مختصر لسير بعض ملوك سلطنة الفونج 1504 – 1821م

السادس عشر من شهر مايو عام 2018م



 

د. محمد آدم عبدالرحمن حامد

مستخلص:

        تهدف هذه الورقة لدراسة نماذج من ملوك الفونج، وذلك حسب الأهمية التاريخية، والأعمال التي قام بها الملك المعني ودورها في تاريخ مملكة الفونج، كما تهدف هذه الدراسة إلى التوثيق لهولاء الملوك، وإبراز دورهم العظيم في تاريخ السودان بصورة عامة، تناولت الدراسة كل ملكٍ على حدىً، وتوثيق فترة حكمه، وأهم الأحداث التي جرت في عهده مع التطرق لإنجازاته الإدارية، والسياسية، والعسكرية، ودورها في تطوير مملكة الفونج الإسلامية، وتدلف الورقة إلى جانب أخر في حياة هولاء الملوك، وهو دورهم في رفد مسيرة الحياة العلمية في السلطنة، حيث أن هنالك عدد كبير من هولاء الملوك له إسهامات عظيمة في مجال العلم وتشجيع العلماء من خارج السلطنة، وبل امتد عطائهم لعماء خارج حدود مملكتهم، وتتناول الدراسة موضوع العلاقات الخارجية للسلطنة في فترات بعض الملوك التي كانت تمثل حدثاً تاريخياً مهماً بالنسبة لا يمكن تجاوزه،  وفد تمت طريقة اختيار الملوك حسب أعمالهم ونتائجها التي ترتبت على الأثر الذي تركته في التاريخ.

اتبعت الدراسة المنهج التاريخي التوثيقي، وذلك من خلال جمع أعمال الملوك المذكورين من مصادرها، والتوثيق لها في شكل دراسة تاريخية.

 خلُصت الدراسة إلى عدد من النتائج أهمها؛ أن ملوك الفونج كانوا من الملوك العظماء في التاريخ الإنساني في الفترة التي عاشوا وحكموا فيها، كان هنالك أثر خارجي لبعض ملوك الفونج في تاريخ بعض البلدان المجاورة لهم، وهذا بدوره يقودنا إلى أن مملكة الفونج لم تكن معزولة عن العالم الخارجي من حولها. ومن النتائج المهمة التي توصلت لها الدراسة أن ملوك الفونج كانت لهم أفكار وسياسات لعبت دوراً بارزاً في تاريخ السودان. وتوصي الدراسة بضرورة إلقاء مزيداً من الضوء على تاريخ ملوك الفونج، كما توصي أيضاً بأهمية تنقيح المصادر العربية التي تحدث عن تاريخ الفونج.

مقـدمة

الملك عمارة دونقس

الملك بادي أبو شلوخ

نماذج لبعض ملوك الفونج

الخاتمة

النتائج والتوصيات

المصادر والمراجع

 

مقـدمة:

        إن تاريخ ملوك الفونج حافل بالبذل والعطاء، وملئ بالأحداث التاريخية الجديرة بالدراسة والتمحيص، فهنالك ملوك يستحقون تأليف سفر خاص بهم وبأعمالهم الجليلة التي قاموا بها، ولمعرفة تاريخ الفونج لابد من دراسة تاريخ ملوكهم أولاً، فهولاء الملوك كان لكل واحدٍ منهم ميزاته الخاصة، كما كان له طرائقه المختلفة عن سلفه في إدارة شؤون البلاد والعباد، فقد تفاوتت أهمية كل ملك عن الأخر وذلك بحسب أهمية الأعمال التي قام بها.

  ونلاحظ اختلاف طبيعة كل ملك عن الأخر في كثير من المجالات، ولعل الدارس لتاريخ ملوك الفونج يكاد يجزم أن لكل ملك سياسة مغايرة تماماً للملك الذي سبقه على الحكم،  فكانت عهودهم زاهية بما قدموه من جليل أعمال لصالح مملكتهم. غير أن ما يميز ملوك الفونج عن غيرهم أنهم أحبوا العلم والعلماء وشجعوهم على القدوم إلى مملكتهم، وأجزلوا لهم العطاء، فكان نتيجة هذا كله نهضة علميه واسعة عمت أرجاء المملكة حتى غدت في بعض الأوقات منارة للعلم، وما ظهور الطرق الصوفية إلا خير شاهد ودليل على الحركة العلمية التي اجتاحت أراضي السلطنة، مع العلم أن ملوك الفونج اتسموا بصفة حميدة لازمت سيرهم حتى أخر عمرهم، وهي صفة الأخلاق الحميدة والأدب الذي كان كالقلادة يزين جبينهم. سوف نبدأ الدراسة بأهم ملك في تاريخ مملكة الفونج، وهو الملك عمارة دونقس، ويصوغ الاهتمام به أنه مؤسس المملكة وواضع عاصمتها في سنار، وهو الرجل الأول في تاريخ الفونج.

 

الملك عمارة دونقس: 910 – 940 هـ :1504 – 1534م:

        هو عمارة الأول (دونقوس) بن عدلان، أول من اشتهر من سلاطين مملكة الفونج بسنار، والتي يرجع قيامها في عام 910هـ : 1504م.[1] يقال أن اسم دونقوس هذا مأخوذ من اللغة الأمهرية ومعناه الملك.[2] وقد لُقِبَ هذا الملك بلقب، ملك الشمس والظل، أي ملك الليل والنهار، والشمال والجنوب، والبيض والسود، والفونج والعوام، والأشياء الظاهرة والبطانة، والخاص والعام، والإسلامية وغير الإسلامية.[3] ويعتبر هذا الملك هو مؤسس مملكة الفونج 1504 – 1821م، وهي أول مملكة إسلامية نشأت في السودان، ويعنبره المؤرخون أيضاً مؤسس مدينة سنار التي أصبحت عاصمة المملكة فيما بعد. [4] عرف عن  عمارة دونقس  أنه كان معلماً للقران وعلوم الشريعة المسيرة في ذلك الزمان مما جعل الناس يجتمعون حوله حتى ضاق بهم المكان، ثم انتقل إلى منطقة جبل موية غربي سنار. [5] وربما كان هذا هو السبب في رحيله إلى سنار واتخاذها عاصمة له.

الملك بادي أبو شلوخ 1130-1136هـ : 1718-1724م:

        هو الملك بادي  بن الملك نول، المعروف بأبي شلوخ وهو أشهر ملوك سنار، وقد امتاز بالشهرة لحربه مع الحبشة وانتصاره على ملكها ياسو. [31] وقد ذكر كاتب الشونة أنه كان صغيراً في أول عهده، فكان يعينه على أمور الحكم الوزير دوكه وقد كان رجلاً عاقلاً عادلاً، ولما مات استقل الملك بادي بالحكم وعمل على تصفية خصومه، واستعانة بمجموعة تسمى الآنواب، وأعطاهم دارأهل الأصول ولم يوقفه من تصفياته تلك سوى الحرب الحبشية على بلاده والتي سرعان ما عاد إلى بطشه بعد انتصاره فيها وقتل وعزل من رجال الدولة الكثيرين.[32]

        بعد انتصاره على الأحباش قويت شوكته وطمعت نفسه في مد حدود مملكته غرباً، فأرسل جيشاً ليفتح كردفان وولى عليه ود تومه ومعه الشيخ عبد الله ود عجيب شيخ قري وأخوه تمام والشيخ محمد أبو لكيلك كبير جماعة الهمج، وكان على كردفان طائفة المسبعات أقرباء سلاطين الفور فالتقوا في معركة انهزم فيها جيش الفونج وقُتِلَ قائدهم ود تومة والشيخ عبد الله ود عجيب، وهنا تظهر شخصية الشيخ أبو لكيلك الذي جمع العساكر وأعاد الكرة على المسبعات، وبعد أن سمع الملك بما قام به أبو لكيلك عينه قائداً عاماً على الجيش في مكان ود تومة الذي قُتِل، تمكن الشيخ أبو لكيلك من هزيمة السمبعات بعد حربٍ طويلةٍ وشرسة وأخرجهم من كردفان وكان ذلك سنة 1174هـ:1761م، ثم أخلاها للمسبعات وعاد إلى سنار لعزل الملك بادي، وسبب ذلك أن الملك بادي كان له وزير صاحب عزم وتدبير وهو الذي قام بتدبير المملكة وأكسبها تلك الشُهرة، فمات الوزير واستبد الملك بادي برأيه فغير كثيراً من النظم والقوانين، واستعان بالنوبةِ الذين أتى بهم من جبال كردفان، فجعلهم رؤساء بدلاً من رؤساء البلاد أصحاب الرتب القديمة.[33]

        هذه الأعمال التي قام بها المبك بادي أوقرت نفوس أصحابه عليه، حيث أنه تمادى في استبداده وفي سنة 1170هـ قتل الخطيب عبد اللطيف البغدادي من مشاهير علماء السودان. ولم يقتصر الاستبداد على الملك بادي فقط بل تعداه إلى أولاده الذين تطاولوا على الرعية وبغوا وأفسدوا ولم ينههم فنفرت منه قلوب الرعية، وكان مع الشيخ محمد أبي لكيلك في كردفان جماعة من أكابر الفونج فأساء الملك إلى أتباعهم في سنار فاغتاظوت منه واتفقوا مع الشيخ محمد أبي لكيلك على عزله وتولية ابنه ناصر في مكانه فخرجوا من كردفان وعبروا النيل الأبيض ونزلوا بأليس (الكوة حالياً)، فأرسلوا إلى ناصر وأخبروه بنفور قلوب الناس من أبيه وعزمهم على توليته ملكاً عوضاً عنه فخرج من سنار متنكراً واجتمع بالشيخ محمد أبو لكيلك وأكابر الفونج في أليس فأخذوا عليه العهود والمواثيق وساروا به قاصدين سنار ثم أرسلوا إلى الملك بادي أبو شلوخ، يقولون له: إن خرجت فلك الأمان فخرج في قلةٍ وذلةٍ واجتاز البحر وذهب إلى سواكن ومات فيها وكانت مدة حكمه تسعة وثلاثون سنة.[34]

يعتبر الملك بادي أبو شلوخ هو أخر من تمتع بعز الملك من ملوك الفونج، فإنهم من بعد ذلك صاروا يتولونه رسماً لا حقيقةً وأصبحت السلطة الحقيقية وتولية ملوك الفونج وعزلهم بيد وزرائهم الهمج الذين أوّلهم الشيخ محمد أبو لكيلك المتقدم الذكر.[35]

      يبدو أنه من هنا يبدأ العهد المظلم في تاريخ الفونج، ولعل السبب واضح وهو تدخل الوزراء الهمج في شؤون البلاط الملكي وتسلطهم لدرجة أنهم أصبحوا أصحاب القرار في تعيين وعزل ملوك الفونج، وبذلك يصبح منصب الملك الذي كان يعتبر منصباً له هالة من العظمة والجلال، أصبح منصباً هيناً يناله من الرجال ما لا يستحقه، بعد أن شغله رجالاً كانوا مثالاً للقوة والعدل وحسن التدبير، وبما أن منصب الملك كان يمثل رمز المملكة فإنه بعد أن وصل إليه من لا يستحقه، وبالضرورة كان لهذا التدبير الجديد أثراً سلبياً على تاريخ مملكة الفونج التي دخلت في حقبة مظلمة بعد عهد الملك بادي أبو شلوخ.

 

نماذج لبعض ملوك الفونج

الملك عبد الله جماع:

        هو عبد الله ولد فرج ولد أحمد ولد حمد ولد الأمير رافع ولد الأمير رافع، الشهير بعبد الله جماع أو القرين، وفي مدة ملكه تفكك بنو جعل واختلفت كلمتهم، وتولى قيادة قبائل قحطان بعد وفاة الأمير حيد ابن الأمير أحمد. فلما رأى تفكك بني جعل واختلاف كلمتهم وحرب بعضهم البعض طمع في أن يستولي على كل البلاد فأخذ يغير على ممالك بني جعل ولما لم يتسنى له الظفر وأوقد نار الحرب والعداوة وخشي أن يجتمعوا عليه أخذ جماعة من قومه وتوجه إلى جبال الفونج، وهناك اجتمع بالأمير عمارة دونقوس، وتحالفا على أن يكون الملك للأمير عمارة دونقوس ولد الأمير عدلان ولقومه من بعده، وأن يكون لعبد الله قرين (جماع)، قيادة الخيل وجباية الأموال ولولده من بعده. فطابت نفس الأمير عمارة دونقوس.[6]

ويأتي عمارة دونقس في رأس سلسلة ملوك الفونج. [7] ووصفه الرحالة اليهودي داؤود روبيني الذي زار مملكة الفونج في القرن السادس عشر الميلادي، بأنه أسود البشرة ويحكم أمة من البيض والسود. [8] لعب هذا الملك دوراً رئيساً في ظهور مملكة الفونج الإسلامية في السودان، وقد برز بصورة لافت للنظر بعد تحالفه مع العبدلاب، فيما يعرف بالحلف الفونجاوي العبدلابي والذي بموجبه اتحد الفونج بزعامة عمارة دونقس مع العبدلاب بقيادة عبد الله جماع، زعيم عرب القواسمة، وأسقطوا أخر مملكة مسيحية في السودان وهي مملكة علوة، وأقاموا على أنقاضها مملكة الفونج التي اشتركوا في حكمها.[9]

        من خلال ما ذكر سابقاً اعتبر المؤرخين الملك عمارة دونقوس هو مؤسس مملكة الفونج الإسلامية في السودان، ومن هنا تنبع أهمية هذا السطان في تاريخ السودان الوسيط، غير أن المعلومات عن فترة حكمه شحيحة، حيث أن المصادر التي تناولت سيرته لم تذكر الكثير عن نظم الإدراة التي كان يتبعها هذا الملك في تصريف شؤون مملكته. وقد خلف عمارة دونقس ثلاث ملوك لم تذكر عنهم المصادر شيءً مهماً . [10]

 

الملك دكين بن نائل المُلقب بالعادل 970 – 985هـ : 1563 – 1578م:

        هو دكين ابن نائل ابن عمارة ابن عدلان . [11]قيل لٌقِبَ بالعالدل لأنه كان محباً للعدل، ومن أهم أعماله أنه رتب دواووين حكومته أحسن ترتيب، ونظم البلاد فأقام على جهة رئيساً، وضرب عليه جعلاً معلوماً (ضريبة)، وجعل دخول الرؤوساء عليه حسب رتبهم الأعلى فالأعلى.[12]

يعتبر الملك دكين ابن نائل من أوائل الملوك الذين اهتموا بأمر الشؤون الإدارية وتطويرها في مملكة الفونج، ولعل ما قام به من تدابير إدارية لتحسن مستوى دواووين حكومته خير دليل، حيث قسم المملكة إلى أقاليم وجعل على رأس الإدارة في كل إقليم حاكم أطلق عليه لقب رئيس، وفرض عليه رسوم أو ضريبة محددة عليه سدادها لخزينة لدولة، وحتى لا تكون عملية مقابلة الملك أمراً عشوائياً قام بتنظيمها وجعل الدخول عليه للأعلى رتبة أولاً ثم يليه من هو بعده.

        بلغت سنين حكم هذا الملك خمسة عشر عاماً، وقد عُرف أيضاً بلقب ملك العادة [13] لأنه رتب الدواوين ونظم شؤون دولته، وظلت هذه التدابير معمول بها في مملكة الفونج حتى وفاة الملك دكين في سنة 985هـ.[14] لعل هذا التدبير يشير إلى تركيز نظام تولية العرش في الأقاليم بطريقة رسمية هي التي سار عليها العهد فيما بعد. [15]

يمكننا القول بأن الملك دكين ابن نائل هو من وضع نظام مشايخ أو حكام الأقاليم، الذي اعتمدت عليه الإدارة الملكية في مملكة الفونج الإسلامية، والذي استطاع سلاطين الفونج من خلاله إحكام قبضتهم على الأقاليم التي كانت تتبع لهم إدارياً، وبذلك نستطيع أن نقول بان الملك دكين هو المشرع الإداري للسلطنة.

 

الملك عدلان: 1013 – 1020هـ : 1605 – 16012م:

        تولى السلطة بعد الملك سنة 1605م، وقد شهد عهد هذا الملك حدثاً تاريخياً مهماً كان له كبير الأثر في تاريخ مملكة الفونج، وشركائهم العبدلاب. تقول المصادر أن عهد الملك عدلان شهد خروج الشيخ عجيب شيخ قري على طاعة الملك عدلان ودارت بينهما معركة بالقرب من منطقة العيلفون جنوب الخرطوم، فقُتل الشيخ عجيب وهرب أولاده إلى مدينة دنقلة، فأرسل لهم الملك عدلان أماناً مع الشيخ إدريس الأرباب فرجعوا معه إلى الملك عدلان الذي أكرمهم وولاهم مشيخة قري. [16]

        تعود تفاصيل هذه الحرب إلى أن المانجل الشيخ عجيب جاء إلى الشيخ إدريس ود الأرباب، يستشيره قائلاً إن الملك أونسة أفسد البلاد وغير معالم الشرع ونصحته فلم يقبل بل استخف بي ولذلك سأخرج عليه. فقال له الشيخ إدريس:( الرجل أيامه مقبلة ويقتلك. فقال  معي الرجال والخيل ومطالب بإزالة المفاسد، فأعلن الشيخ عجيب العصيان فقاد الملك أونسة ابن الملك طبل جيشه كثير العدد والعدة ونزل العيلفون والشيخ عجيب بحلفاية الملوك، ودارت الحرب بينهما والتي استمرت ثلاثة أشهرحتى توفي الشيخ عجيب، وتفرق أولاده.[17] وفي هذا الحدث دليل على أن العلاقات بين الشركاء في حكم مملكة الفونج لم تكن على ما يرام في بعض الأوقات، لكن تعامل الملك عدلان مع أولاد الشيخ عجيب يعكس مدى تسامحه، وهنا لابد من الإشارة إلى الدور الذي لعبه الشيخ إدريس ود الأرباب من وساطة بين الطرفين، حيث يدل هذا العمل على مكانة رجال الطرق الصوفية عند ملوك الفونج. وقد شهد عهد هذا الملك أيضاً وصول الشيخ خليل المالكي إلى مملكة الفونج فنفع الله به خلقاً كثيراً، كما قَدِمَ أيضاً في عهده الشيخ التلمساني قادماً من المغرب، ومن أشهر العلماء الذين وفدوا إلى مملكة الفونج في عهد الملك عدلان، هو الشيخ محمود العركي الذي جاء من مصر وعلم الناس بعض أركان الشريعة وبنى له رباطاً على البحر الأبيض بين أليس (الكوة حالياً) والحسانية به قبره حتى الأن. [18]

        بعد انتهاء الحرب بين الفونج وشركائهم العبدلاب، اضطربت الأحوال على الملك أونسة وامتنع العرب من أداء الوظيفة، فجاء إلى الشيخ إدريس ود الأرباب وحلف له إذا أمن الأمير العجيل ابن الشيخ عجيب وأحضره أنه سوف ينزله منزلة أسلافه ويكون في مقام أبيه، فسار الشيخ إدريس إلى دنقله وأحضر العجيل فاجتمع مع الملك أونسه وحلف كل منهما لصاحبه اليمين بأنه ينزل منزلة أسلافه، وتم الاتفاق وذلك سنة 978هـ وأصبح كل من الملك أونسه والشيخ العجيل يخشى صاحبه ولا يأمنه حتى توفي الملك أونسه.[19]

        من الملاحظ أن عهد الملك عدلان قد اشتهر بقدوم العلماء إلى مملكة الفونج، ولعل هذا الأمر يشير إلى أن هذا الملك كان من الملوم المكرمين للعلماء، وربما شهد عهده نهضة علمية كبيرة وذلك مقارنة بعدد العلماء الذين دخلوا المملكة حينها، لأن كل من هولاء العلماء كان له تأثيره الواضح في نفوس أهل المملكة. غير أن حربه مع الشيخ عجيب تظل علامة بارزة تميزه.

 

الملك بادي أبو دقن 1052 – 1088هـ : 1643 – 1678م:

        اشتهر هذا الملك بالشجاعة والكرم والهمة العالية، ويقال أن عرض صدره ثلاثة أشبار، وهو من قاتل الشلك وهربهم وأسرهم ثم سار إلى تقلي من بعد ظفره بهم. [20] وشهدت سنار في عهده طفرة إدارية، إذ عمل على إظهار أُبُهة السلطة عليها، وذلك ببناءِهِ قصر الحكومة والذي جعله من خمس طوابق، ثم بنى مخازن للأسلحة والذخائر وعمل على تشييد ديوان الحكومة، وبنى ديوانيين أحدهما خارج القصر وأحاط ذلك كله بسورً له تسعة أبواب جعل ثمانية منها لأُمراء دولته وكل منهم يدخل إلى ديوانه الخاص للنظر في الشؤون المتعلقة به وجعل التاسع خاصاً له ولولد عجيب شيخ قري، ثم جعل كل هذه الأبواب تفتح في حائط واحد مستقيم وأمام هذه الأبواب صالة لها عمودان وجعل تحتها دكة عالية تعرف ب "دكة من ناداك".[21] وهي مسطبة بنيت في الميدان المجاور للقصر تحت سقيفة عالية أمام سور الدواوين، ورفعت بأعمدة من الجبص، ليلجأ إليها المظلوم أو صاحب الحاجة ومن فوقها يصيح بشكواه. وفي إنشاءها وقرب موقعها من تلك الدواوين ما يدل على قُرب الصلة بين الحاكم والمحكوم ويعبر عن قدر من الشفافية لدى حكام الفونج وهو ضرب من ضروب المدينة وتطور نظام الحكم في سلطنة الفونج، وقد ظلت هذه الدكة قائمة حتى مطلع الحكم التركي 1821م. [22]  وقد عرف عن هذا الملك حبه وتعظيمه للعلماء واكرامه لهم داخل المملكة وخارجها، حتى أن عطاءه كان يصل إلى علماء الأزهر في مصر الذين مدحوه بالقصائد الطوال.[23] كان الملك بادي عفيفاً، وكان خبيره أحمد علوان هو حلقة الوصل بينه وبين علماء الأزهر فكان يرسل لهم الهدايا عبره حتى مدحه الشيخ عمر المغربي.[24]

        إذا كنا قد لقبنا الملك عدلان بالمشرع نسبة للتشريعات الإدارية التي سناها، فهنا يجدر بنا أن نطلق على الملك بادي أبو دقن لقب المشيد وذلك نسبة لتشييده هذا العدد الكبير من الصروح المعمارية داخل أراضي العاصمة سنار، ويمكن أن نستنتج من خلال ما ذكر وتحدياً دكة من داك، أن هذا الملك كان يهتم كثراً بشأن رعيته لدرجة أنه خصص لهم مكاناً محدداً لصياح بشكواهم حتى يستمع إليها أصحاب الشأن في المملكة، وهي تمثل نظاماً أو تقليداً شفافاً انتهجهة الملك بادي أبو دقن للسماع إلى شكاوى رعاياه.

        غير أن عهد الملك أبو دقن لم يخلو من حوادث عكرت صفوه، وتمثلت في ثلاث حروباتٍ داخليةٍ خاضها كانت أولاها مع الشلك، والثانية مع الشايقية، والثالثة مع تقلي، كانت نتائجها خروج الملك بادي أبو دقن منتصراً.[25]  وبالمقابل نجده قد أحرز تقدماً ملوحظاً في علاقاته الخارجية، حيث شهد عهده تطوراً كبيراً في علاقات المملكة الخارجية كان السبب فيها التسامح الديني الذي اتسم به عهد السلطان أبو دقن تجاه أصحاب الديانات غير المسلمة، ويشهد على ذلك التسامح النشاط التبشيري الذي قامت به البعثات التبشيرية من الفرسكان، بدعم مادي من روما، ومن جماعات الجزوين ومن ورائهم الملك لويس الرابع عشر وذلك في محاولة منه لبسط نفوذهم في الحبشة وفتح أسواق تجارية جديدة عبر أراضي مملكة سنار.[26]

 

الملك بادي الثالث ابن أونسة (بادي الأحمر)  1100 – 1127هـ : 1689 – 1715م:

        هو الملك بادي الثالث بن أونسة الثاني بن بادي بن ناصر الأحمر، وقد خرج أهله من الفونج عن طاعته ونصره الشيخ أرداب ولد عجيب شيخ قري فأقاموا عليهم ملكاً اسمه أوكل وجمعوا لمحاربته نحو ألف فارس ولم يكن مع الملك بادي إلا خمسة وأربعون فارساً فقاتلهم ونصره الله عليهم، فقتل الشيخ أرداب وطرد الباقين إلى محلٍ يقال له العطشان ورجع سالماً ومنصوراً، وفي أيامه ظهر الشيخ الولي الشيخ حمد ولد الترابي من عرب رفاعة الهوى فاشتهر في السودان بالصلاح والتقوى ودُفن في جزيرة سنار بين الكاملين ومسجد ود عيسى وبُنيّ فوق قبره قبة تزار إلى اليوم.[27]

        هنالك حدث فريد في نوعه حدث في عهد هذا الملك وهو، أن احد مشائخ الصوفيىة قد ادعى المهدية وهو في الحجاز وأرسل رسوله إلى سنار ليعلن ظهوره فيها إلا أن الملك بادي قام بقتل هذا المبعوث إطفاءً لنار الفتنة.[28] ومن الأحداث المهمة في عهده أيضاً قتله أفراد بعثة القنصل الفرنسي بمصر ديماليت، وتعو التفاصيل إلى أن هذا القنصل قد أرسل بعثة تبشيرية للجزويت بالحبشة عن طريق سنار في يونيو 1704م، وقد وصلت هذه البعثة إلى سنار في يوليو 1705م محددة أهدافها في التبشير الديني وقصره على الجزويت في الحبشة، ثم إقامة علاقات تجارية بين فرنسا والحبشة وفتح أسواق جديدة لتصريف منتجات فرنسا ثم التجسس لجمع معلومات عسكرية، وعندما وصلت هذه البعثة إلى سنار قابلها الملك بالترحاب وتسلم الهدايا التي بعث بها إليه ملك فرنسا، لكن الفرسسكان قاموا بنشر إشاعة مفادها أن الجزويت يسعون لتحويل مجرى النيل الأزرق عن سنار، وتعليم الأحباش صناعة الحرب وإمدادهم بالمدافع، فسرعان ما لحق بهم الملك بادي، وقتلهم واستعاد منهم الهدايا.[29]

 

الملك أونسه الثالث 1127-1130هـ : 1715-1718م:

        هذا الملك يعتبر من الملوك القلائل الذين انشغلوا باللهو في تاريخ ملوك الفونج، حيث اشتهر باللعب وارتكاب الفحشاء حتى بلغت أخبار الفونج بالصعيد  وهم جنود (لولو) فصمموا على عزله لأنهم هم الذين يعزلون ويولون من يريدون من الملوك فجاؤوا إلى (حلال الكبوش) وهي منطقة قرب سنار وعينوا ملكاً، وأرسلوا للمك أنسه قائلين إن قتلت وزيرك نقرّك على الملك ولا نعترض لك فاغتر بكلامهم وقتل من وزيره بعد تردد ثم أرسل لهم الخطيب وبعض عمد سنار ليوفوا له بشرطهم فلم يسمعوا له بل لم يزالوا مصممين على عزله فلما يئس منهم استأمنهم على نفسه وعائلته فأمنوه وخرج من محل الملك ولوا بدلاً منه الملك نول وذلك في سنة 1130هـ 1718م، وكان هو آخر ملك ينولى الحكم من نسل الملك المؤسس للملكة عمارة دونقس.[30]

        لم يشهد تاريخ ملوك الفونج مثل هذا النوع من الملوك، ويعتبر الفريد من نوعه، والمعروف عن ملوك الفونج بصورة عامة الجدية والحماس في شؤون إدارة المملكة، ومعروف عنهم أيضاً حبهم للعلم وتشجيعهم للعلماء، وكانت جُل أفكارهم تصب لمصلحة دولتهم ورعيتهم في سائر أنحاء المملكة ولم يشهد لأحدٍ منهم قط بالفساد أو عدم الإنضباط، وبالرجوع إلى الملك أنسه الثالث نجد أن عهده كان علامة سوداء في سجل ملوك الفونج الناصع البياض والملئ بالإنجازات على مختلف الأصعدة، وربما يعود سبب فساد هذا الملك إلى إفتتناه بالمك، وربما ضعف الوازع الديني.

 

الملك ناصر 1175-1182هـ : 1762-1769م:

        هو الملك ناصر ابن الملك بادي أبو شلوخ، تولى الحكم بعد عزل أبيه وحكم سبعة سنين، ومن خلال ما تقدم ذكره نجد أن الشيخ محمد أبو لكيلك زعيم الهمج كان سبباً في تولية الملك ناصر بدلاً عن أبيه، لكن سرعان ما تبدلت الأحوال وقام الشيخ محمد أبو لكيلك بإنقلاب ضد الملك ناصر ونفيه إلى حلة البقرة بالقرب من سنار، فأخذ يسعى بالعودة إلى كرسي المُلك والفتك بالشيخ محمد أبو لكيلك، لكن أبو لكيلك أرسل له ابن أخيه بادي ابن رجب بجانب من عساكره فدخلوا عليه في منزله وقتلوه، وكان المصحف الشريف عن يمينه والموطأ (وهو كتاب للإمام مالك) عن شماله، لأنه كان من أهل العلم .[36]

هذه الحادثة تؤكد ما ذهبنا إليه من افتراض بأن العهد التالي لعهد السلطان بادي أبو شلوخ يؤرخ لبداية النهاية لمملكة الفونج، وهنا يتضح بصورةٍ جليةٍ الدور السلبي الذي لعبه وزراء الهمج في تدهور أحوال مملك الفونج ومن ثم نهايتها على يد الجيش التركي الغازي فيما بعد. وأيضاً يمكننا استنتاج أن الملك ناصر كان ضعيفاً، وذلك ربما يعود إلى عدم درايته الكافية بشؤون مملكته، وعدم معرفته بالتعامل مع الهمج الذين كانوا يشكلون خطراً داهماً على المملكة، هذا مع الأخذ في الاعتبار قبوله لكي يخلف والده في حالة عزله من الشيخ أبو لكيلك وفي هذا الأمر مسلك خاطئ حيث لا يجوز خيانة الوالد في مثل هذه الظروف لأنه ليس هنالك ضمان يؤكد عدم ممارسة مثل هذا الأمر معه من قبل أبو لكيلك.

 

الملك إسماعيل 1182-1191هـ : 1769-1778م:

        كان السلطان إسماعيل رجل دين عادل أزال المظالم وأحسن إلى الفقراء والفقهاء وقد كان حظه سيئاً إذ حدثت في عهده مجاعة شديدة في عام 1182هـ، ثم أعقبها زيادة شديدة في النيل 1185هـ[37]  الا انه كان واقعا تحت نفوذ وزيره الشيخ عدلان مما جعله العوبه في يده [38] وساهم في ذلك ان فقد ركائز من زعماء سلطنته مثل عدلان ود صباحى شيخ خشم البحر وكذلك توفى الوزير محمد ابو لكيلك وكان هذا حافزا لأن يجتمع الفونج عليه لعزله من السلطه للتخلص من سطوة الهمج من هذا الثورة عزل الشيخ بادى ونفاه الى سواكن وولى بدلا عنه عدلان[39] .

 

الملك عدلان الثاني 1191-1203هـ :1778-1789م:

        شهد عهد السلطان عدلان ذروة طغيان الهمج وعلوا شأنهم حتي إن مقاليد السلطة كانت بيد الوزير الشيخ بادى الذى قاد العديد من المعارك ضد قبائل الشكرية فى منطقة البطانة كما ادخل جيوش الشيخ عجيب ود عبدالله وعيساوى والشيخ قندلاوى إلى التاكا لمحاربه الحلنقه فكان فى ذلك مقتله . كما شهد عهده أول قتال بين الهمج كان سببه كما ذكر أحمد بن الحاج ابو على ضرب ناصر لأبن أخيه الشيخ محمد أبى لكيلك ضربا مبرحا لذنب أتاه وعد اخواته ذلك إهانه بالغه لهم وعملوا من بعدها على الاحتيال فى العوده إلى سنار واعداد العده لقتال عمهم الذى لم يلتفت اليهم الا بعد أن علم بموافقه الشيخ محمد الامين شيخ قرى على الاشتراك معهم فى ذلك وقد نجح تدبيرهم فتم قتله في عام 1780م. وفي أثناء إقامة الشيخ بادي فى رفاعه عزل الشيخ محمد الأمين من مشيخة قري وارسله الى القربين . وعزل الشيخ محمد ود علي شيح ديار خشم البحر وولى ( صباحي ود عدلان ) مكانه . وضرب ناصر ابن اخيه الشيخ محمد ابي اللكليك ضربا مبرحا لذنب أتاه فاستاء اخوته من ذلك جدا وحملوه الى سنار واخذوا في تهييج الاحزاب المضاده لعمهم وضم كلمتهم لمحاربته فوافقهم على محمد ود علي شيخ بادي عند سماعه بعزم اولاد اخيه على محاربنه لم يهتم (الآن تحققت وقوع محاربة صحيحة) قال ذلك لأن الشيخ محمد الامين كان من الفرسان المعدودين فقام لساعته واجتاز النيل الى الجزيره وسار نحو سنار فالتقاه جموع اعدائه في الطريق فقاتلهم قتالا شديدا وصار كلما مر بفارس يسأله من انت فيقول له فلان فيتركه ويأبى محاربته حتى قابله الشيخ محمد الامين فسأله من انت فقال (محمد الامين) فضربه بالسيف ثلاث ضربات فلم تؤثر فيه لأن درعه كان حصينا ولأن ضرب الشيخ بادي كان طائشا ممزوجا بالغضب . ثم ان الشيخ الامين ضربه ضربة اثخنته فوقع على الارض مجندلا فطلب اولاد اخيه ليوصيهم فقال له الشيخ احمد ود علي شيخ خشم البحر المعزول أأنت في قيد الحياة بعد وضربه بالسيف على فمه فقضى عليه وكان ذلك سنه 1194هـ 1780م فلما حضر اولاد اخيه وعلموا بضرب الشيخ احمد له وهو على الارض غضبوا ومن ذلك الحين تأسست العداوة بينهم وبين الشيخ احمد وأولاده. تولى بعد ذلك الوزاره اكبر اولاد اخيه الشيخ محمد ابولكليك الذى عمل على أن تستقيم الأمور فى سنار ، ومن ثم خرج منها بعد أن جعل عليها أخاه ابراهيم وكيلا عنه مع الملك  [40] .

        يبدو أن السلطان اسماعيل إنتهز فرصه قتال الهمج هذه وعمل على الاستفاده من مهاجرة الشيخ محمد الامين بعداوه الهمج وكتابه على الإنتقام منهم ، وتمكن من كسر شوكتهم وهزيمتهم هزيمة لم تقم لهم بعدها قائمة . شهدت الفترة التي تلت عهد السلطان عدلان ، قمة ضعف الدوله ، وصار يتولى العرش في العام الواحد اكثر من سلطان وتميزت بتصاعد الصراع فيما بينهم ومشائخ العبدلاب بصورخ كبيرة ، بلغت فى بعض الأحيان حد الصدام المسلح ، والسلاطين هم الكلك أوكل الذي ملك تسعة اشهر ، ثم هرب ليلا وتولى ناصر مكانه وحكم حتى 1789م ثم خلفه الملك طبل 1789م ، والذى انتهى عهده بمقتله على يد مشايخ العبدلاب ، ثم خلفه الملك بادى الخامس 1789م  وقتل ايضا على يد الشيخ محمد الامين شيخ قرى ، وخلفه الملك حسب ربه 1790م ، والذى استبد بالحكم على الشيخ محمد الامين الذى قتله .

ثم تولى نوار 1790-1791م ، وقام الوزير ناصر باغتياله ، ثم خلفه السلطان بادى السادس 1791-1821م وكان لايزال فتى واستمر حكمه حتى الفتح التركى المصرى عام 1821م وكان يساعده فى حكمه مجموعه من الوزراء هم الوزير ناصر والوزير ارباب دفع الله ثم الوزير ادريس[41]  

 

الملك حسب ربه 1204هـ 1790م:

        مات ايضا ورجع الشيخ ناصر الى سنار . وفي سنه 1205هـ 1791م حدث ان الشيخ محمد الامين  ود مسمار ضرب الشيخ عبدالله بن عجيب (ابن عمه ) لذنب اتاه فالتجأ الشيخ عبد الله الى محمد ود خميس ابي ريده وذهبا بمن معهما من الرجال الى الشيخ محمد الامين بحلة بان النقا بين قري وشندي فوجدوه في منزله وحده فاحتالوا الى ان صعدوا على سطح البيت وأزالوا سقفه وصاروا يرجمونه بالحجارة من بعيد حتى قتلوه . وتولى المشيخة بعده (عبدالله ود عجيب) وولى الشيخ ناصر على سنار.[42]

 

الملك بادي السادس بن طبل  1205-1236هـ_ 1791-1821م:

        كان لايزال فتى فاستمر ملكه الى الفتح المصرى وتقلب عليه عده وزراء من الهمج اولهم (4-الشيخ ناصر) الذي فيه كلامنا وهو الوزير الرابع . وفي ايامه توفي الفقيه حجازي في سجنه غطشا . وتوفي ايضا الفقيه عبدالرحمن ود ابو زيد العالم العامل الوالي الصالح .  والعالم الفقيه محمد نور صبر .  وقتل جماعه من الحضارمه على يد اخيه حسين .  وفي سنه 1211هـ 1797م اجتاز ناصر البحر بعساكره ومعه اخوه عدلان وحارب أبا ريده وقتله ونهب أمواله . واتحد عليه هاشم بن الملك عيساوي واولاد الشيخ الامين ومعهم فزاره وبنو جرار ودخلوا الجزيره فخرج في طلبهم فلحقهم بنواحي سير وهناك اصطلحوا ورجعوا الى سنار ما عدا بني جرار فانهم رجعوا من حيث أتوا بعد أن أكرمهم الشيخ ناصر وخلع على كبرائهم. [43]    

        كان الشيخ إدريس ود الأرباب أحد أهم معاوني الملك بادي السادس وانفرد بالوزارة وكان رجلاً مهاباً عادلاً، وكان لا يحب السرقة فتعقب اللصوص في كل مكان وعاقبهم بكل صرامة حتى أنه لم يبق سارق ولا لص في بلاد سنار. وشدد الوطأة على العرب الرحالة فكفى أهل القرى شرهم وكان له من الأعوان عدا أخيه عدلان الأرباب القرشي، والأرباب زين العابدين ود السيد، والفقيه عبد الجليل ود عامر والفقيه الأمين ود الأرباب دفع الله . غير أن علاقته بالملك بادي ما لبست أن ساءت فاتفق مع الشيخ كتمور شيخ البحر وعزله وولى مكانه الملك رانفي فحكم بضع سنين، ثم عاد الملك بادي مرة أخرى للحكم.[44]

وذلك بعد أن تدخل أحد القادة وهو محمد أبا ريش فقتل الملك رانفي وأعاد الملك بادي إلى السلطة في سنة 1220ه : 1806م.[45]

، وفي أيام رانفي أتى الشيخ عبد الله ابن عجيب بما أغضب الشيخ إدريس فجرد عليه جيوشه وكان العبدلاب قد نقلوا مركز المشيخة من قري إلى الحلفايا فاندلع القتال في الحلفايا في أول محرم سنة 1215ه الموافق 24 مايو 1801م فقُتِل الشيخ عبد الله وانهزمت جيوشه فأمنهم الشيخ إدريس وولى عليهم الشيخ ناصر الأمين الذي ظل في المشيخة حتى غزو محمد علي باشا.[46]      

        يبدو أن عهد الملك بادي السادس وهو آخر ملوك الفونج، كان عهداً مليئا  بالأحداث المثيرة التي تمثلت في الحروبات الداخلية أولاً، ثم أعقبها عزله عن منصبه ومن ثم عودته مرة أخرى إلى منصبه، وهذا إن دل إنما يدل على مدى الضعف الذي لحق بمملكة الفونج تلك المملكة التي ولدت قوية متماسكة، والتي شكلت أول ميلاد حقيقي للدولة الحديثة في السودان، لكن في أواخر أيامها أصاب ملوكها الضعف وربما كان السبب في ذلك يعود إلى تسلط طبقة معينة وتغولها على الحكم، وانتشار الدسائس الداخلية التي انهكت مملكة الفونج، وما استيلاء الوزراء على السلطة إلا خير دليل يبرهن مدى ضعف الملوك وعدم مقدرتهم على إدارة شؤون المملكة، ولعلنا نلاحظ مدى نفوذ رجال الدين وتغللهم في الشؤون السياسية والإدارية مما خلق نظاماً فوضوياً كان له كبير الأثر في انهيار وسقوط مملكة الفونج. وقد ظلت الأوضاع في عهد هذا الملك تتأرجح ما بين السئ إلى الأسوأ حتى جاءت الضربة القاضية من محمد علي باشا ذلك الوالي العثماني المتمرد، والذي شن هجوماً على مملكة الفونج ووضع حداً لتاريخها وتدخل البلاد بعد ذلك في حقبة مظلمة من تاريخها سميت  زوراً وبهتاناً بفترة الحكم التركي المصري، وتارة بفترة الفتح التركي المصري وهي أكبر  أكذوبة تاريخية لأن من غزا السودان هو محمد علي وهو لا بالمصري ولا بالتركي.

 

الخاتمة:

        يعتبر تاريخ ملوك الفونج من أهم المواضيع التي تخص الباحث في التاريخ السوداني الوسيط، لأن هولاء الملوك لعبوا دوراً رئيسياً في تاريخ السودان باعتبارهم أول ملوك مسلمين في السودان بصورة رسمية، وأول من أسس مملكة إسلامية قامت على العرف والقانون الإسلامي المعروف.

        كان ملوك الفونج أول من سعى لتوطيد دعائم الإسلام في السودان وسط رعاياهم وذلك بتشجيع العلماء ورجال الدين للقدوم إلى أراضي مملكة الفونج والعمل على نشر تاعليم الدين الإسلامي وسط أهل الفونج، فكان لذلك العمل كبير الأثر الذي انعكس على مصلحة الشعب والدولة والملوك أنفسهم فذاع صيتهم داخل وخارج السودان حتى مدحهم العلماء في الأزهر الشريف بالقصائد الطوال متغزلين في كرم ملوك الفونج وخدمتهم لعلماء الإسلام واحترامهم لهم. غير أن ملوك الفونج شأنهم شأن من سبقهم من الملوك فقد كان فيهم القوي وصاحب السيرة الحسنة التي خلدت اسمه في سجل التاريخ الإنساني، وبالمقابل كان فيهم الضعيف الذي لم يوفق في إدارة المملكة لكن الحق يقال فإن مثل هولاء كان قليل، بينما اشتهر معظم ملوك الفونج بالصلاح والتقوى واحترام العلماء والعدل بين رعيتهم ولعل دكة من نادوك تمثل خير برهان على عدل ملوك الفونج.

 

النتائج والتوصيات :

النتائج:

توصلت الدراسة إلى بعض النتائج التي تمثلت في الأتي:

إن تاريخ ملوك الفونج حافل بالأحداث التاريخية المهم التي يجب علينا البحث فيها جيداً. أيضا اتضح من خلال الدراسة أن ملوك الفونج كانت لهم رؤية إدارية ناجحة حافظت على تماسك مملكتهم فترة طويلة، لعب ملوك الفونج دوراً مهماً في تشجيع قدوم العلماء إلى السودان فلولاهم لما حضر عالم ولا شيخ للسودان.

التوصيات:

خلُصت الدراسة إلى التوصيات التالية:

تسليط المزيد من الضؤ على تاريخ مملكة الفونج، الإهتمام بتاريخ الفونج وادخاله بصورة كبيرة ضمن المناهج الدراسية المختلفة في السودان.

ضرورة التوثيق لسير ملوك الفونج وحفظ كل أثارهم في مجلدات للإستفادة منها مستقبلاً.

أيضاً من خلال دراستنا لتاريخ ملوك الفونج، نوصي بضرورة تنقيح كتابات الرحالة الأجانب الذين تحدثوا عن تاريخ مملكة الفونج وعن ملوك الفونج والتعامل معها بكل حذر فهنالك بعض الأحداث التي وردت ضمن هذه المؤلفات تفتقد للدقة والصواب.

 

المصادر والمراجع :                                   

 


[1] - محمد نور ضيف الله، كتاب الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان، تحقيق يوسف فضل حسن، دار النشر جامعة الخرطوم، 1974، حاشية 9، ص،40.

[2] - محجوب عمر باشري، معالم تاريخ السودان، الدار السودانية الخرطوم، 2000، ص، 39.

[3] - Spaulding, J., The Heroic Age in the Sinnar,London, 1980, p.6.

[4] -  أحمد بن الحاج أبو علي، مخطوطة كاتب الشونة في تاريخ السلطنة السنارية والإدارة المصرية، تحقيق الشاطر بصيلي عبد الجليل، القاهرة، 1960، ص، 10-11.

[5] - الطيب محمد الطيب، حلال المشبوك، الطابع العربي، 1979، ص، 33.

[6] - الفحل الفكي الطاهر، تاريخ وأصول العرب بالسودان، تحقيق عمر فضل الله،دار المصورات للنشر، 2015، ص،188.

[7] -  نعوم شقير، تاريخ السودان، تحقيق وتقديم الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم، دار الجيل بيروت، 1981، ص،100.

[8] - أحمد المعتصم الشيخ، مملكة الأبواب المسيحية في العصور الوسطى، مجلة دراسات أفريقية، العدد 5، المركز الإسلامي الأفريقي، الخرطوم، 1989.

[9] - يوسف فضل حسن، مقدمة في تاريخ الممالك الإسلامية في السودان الشرقي1450 – 1821م، SUDATƹK Limited، الخرطوم 2012، ص، 69-70.

[10] - أنظر: نعوم شقير، مرجع سابق، ص،101.

[11]  - محمد النور ضيف الله، مرجع سابق، ص، 255.

[12] - نعوم شقير، مرجع سابق، ص،101

[13] - لُقب بهذا اللقب لأنه أدخل عادة جديدة وهي الترتيبات الإدارية والتشريفية أو (البروتوكولية) التي سنها لتظيم التعامل بين كبار أعوانه في البلاط الفونجاوي، والتي صارت فيما بعد نظاماً مألوفاً لإقتداء المعنيين بها وعادة يسيرون على هديها. أحمد حاج علي، مرجع سابق، حاشية 9، ص،55.

[14] - أحمد حاج علي، مرجع سابق، ص،55.

[15] - مكي شبيكة، مملكة الفونج الإسلامية، وعهد الدراسات العربية العالمية، 1964،ص، 48.

[16] - نعوم شقير، مرجع سابق، ص، 101.

[17] - الفحل الفكي الطاهر،مرجع سابق، ص،193-195.

[18] - نعوم شقير، مرجع سابق، ص، 103.

[19] - الفحل الفكي الطاهر، مرجع سابق، ص،196.

[20] - أحمد حاج علي، مرجع سابق، ص، 59.

[21] - Spaulding,J., The Heroic Age in the Sinnar, London, 1980,p.7.

[22] - أحمد حاج علي، مرجع سابق، ص،11.

[23] - نفس المرجع، ًص، 11-17.

[24] - نعوم شقير، مرجع سابق، ص، 104.

[25] - نفس المرجع، ص، 18

[26] - Crawford,O,G,S., The Fung Kingdom of Sennar, London, 1951, p.212.

[27] - نعوم شقير مرجع سابق، ص، 106-107.

[28] - أحمد الحاج علي، مرجع سابق، ص، 19.

[29] - مصطفى محمد مسعد، بعض ملاحظات جديدة حول تاريخ مملكة الفونج، ص، 15

[30] - نعوم شقير، مرجع سابق، ص،107.

[31] - نفس المرجع، ص،107.

[32] - أحمد بن الحاج علي، مرجع سابق، ص،20-23.

[33] - نعوم شقير، مرجع سابق، ص،109.

[34] -أحمد ابن الحاج علي، مرجع سابق، ص،22-30.

[35] - نعوم شقير، مرجع سابق، ص،110.

[36] - نفس المرجع، ص،110.

[37] - أحمد بن الحاج أبو علي، مرجع سابق، ص،26-27.

[38] - الان مورهيد، النيل الازرق ، ترجمه ابراهيم عباس،  مكتله النهضة السودانية الخرطوم، الطبعه الاولى ، 1969م ص65

[39] - نعوم شقير، مرجع سابق، 113-115.

[40] -أحمد بن الحاج أبو على :مرجع سابق ، ص27-31

[41] - نعوم شقير ، مرجع سابق، ص، 114-115.

[42] - نفس المرجع، ص، 115

[43] - نفسه،ص،115.

[44] - نفسه، ص، 115

[45] - نفسه ص، 117-118.

[46]  - نفسه، ص، 115-116.

أضف تعليقاً

0 تعليقات