التخطيط التربوي في السودان، إعداد: الأستاذ موسى عبد الغفار، صـ3.
(17)     دار الوثائق القومية، الخرطوم، تقارير مصلحية، 6/12/118، السلم التعليمي المناسب في السودان، مهدي الأمين، 1969م، صـ10.
(18)    المصدر السابق.
(19)    دار الوثائق القومية، الخرطوم، تقارير مصلحية، 6/12/118، السلم التعليمي المناسب في السودان، مهدي الأمين، 1969م، صـ10.  
(20)     المصدر السابق، صـ12.
(21)     دار الوثائق القومية، الخرطوم، تقارير مصلحية، 6/12/118، السلم التعليمي المناسب في السودان، مهدي الأمين، 1969م، صـ12.  
(22)     المصدر السابق، صـ15.
(23)     دار الوثائق القومية، الخرطوم، تقارير مصلحية، 6/14/147، السلم التعليمي المقترح للتعليم العام في السودان (6-3-3) وميزانيته وواقعيته، صـ2.
(24)    المصدر السابق، صـ8.
(25)    وزارة التربية والتعليم، مركز الإحصاء التربوي، الإحصاء التربوي لعام 68/1969م، صـ17.
(26)    وزارة التربية والتعليم، مركز التوثيق التربوي، مجموعة الوثائق الخاصة بإستراتيجية التعليم في العهد المايوي 1969م.  
(27)    وزارة التربية والتعليم، مركز الإحصاء التربوي، الإحصاء التربوي لعام 70/1971م.  
(28)     زيادة أرباب، التعليم في العهد الوطني، مصدر سابق، صـ43.  
(29)    زيادة أرباب، التعليم في العهد الوطني، مصدر سابق، صـ45.
(30)    دار الوثائق القومية، الخرطوم، تربية وتعليم، 82/21/1، المدارس الأولية والوسطى في مشروع التوسع لعام 63/1964م.  
(31)    وزارة التربية والتعليم، مركز الإحصاء التربوي، الإحصاء التربوي لعام 1969م.  
(32)    وزارة التربية والتعليم، مركز الإحصاء التربوي، الإحصاء التربوي لعام 1969م.  
(33)    دار الوثائق القومية ، صحيفة الصحافة، دار الصحاف، الخرطوم، عدد رقم 1975 ، 5/ اغسطس 1969م
(34)    دار الوثائق القومية، مركز التوثيق التربوي، خطة التوسع في التعليم الثانوي والأوسط للعام الدراسي 1969/1970م، د. محي الدين صابر وزير التربية، صـ2.
(35)    دار الوثائق القومية، الخرطوم، تقارير مصلحية، 147-14-6، السلم المقترح للتعليم العام في السودان (6-3-3) ميزانيته وواقعيته، صـ2.
(36)    وزارة التربية والتعليم، مركز التوثيق التربوي، مؤتمر وزراء التربية والتعليم لدول ميثاق طرابلس، الخرطوم 1970م، التقرير النهائي.
(37)    جمهورية السودان، وزارة التربية والتعليم، مشروع قانون تنظيم التعليم العام لسنة 1991م.
(38)    التقرير الوطني، تطور التعليم في السودان، المركز العالمي للتعليم جنيف، 2008، ص 12.
(39)    مؤتمر سياسات التربية والتعليم، التقرير الختامي، الخرطوم، 1990م
(40)    فوزية طه مهدي، السلم التعليمي في السودان (نظرة تقويمية)، مؤتمر التعليم العام وتحديات القرن 21، الخرطوم، 2004م.

 

 

 

أضف تعليقاً

0 تعليقات