علاقات مملكة مروي مع مملكة أكسوم الحبشية

الثاني عشر من شهر أكتوبر عام 2017م



 

 

د. محمد آدم عبد الرحمن حامد

مستخلص:

تتناول هذه الدراسة موضع العلاقات المروية الأكسومية وهي الهدف الرئيس من البحث، وهي عبارة عن محاولة لإلقاء الضوء على السياسة الخارجية للمملكة المروية ومدى تأثير ذلك على حضارتها، وأيضاً كشف الطريقة التي تعامل بها ملوك مروي مع رصفائهم من الملوك، تبدأ الدراسة بنبذة تاريخية عن جزور العلاقات المروية الأكسومية من الناحية السياسية، والعسكرية، والاقتصادية وغيرها، ثم تتبع الدراسة طبيعة العلاقات بين مملكة مروي الكوشية، ومملكة أكسوم الحبشية والتي اتسمت في مجملها بالطابع العدائي الذي توجه الملك الأكسومي عيزانا بحملة عسكرية كان لها كبير الأثر على نهاية المملكة المروية التي كانت قد بدأت تظهر عليها علامات الضعف والوهن.

اتبعت الدراسة المنهج التاريخي الوصفي التحليلي، بتناول مجريات الأحداث التي دارت بين المملكتين ووصفها ومن ثم تحليلها.

 

 

مقدمة:

في العصور القديمة حول البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، وكذا بين نهري دجلة والفرات – نشأتْ وتطورت حضارات رفيعة لها أهمية كبيرة في كوكبنا وهذا من غير شك ساهم بقدر كبير في حضارة العالم. و إذا لاحظنا الموقع الجغرافي لهذه الأقطار  وجدناها تقع بالقرب من أنهار كبيرة أو على سواحل البحار. ونحن نعي أن إثيوبيا تمتاز بموقع جغرافي متميز؛ إذ تقع بالقرب من البحر الأحمر والنيل الأزرق العظيم الذي ينبع من إثيوبيا؛ لذلك يمكن أن نفترض أن إثيوبيا من بين هذه الأقطار التي طورت الحضارة القديمة ووضعت بصمتها في التاريخ.  ومن ما يؤسف له أنَّ حضارة إثيوبيا ليست معروفة أو شهيرة كحضارة الدول الأخرى[1].

نشأة أكسوم:

قبل خمس سنوات من ميلاد المسيح ـ قامت حضارة ذات طابع خاص تكشف عن تأثيرات من جنوب الجزيرة العربية على الهضبة الإثيوبية الشمالية. وهي حضارة زراعية في الأساس. وازدهرت خلال القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد واضمحلت خلال القرون اللاحقة [2]  حيث كان يفصل إثيوبيا من الجزيرة العربية البحر الأحمر وكما هو معروف أنَّ سكان الجزيرة العربية كانوا من الجنس السامي الذين جاءوا ربما من بلاد ما بين الرافدين واستوطنوا في هذه المنطقة، وشكلوا دول مختلفة منها معين وسبأ. وكانت لإثيوبيا صلات مع هذه الدول بصورة عامة و بصفة خاصة سبأ [3].

ولأسباب اقتصادية بدأ شعب جنوب الجزيرة العربية بالهجرة لإثيوبيا ربما بحثاً عن أراضى أخصب و أغنى من بلادهم الصحراوية [4]. و كان أول المهاجرين هم ربما التجار السبئيين الذين درسوا الأحوال المناخية والأوضاع الاقتصادية لإثيوبيا، وحثوا بعد ذلك رجال بلادهم على الهجرة لإثيوبيا، وكانت عملية الهجرة هذه طويلة وتدريجية وكان الدافع لهذه الهجرة منفعي. وكانت فكرة الاستيطان بدافع العيش في آمن وسلام في العالم الجديد "إثيوبيا"، وعملية الهجرة هذه قد تمت عن طريق البحر الأحمر عبر باب المندب [5].

وكانت حضارة النازحين الجدد أرقى من حضارةٍ سكان البلاد الأصليين و استولى المهاجرون على السلطة المركزية و أسسوا مدينة أكسوم  (Axum ). و أكسوم هو ليس اسم الدولة وإنَّما اسم المدينة وتسمت به الدولة وأصبحت أول عاصمة سياسية للإمبراطورية[6].

إذن يمكننا أن نستنتج أنَّ مملكة أكسوم نشأت نتيجة لهجرة جماعات من أصل سامي جاءت عبر البحر الأحمر، وأسست هذه الجماعات ما عرف في التاريخ الأفريقي القديم بمملكة أكسوم التي لعبت دوراً كبيراً في التاريخ القديم، وكان لها أثر على الحضارة المرويّة بصفة خاصة.

لكن من الصعب إيجاد تاريخ محدد لهذه الهجرات[7]. تقول المصادر الأولية إنَّ تاريخ مملكة أكسوم يمتد من القرن الأول بعد الميلاد على فترة تصل إلى الألف عام، وهو يشتمل على حملتين عسكريتين إلى داخل جنوب الجزيرة العربية في القرون الثالث والرابع والسادس، وحملة إلى مروي في القرن الرابع الميلادي [8].

وقد أصبحت أكسوم في بداية القرن الأول الميلادي مركزاً تجارياً متقدماً بل إنَّ عاصمتها أكسوم تطورت لتصبح أكبر سوق لتجارة العاج في شمال شرق أفريقيا[9]. وقد ورد أول ذكر لاسم أكسوم في كتاب " الطواف في بحر أريتريا" ( Periplus Of The Eaetricn Sea)، وهو دليل ملاحي وتجاري جمعه تاجر من مصر، ويرجع تاريخه إلى نهاية القرن الأول الميلادي. وقد ذكر الجغرافي بطليموسPtolemy  أيضا ذلك المكان في القرن الثاني [10]. وامتدت سلطة أكسوم لتشمل العديد من القبائل والشعوب على الجانبين من ساحل البحر الأحمر وفي داخل العمق الأفريقي حتى أصبحت أكسوم قوة مهابة في ذلك الوقت[11].

موقع أكسوم الجغرافي:

يحدِّد علم الآثار مملكة أكسوم بأنَّها مستطيل طويل يبلغ طوله حوالي 300كلم، وعرضه 160كلم، و يقع بين خطي العرض 13 و17 شمالاً، وخطى الطول 30 و 40 شرقاً [12]. وتقع مملكة أكسوم في أعالي النيل وأراضيها المطلة على الغرب وعلى  البحر الأحمر في الشرق. ومن خلال قربها من ميناء أدوليس "Adulis"  ـ كانت أكسوم ذات موقع إستراتيجي جيد، لتكسب في موقعها المنفرج الطرق التجارية التى تربط بلدان البحر المتوسط بشمال شرق أفريقيا وجنوب الجزيرة العربية والمحيط الهندي. وأصبحت أكسوم هي المركز التجاري الرئيس لمنطقة حوض البحر الأحمر الجنوبية[13]. كان ميناء أدوليس مشهورًا جداً، وقد ساعد في جلب المنتجات الأفريقية من عاج وفضة وذهب للجزيرة العربية، وسلع الشرق الأدني.[14]

 

العلاقات السياسية: 

من الملاحظ أنَّ أكسوم نشأت في منطقة ذات موقع جغرافي متميز، جعلها نقطة تجارية مهمَّة فى ذلك الوقت. ومعروف أنَّ مملكة مروي أيضًا كانت تعتبر نقطة تجارية مهمَّة جداً بالنسبة للعالم الخارجي لأنَّها كانت تصدر السلع الأفريقية المهمة لبعض الدول. وكانت مروي تتمتَّع فى ذلك الوقت بوضع تجاري مرموق دون منازع، ولكن ظهور مملكة أكسوم في وقت لاحق شكَّل منافساً قوياً لمروي من الناحية التجارية. و هذا بلا شك كان له أثر خطير على الاقتصاد المروي لكن الشيء المهمّ هو كيف تعامل كلا الطرفين مع هذا الوضع إذا وضعنا أكسوم كدولة نامية تتطلع لتنمية اقتصادها.

 أصبحت أكسوم تكسب الأهمية أكثر وأكثر، حتى أصبح الأكسوميون هم أكثر جيران الكوشيين قوة و ثراء. وربما أنَّهم استولوا على معظم التجارة المرويّة [15]. ولكن العلاقات بين مملكة مروي ومملكة أكسوم كانت علاقات ودية في بداية القرن الثالث الميلادي [16]. من واقع التبادل التجاري بين الطرفين، حيث تمّ الكشف في مدينة أكسوم عن كأسين من البرونز مطابقين تماماً لكؤوس برونزية عثر عليها في فرس و تحمل رسماً مروياً أصيلاً يمثل ضفدعة و زهرة لوتس، كما تم العثور أيضا في أكسوم على تماثيل من المرمر يرجع تاريخ صنعها إلى القرون (الأول/الثاني/الثالث) بعد الميلاد. وهذه التحف موجودة حاليًّا بمتحف أديس أببا[17].

نلاحظ أنَّ العلاقات بين المملكتين في بداية الأمر كانت علاقات ودية من واقع التبادل التجاري بين البلدين لأنَّ مثل هذا التبادل لا يحدث إلاَّ إذا كانت هنالك صلات ودية بين الطرفين سمحت بمرور القوافل التجارية إلى أراضى المملكتين. ووجود هذه القطع الأثرية يقودنا بدوره إلى افتراض أنّ العلاقات كانت ودية وأنّ أكسوم كانت دولة حديثة العهد وفي وضع لا يسمح لها بمناصبة المرويين العداء لأنّها ينقصها العتاد الحربي اللازم للقيام بمثل هذا العمل العدائي؛ لذلك اكتفوا بقيام علاقات تجارية ودية مع مملكة مروى.

ويعزى السبب فى هذا الوضع إلى عدم قدرة أكسوم وهي دولة ناشئة على مهاجمة مروي التي كانت لا تزال تحتفظ بعلاقات قوية مع العالم الخارجي إلى حوالي عام 253م[18].

ما يهم في هذا الأمر أنَّ هنالك علاقات كانت قائمة بين مملكة مروي ومملكة أكسوم سواء كانت هذه العلاقات ودية أو عدائية. والدليل عليها القطع الأثرية التي تمَّ العثور عليها في أكسوم و تعود  في أصلها إلى مروي لكن وجود مثل هذه القطع يقودنا إلى أنَّ نفترض أمرين الاحتمال الأول هو ما سبق ذكره وهو أنها وصلت إلى أكسوم عن طريق التبادل التجاري بواسطة علاقات ودية مكنت الاكسوميين من جلب هذه القطع الاثرية و الاحتمال الثاني هو أن هذه القطع توفرت من جراء حملات عسكرية شنها الاكسوميين على الأقاليم المرويّة المجاورة و لكن ربما الرأي الأول هو الأرجح.

تسجل المصادر التاريخية للقرنين الثاني و الثالث الميلاديين الازدهار السريع لدولة أفريقية هي أكسوم، وقد وصف هيليو دورس "Heliodoros"  الكاتب الإغريقي الذي عاش في القرن الثالث في روايته اثيوبيكا "Athiopica " وصول السفراء الاكسوميين لا كرعايا خاضعين للجزية، بل كأصدقاء و حلفاء لملك مروي [19] .

لا يعطينا علم الآثار سوى معلومات قليلة عن القرون الأولى لتلك الفترة: الدليل الوحيد الذي يتوفر لنا عن تلك الفترة و يمكن تاريخه هو بعض النقوش من القرنيين الثاني و الثالث. و لكن على الرغم من أنها قليلة و مقتضبة فان بها بعض السمات اللافتة للنظر. فهي تزودنا بأقدم أشكال الحروف الأبجدية الإثيوبية، التي ما زالت تستخدم حتى يومنا هذا. و حتى مع هذا فإنها ليست أقدم النقوش التي عثر عليها في منطقة أكسوم إذ أن هنالك نقوشاً عديدة أخرى ترجع إلى النصف الثاني من الألف الأخير قبل الميلاد ؛ وهذه من النمط الذي ينتمي إلي جنوب الجزيرة العربية . و كان الخط الجنوبي العربي هو بمثابة النموذج للخط الإثيوبي [20] .                                              العلاقات بين مملكة مروي و مملكة أكسوم خلال حكم ملوك مروي الآخرين، غير المحدد الآن أسماؤهم تظل غير واضحة [21] .

ظلت العلاقات المرويّة الاكسومية خلال القرون الميلادية الثلاثة الأولى سليمة وودية مما سبق. لكن هنالك إشارة إلى غزوة اكسومية واحدة على الأقل حيث عثر في جبل قيلي Jebel Geili  بمنطقة البطانة على نقش صخري يصور انتصارا للملك المروي شركارير Sher Karare  (6-11)م على أعداء حاولوا التقدم إلى الشمال[22].

ويعتقد هنتزا Hintze Fr  في هؤلاء الأعداء أنهم كانوا أكسوميين حاولوا التقدم إلى الشمال ويرى أن هذا اللوح تمجيداً لنصر حققه هذا الملك المروي على الاكسوميين [23]. و هذا النقش مسجل على صخرة جرانيتية عند سفح جبل قيلى بطريقة الحفر السطحي، ويغطى مساحة 70,3×2 متر و يتكون من أربعة عناصر رئيسية:

  • الملك شركارير يقف، ملتحياً بكامل زينته، و أسلحته " القوس و السهام و الحربة" في يده اليمنى، ويتقبل الأسرى من الإله.
  • صورة لأحد الآلهة بالمواجهة تتكون من وجه مستدير وحوله هالة كقرص الشمس يخرج منه ما يشبه الأشعة بعدد اثني عشر شعاعاً، ويدان: اليمنى تمتد للملك بحزمة من الذرة يقدمها إليه، واليسرى تمسك بحبل تتجمع فيه سبعة أحبال يقيد كل منها أسيرًا، يقدمّها الإله للملك الذي يمسك طرف الحبل بيده اليمنى علاوة على أسلحته، وصورة الإله تستحق الدراسة حقاً، فلم يظهر منه إلا الرأس و الكتفان و الزراعان. بمعنى أنَّ الرسام لم يظهر من غير ذلك.
  • تحت أقدام الملك صورة لأربعة أسرى مكتوفي الزراعين والساقين.
  • في مستوى أقدام الملك وأسفل صورة الإله ـ صور لسبعة أسرى عرايا وشبه عرايا، كأنهم يسبحون في الهواء في أوضاع فيها صدق الإخراج. وغطاء الرأس للأسرى بقمته المدببة ملفت للنظر.

ومن فوق صورة الملك خرطوشان (أي بيضاويان خصصا لكتابة اسم الملك ولقبه). الخرطوش الأيسر يحتوي على اسم الملك شركاير Sher Karer بالهيروغليفية المرويّة، والأخر يحتوي على الاسم الثاني أو احد ألقاب الملك و يقرأ " من- شلخه" [24] .

هذا الأمر قاد هنتزا إلى الاعتقاد بوقوع معركة في جبل قيلي بين مهاجمين يعتقد أنهم من اكسوم و بين المرويين بقيادة شركارير.

بناء على ما افترضه هينتزا فإنَّ هؤلاء الأعداء الذين يظهرون في النقش هم أكسوميين. ربما يصعب تصديق مثل هذه النظرية لأنَّ اكسوم مقارنة بتاريخ الملك شر كاير   (6-11م) كانت دولة ناشئة لا تملك الإمكانيات التي تمكنها من التغلغل إلى داخل هذا العمق إلى أن تصل هذه المناطق المرويّة، ولكن من الأرجح إن هذا النقش هو تمجيدا لنصر حققه الملك المروي شركاير على أعداء آخرين وهم غير أكسوميين، وربما كان هؤلاء الأعداء من القبائل البدوية الرعوية التي كانت تسير الإضطرابات الأمنية عل المناطق الحدودية المرويّة.

 

النقوش الأكسومية التى وجدت فى مروى:

نقش بالإغريقية لملك أكسومي مجهول:

هنالك نقش إغريقي عثر عليه سايس (Sayce) وهو نقش لملك أكسومي مجهول مكتوب  على لوح من حجر البازلت وعثر سايس على قطعة منه في مروي وهي الآن بمتحف الخرطوم تحمل رقم 508. النقش عبارة عن تخليد لذكري انتصار أحد ملوك أكسوم على قوات مروية و يظهر في النقش الإله أيروس (Ares)*، ويقرأ النقش هكذا:

  1. الملك (؟) ملك أكسوم و حمير.
  2. (قبل) اريس ادعوا .......... (غير مكتمل).
  3. .......... (غير مكتمل) بعد ان سمعوا بقدومي من أل...... (غير مكتمل) (غادرت؟).
  4. ........ (غير مكتمل) واجتحت ( الاراضى العليا؟) ....... (غير مكتمل).
  5. ......(غير مكتمل) بعد مروي ب{ الحرم المقدس الذي هو} ملتصق...... (غير مكتمل).
  6. ............ (غير مكتمل) إنما منتوجة ، وأخرى .......... (غير مكتمل).
  7. ........ (غير مكتمل) قبالة الملك على بعد.......... (غير مكتمل).
  8. .......(غير مكتمل) (ألاماكن أو الأشياء المقدسة) للملوك في أل ......(غير مكتمل).
  9.  ............(غير مكتمل) الأغنام والأطفال............(غير مكتمل).
  10. ............(غير مكتمل) كلها مررت بها...........(غير مكتمل).

ويستنتج سايس من هذا النقش أنَّ ملوك أكسوم كانوا يجيدون الإغريقية، وأنهم مدوا سلطانهم حتى النيل. وهذا النقش بمثابة دليل على ذلك وهم أيضًا أسقطوا مملكة مروي الإثيوبية القديمة[25]. الحالة العامة للنقش رديئة جدًا حيث كتب على قطعة من حجر البازلت هي في الأصل جزء من لوح لكن لم يتم العثور على الجزء الآخر من اللوح. كانت كثير من الكلمات ممحوة أو غير واضحة المعالم. و يتحدث النقش عمومًا عن تخريب مكان ما وأسر رجال ونساء وأطفال. لا يوجد تاريخ بالنقش، لكن يمكن توريخه في القرن الرابع الميلادي قبيل اعتناق الأسرة المالكة الأكسومية الديانة المسيحية[26].

يقودنا هذا النقش إلى مستوى التدني في العلاقات بين أكسوم و مروي إلى أن وصلت مرحلة الحرب، وهو أمر منطقي؛ لأنّ العلاقات في ذلك الوقت أخذت الطابع العدائي، لكن هناك أشياء مهمة لم ترد في النقش ولو وردت ربما كانت ساعدت كثيرًا فى تاريخ الأحداث فلم يرد إسم الملك الاكسومي المنتصر ولا إسم الملك المروي المهزوم، لكن الشيء الملاحظ من قائمة رايزنر  أنَّ أسماء الملوك المرويين في ذلك الوقت "القرن الرابع الميلادي" جميعهم مجهولون من العهد 290-310 ملك مجهول الى 340 -355  أيضا ملك مجهول[27]؛ لذلك لا يمكننا أن نفترض اسم أي ملك كان قد عاصر هذا الملك الأكسومي صاحب النقش. لكن الأمر المؤكد أنَه منذ أن نصب أو شيَّد هذا النقش في مدينة مروى، يمكننا أن نستنتج أنَّ النصر الأكسومي هذا نتج عنه على أقل تقدير احتلال أكسومى مؤقت للعاصمة مروي[28].

نقش لملك أكسومي آخر مجهول:

هنالك نقش آخر تمَّ العثور عليه في مدينة مروي وهو مماثل للوح الأول: حالته خربة مثله لكنه بالتأكيد ليس الجزء المفقود منه. ويظهر كذلك من بين الكلمات المقروءة اسم المعبود الأكسومي إروس. وهذا النقش مكتوب بالإغريقية أيضًا، وموجود بمتحف الخرطوم بالرقم 24841 [29]. ونص النقش هكذا:

  1. ...........ل إروس الإله (محرم).
  2. .............ولا ..................
  3.  ........... ولا فتيات
  4. ولا إل ..........................
  5. رجال...........عندما وصلت جلست هنا.
  6. ................بمنح كمكافأة ؟
  7. ل ..............إروس؟} هذا العرش[30].

لا شيء يمكن أن يستنتج من هذا النقش وكما نلاحظ أنَّ حالته أيضًا رديئة وبه كثير من الكلمات المفقودة، ولا يقودنا إلى أي افتراض أو حتى المناسبة التي من أجلها كتب هذا النقش، و لا إسم الملك الذي قام بكتابته. لكنه يكتسب أهميته من أنَّه وجد في مدينة مروي، وهذا بدوره يدعم وجود صلات بين البلدين، لكن طبيعتها غير معروفة وأيضا الشيء المهم ظهور اسم الإله إروس أو محرم وهو السبب الذي يدعم الإفتراض بأنَّ صاحب هذا النقش هو ملك أكسومي نسبة للإله الاكسومي إروس و محرم، عدا ذلك لا شيء يذكر.

نقش عدولية:

نقش عدولية الذي ضاع الأصل منه وكان منقوشاً على إحدى منشات المدينة، لكن عثر على نسخة منه كان قد نسخها سائح إسكندراني إسمه كوسماس[31]. Cosmas Indicopleustes  في القرن السادس الميلادي في أدوليس يرد فيه اسم مروي و يحتمل أنَّ النص يرجع إلى النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي[32]. و هو مكتوب بالإغريقية. وقد زار هذا السائح  مدينة عدوليه سنة 520م وضمن هذا النقش كتابه الذي أسماه فيما بعد Chirstian Topography .  يتحدث النقش عن أعمال ملك أكسومى مجهول الاسم وثنى الديانة لأنَّه يقدّم شكره للإله إروس الذي وفقه ـ حسب اعتقاده ـ في الانتصار على كثير من الأمم من بينها (الإثيوبيون وساسو في الغرب)؛ حيث يقصد بالإثيوبيين مملكة مروى. ومن الأمور المهمة التي يذكرها هذا النقش أنَّ الملك الأكسومي المشار إليه قد أنشأ طريقاً تجاريًّا يربط بين مملكته وبين مصر؛ مما يعني دخوله في منافسة تجارية مع ملوك مروى، وهذا النقش يفيد بأن هذا الملك قد شن حملة على مملكة مروي وانتصر عليها[33].

هناك نقش أكسومي أخر مهم جدًّا في تاريخ العلاقات بين مملكة مروي ومملكة أكسوم وتنبع أهمية هذا النقش من كونه يحتوي على معلومات مهمة ومفيدة لأحداث تاريخية تتعلق بالدولتين: ويتميز هذا النقش عن بقية النقوش السابقة بأنَّه يتحدَّث عن فترة محدَّدة من التاريخ، ويحمل إسم الملك الذي كتب هذا النقش. كما يوضح السبب الذي دفعه للقيام بهذا العمل الذي ورد في النقش.

نقش الملك عيزانا (*EZZANA):

  • إنَّ نقش المشهور للملك عيزانا يعطينا تفاصيل حملته ضد النوبة وكوش (Kasu=Kush). ويشتمل هذا النقش على العديد من الملاحظات أهمها أحداث سقوط المملكة المرويّة.
  • السطور من 1 ـ 7 المقدمة وألقاب الملك.
  •    "         7 - 28   تفاصيل الحملة ضد النوبة[34].
  •    "         7 - 14   الأحداث السابقة للحملة وأسبابها.
  •    "         14 - 28  يتحدَّث عن الحملة بصفة عامة.
  •    "         28- 34   الحملة ضد كاسو.
  •    "        28 - 29  الحملة نحو منبع نهر عطبرة.
  •    "        29 - 34  الحملة إلى أعلى النيل.
  •    "        34- 39   الحملة ضد النوبة الشمالية.
  •    "       39- 40   تنصيب العرش بالقرب من عطبرة.
  •    "       40 - 44  تعداد الغنائم.
  •    "       44 - 45  تنصيب العرش بالقرب من أكسوم.

-     "       46-52  الصلوات الأخيرة 1.

  حوالي 330 م استطاعت مملكة أكسوم التي نشأت في مرتفعات القطر الذي نسميه الآن بالحبشة أن تصل إلى أوج عظمتها. وقد وصل عيزانا [35] ـ أول من اعتنق المسيحية من ملوكها ـ إلى ملتقى نهر عطبرة بالنيل ويتباهى بإنفاذ حملة ضد "النوبادين" عادت بالكثير من الغنائم[36].  إنَّ تحديد أسباب وتاريخ سقوط مروى يظل واحدًا من مشاكل الآثار فى السودان. والرأي التقليدى هو أنَّ مروي انهارت حوالى سنة350م؛ نتيجة لغزو عيزانا ملك أكسوم[37].

الوثيقة الأولى وجدت في مروي وهي مكتوبة باللغة الإغريقية، غير أنَّها قد تعرَّضت لدمار شديد ومعظم عباراتها غير مكتملة. وقد بزل سايس جهدًا كبيرًا في ترميمها ثم نشرها عام 1909م، وأعاد نشرها مترجمة إلى الإنجليزية في عام1911م[38]. أمَّا الوثيقة الثانية وجدت في أكسوم و نشرت بلغات عديدة [39]. و قد ترجمها إلي اللغة العربية سامية بشير دفع الله[40]. هذه الشظية موجودة الآن فى متحف الخرطوم بالرقم 508 وحالتها رديئة[41].

نص نقش الملك عيزانا:

"بواسطة قوة سيد السماء (هو الذي) منتصر في السماء والأرض على الجميع أنا عيزانا بن (عيلا) عاميدا من قبيلة هالن. ملك أكسوم وحمير وريدان وسبأ وصالحين وسيام والبجة وكاسو*. ملك الملوك إبن عيلا عاميدا الذي لا يقهره عدو بحول رب السماء الذي خلقني.... خرجت لقتال النوبة عندما تمردوا وتبجَّحوا قائلين: "لن يستطيع عبور نهر "تاكازا" * هكذا قالوا. عندما إعتدوا على (قبائل) المنقرتو والخاسا والبارية. وشن السود الحرب ضد الحمر. ونقضوا عهدهم مرتين و ثلاثة، ومن غير رحمة ذبحوا جيرانهم وقتلوا مبعوثينا مناديبنا الذين بعثناهم للتفاوض معهم، بعد أن جردوهم من ممتلكاتهم وأسلحتهم وحاولت معهم مرة أخرى. ولمَّا لم يكترثوا بل أساءوا لي خرجت إليهم متسلحا بقوة الرب و حاربتهم عند نهر تكازا في مخاضة كمالكة، فولوا الأدبار ولم يتوقَّفوا، فتعقبتهم لمدة 23 يومًا، فقتلت بعضهم وأسرت آخرين وغنمت أنا ورجالي العديد من الغنائم فضلاً عن الأسرى. وغنائم رجعت بها قوات أخرى. كما أحرقت مدنهم، سواء المشيدة من الحجر أو تلك المشيدة من القصب. وصادرت قمحهم (و تماثيلهم) البرونزية ولحومهم المجففة والتماثيل في المعابد، ودمَّرنا ما بمخازنهم من قمح وقطن.  وقد هربوا إلي "سيدا"* فغرق منهم كثيرون لا أعرف عددهم كما غرقت مراكبهم بما فيها من رجال ونساء. ووقع في أسرنا زعيمان جاءا يتجسسان يركبان الجمال يقال لهما: "أساقا" و"بوطالة" . كما أسرنا رجل من أشرافهم اسمه "عنج بن آوي" وأبو قتاء وقع في الأسر  الزعماء الآتي أسماءهم: رانوكا، داقالا، عاناكو، هوارا، كركارا، بالإضافة للكاهن الذي أصيب في المعركة، وأخذ منه جنودي تاجاً فضياً وخاتماً ذهبياً.

  ثم وصـلت الـى (كاسو)؛ فأعمـلت فيهم القتـل وأخذنا منهم الأسرى، وذلـك عند ملتقـى نهـري (سـيدا) و(تكـازا). وفي اليـوم التـالي أرسـلت ضـدهم جيوشـي ـ

  Mahazā and the Harātroop and the Damawa(a) and Falh(a) and serā'

ـ التي اتجهت إلى أعالى النيل، فدخلت مدناً مشيدة من الحجر وأخرى من القصب. المدن الحجرية هي: علوة Alwā,1,  و دارو، Darō,L,  فقتلوا بعضهم ورموا البعض الآخر داخل الماء ورجعت الجيوش إلى قواعدها سالمة بعد أن قذفت الرعب في قلوب الأعداء وانتصروا عليهم بقوة رب الأرض. وأرسلت جيش  Halē n هالن و جيش لاكن Lakēn(؟) و جيش سابارات (Sabarāt) و فالحFalh(a)  و سيرا (Serā) ضد أربع مدن من النوبة المشيدة من القصب و مدينة أخرى تتبع للنيقوسNeguēs(1)  . أما المدن المشيدة من الحجر والتي اغتصبها النوبة من الكاسو هي تابيتوا (؟) I  (Tabitō) وفريتوتي،  I ، Fertōti  وأخيرا وصلت جيوشي حدود النوبة الحمر.

ورجعت قواتي سالمة بعد أن أخذوا منهم أسرى وقتلوا آخرين واستولوا على غنائمهم بقوة سيد السماء. ثم قمت بعمل نصب تذكاري عند ملتقى نهري سيدا وتكازا في قبالة المدينة ذات المباني الحجرية التي في هذه الجزيرة.

و قد منحني رب السماء التالي: 214 رجل أسير، 415 امرأة أسيرة، مجموع الأسرى 629. الرجال القتلى 602، والقتلى من النساء والأطفال 156، يصبح المجموع بالنسبة للقتلى758. وهؤلاء القتلى والأسرى معاً 1387. والغنائم حوالي 10560 رأسا من الماشية. وحوالي 51050 رأسا من الضأن و هنا وضعت النصب في سادو Sado .

بحول قوة رب السماء الذي ساعدني ومنحني السيادة رب السماء يقوِّي سيادتي! وهو يعلم انتصاري على العدو، وهو يستطيع أن ينصرني حيثما ذهبت، و هو يعلم أنَّه منحنى النصر على الأعداء.

(سوف أحكم) بالحق والعدل، ولن أخطي في حق الناس وضعت النقش الذي وضعته والأرض التي تحمله، بحماية رب السماء الذي جعلني ملكاً.

 و إذا هنالك أحد حاول إزالته أو دمَّره أو ينقص جزءًا منه هو وزريته سوف يمزقون إربًا اربًا، ولن يبقي منهم أثر.

وشيدت هذا العرش بفضل مساندة إله السَّماء لي"[42].

سجَّل عيزانا أنَّ الحملة كانت في يوم السبت في اليوم الثامن من الشهر الإثيوبي (Magabit)، أي في الرابع من مارس[43].  ويتزرع عيزانا بحجة تقدم النوبة واعتداءهم على النوبة الحمر ربما في المنطقة الممتدة بين نبته  ودنقلا. وقد اتخذ عيزانا هذه الحادثة سببا لغزو مروى[44]. الوثيقة الأولى من هذا النقش وجدت في مروي و هي مكتوبة باللغة الإغريقية غير أنَّها تعرضت لدمار شديد ومعظم عباراتها غير مكتملة وقام سايس بترميمها و نشرها عام 1909 و عاد نشرها مترجمه إلى الإنجليزية عام1911[45]. وعندما قام عيزانا بهذا الغزو كان قد اعتنق المسيحية وذلك في عام350 م[46]. ومن ما يفيد أن عيزانا قد اعتنق المسيحية هو العبارات التي افتتح بها النص و هي عبارة بحول رب السماء و الأرض و التي تكررت كثيرا في النقش، أيضا عدم ذكره للإله الاكسومي أروس (محرم) مما يدل على انه قد اعتنق المسيحية علما بأنَّ نقوش الملوك الذين سبقوا عيزانا وردت فيها كلمة أروس (Ares) كثيرًا مما يعني أنَّ هنالك تحوّلاً دينيًّا قد حدث للأسرة المالكة الأكسومية. لذلك يكون عيزانا هو أول من اعتنق المسيحية من ملوك أكسوم [47]. حتى كان تنصير مملكة أكسوم في منتصف القرن الرابع الميلادي 350م نقطة تحول رئيسية فى تاريخ إثيوبيا[48]. بعد ذلك يخبرنا عيزانا أنَّه مدَّ حدوده بعد هذا الصراع إلى داخل الأقاليم المرويّة، وأخضع بعضًا من قبائل البجة في الصحراء الشرقية، وبذلك فتح طريق القوافل من أكسوم إلى مصر، وأضعف التجارة المرويّة[49].

هذه الحلمة ربما امتدت أقصى الشمال حتى الكوة[50]. و قد ظل التعرُّف إلى الأماكن المذكورة في النقش ـ موضوع خلاف. وتحديدًا علوة حيث هنالك من يرى في علوة لا سوبا الحالية وإنَّما مروي[51].  أما موقع داروا فإنَّه لا زل عرضة للجدل وربما يتطابق مع الكدرو شمال الخرطوم[52].

إنَّ عدم ذكر اسم مروي بصورة صريحة في هذا النقش يقودنا إلى أن نفترض أمرين الأول هو أن مروي عندما شن عيزانا هذا الهجوم كانت قد دمرت مسبقاً بواسطة جيش آخر. وهذا أيضا يفسر لنا ظاهرة الاضطراب الذي كان قائماً في منطقة الحدود المرويّة الاكسومية الذي بدوره يعود إلى عدم وجود سلطة مركزية مروية تمنع ذلك الاضطراب في ذلك الوقت وإلا ما  حدث مثل هذا الشغب في منطقة الحدود. الأمر الثاني ربما لم تصل هذه القوات الغازية  إلى مدينة مروي بالفعل. ولو كان حدث لأشار إليه عيزانا في نقشه؛ لأنَّ الأمر ليس بالسهل وهو بمثابة فخر يؤكد سطوة عيزانا. لكن الرأي الأرجح هو سقوط مروي قبل حملة عيزانا.

أيضا هنالك شيء ملفت للنظر هو أنَّ المدن المرويّة تمت الإشارة إليها بمدن النوبة مما يعني أن مروي لم تعد موجودة في ذلك الوقت وأنَّ النوبة هم العنصر المسيطر على باقي المملكة المرويّة آنذاك. وتظل العلاقات بين مملكة مروي ومملكة أكسوم من خلال حكم ملوك مروي الآخرين الغير محددة إلأنَّ أسماءهم غير واضحة[53].

هنالك أمر يؤكد أنَّ مروي قد سقطت في يد ملوك أكسوم السابقين لعيزانا.وهو ما أورده عيزانا في استهلاله للنقش بألقابه حيث يرى في نفسه منذ البداية (أي قبل بداية الحملة) ملكًا

لكاسو Kasu = كوش Kush ؛ وهذا يقودنا إلى الافتراض أنَّ عيزانا ربما ورث هذا اللقب من أسلافه. حيث يرى شينى أنَّ مروي سقطت مبكِّرًا قبل حملة عيزانا[54].

 

أثر العلاقات المرويّة الاكسومية على الحضارة المرويّة:

تشير المعطيات إلى أنَّ الأثر الذي تركته العلاقات المرويّة الأكسومية على الحضارة المرويّة هو أثر سالب، خلاف الأثر الذى خلفته علاقاتها مع البطالمة والرومان. كان الوضع في القارة الأفريقية عندما بدأت تظهر مملكة أكسوم مستقر. حيث كانت مملكة مروي هي القوة المسيطرة في ذلك الوقت. وبظهور أكسوم التي أصبحت تتطور شيئاً فشيئا كان لا بد من أن يتفجر الصراع بين القوتين.  لم تكن المنطقة تتحمل وجود دولتين قويتين في آن واحد، ولذلك كان لابد من ظهور النزاع بينهما من أجل السيطرة على مصادر الثروة المتمثلة في السلع الأفريقية والطرق التجارية التي تصدر بواسطتها تلك السلع. فهنالك إشارات أثرية لوجود هجمات أكسومية على أطراف كوش خاصة جزيرة مروي منذ القرن الأول الميلادي [55].  وقد ساهم الضغط الأكسومي في إضعاف مروي وكان سبباً للضعف والوهن الذي أصابها والذي كان واضحاً في مواصفات مباني الأهرامات الملكية. وأيضا كان هذا التدهور واضحًا في التدهور الاقتصادي، وربما كان هذا الضغط الأكسومي بشكل كاف هو الذي أدى إلي نهاية الحكم المروى[56].

شكَّلت مملكة أكسوم منافساً تجاريًّا شرسًا للملكة المرويّة ممَّا انعكس سلبًا على الاقتصاد المروي. وهذا بدوره دفع ملكها عيزانا إلى قيادة حملة عسكرية ضد مروي متزّعًا بب عض الأحداث على منطقة الحدود للقضاء على منافسه المروي الشرس، وحتى يضع حدّاً لهذا التنافس[57]. وقد شهد القرن الرابع الميلادي سقوط السلالة الحاكمة في مروي وهي الفترة التي اجتاحت الجيوش الاكسومية البطانة[58].  وقد كان الأثر من جرَّاء ذلك الحادث هو الظهور المفاجئ لمملكة جديدة في جنوب النوبة السفلى، وهي حضارة بلانا ((Ballana[59].  وهو ما يؤكد سقوط الحضارة المرويّة. وربما ادى ظهور حضارة بلانا الجديدة إلى ظهور لهجات نوبية أخرى في باقي أراضى المملكة المرويّة وهذابدوره ادى إلى إندثار اللغة المروية وذلك من واقع السيطرة النوبية على المملكة فلا بد من ظهور لهجات محلية وثقافات أخرى غير التي كانت سائدة في العصر المروى. هنالك اعتقاد بأنَّ الأسرة المرويّة المالكة التي حكمت كوش لأكثر من ألف أو ما يزيد عن الألف سنة انتقلت غرب النيل لشمال كردفان، ومن المحتمل من هناك لشمال دارفور[60]. لذلك يمكننا القول بأنَّ أثر العلاقات مع أكسوم كان سلبيًّا للغاية. حتى أنَّ بعض الكتاب أصبحوا يؤرِّخون تاريخ انتهاء مملكة مروي بتاريخ حملة عيزانا عام350م[61].

 

 الخاتمة:     

استطاع المرويُّون خلال هذه العلاقات من تطوير حضارتهم ، كما تعاملوا مع دول كانت تمثل القوى العظمى في العالم القديم. ونجحوا في ذلك واستطاعوا عبر هذا الاحتكاك أن يضعوا سياستهم الخارجية التي تعاملوا بها مع العالم الخارجي؛ حتَّى أصبحت مروي ذات شهرة عالمية عرفها الكثير من الكتاب الكلاسيكيون أمثال هيرودوتس وغيره. ولم تقتصر علاقات مروي على دول البحر المتوسط وشمال أفريقيا؛ وإنَّما كانت لها علاقات مع بعض دول شرق أفريقيا، مثل مملكة أكسوم التي نشأت في الحبشة.

النتائج التي حصلنا عليها من هذه الدراسة أنَّ هنالك أثرًا لهذه العلاقات على الحضارة المرويَّة، وهو نوعان:

  1. أثر إيجابي وهو مانتج عن علاقة مروي مع البطالمة والرومان؛ حيث ظهر هذا الأثر في بعض جوانب الحضارة المروية، مثل: الفن، واللغة، والديانة. وحتى في المعمار، مما كان له بعض الأثر في إزدهار الحضارة المرويَّة.
  2. أثر سلبي وهذا نتج عن علاقة مروي مع أكسوم المنافس الشرس للمملكة المرويَّة على التجارة الأفريقية. وقد تسبَّب ذلك فى ضعفها. وذلك من خلال الحروبات التي شنَّتها على الأراضي المروِيَّة بدافع اعتداء بعض القبائل النوبيَّة المرويَّة على حدودها، بينما كان السبب ربما هو القضاء على مروي المنافس التجاري.

على الرُّغم من ظهور الأثر الأخير إلاَّ أنَّ الحضارة المروية ظلَّت حضارة محلية أفريقية في المقام الأول، لها لغتها الخاصة وهي اللُّغة المروِيَّة، وديانتها الخاصَّة. بل لها معبوداتها المحليَّة مثل الإله أبيداماك وغيره من الألهة. وكانت حضارة ذات كيان سياسي وحضاري مستقل. لكن كغيرها من الحضارات استقبلت بعضًا من العناصر الثقافية والحضارية الخارجية، إلاَّ أنَّها حافظت على محليَّتها.

النتائج:

توصلت الدراسة إلى نتائج مهمة منها، أن مملكو مروي لم تكن بمعزل عن العالم الخارجي حولها، أيضاً لم تقتتصر مملكة مروي علاقاتها الخارجية مع دول البحر المتوسط فقط وإنما كانت لها علاقات مع بعض الحضارات الأفريقية وما أكسوم إلا خير دليل على ذلك. أكدت الدراسة أن الحضارة المروية (السودانية) كانت حضارة مفتوحة على العالم الخارجي مما أكسبها الشهرة وصفة العالمية. ومن النتائج المهمة كذلك أن العلاقات المروية الأكسومية كان لها أثر كبير على الحضارة المروية لكن هذا الأثر لم يكن إيجابياً مثل الأثر البطلمي أو الروماني وإنما كان أثر سلبي وهو انهيار مملكة مروي.

التوصيات:

 خلصت الدراسة إلى عدد من التوصيات منها، التشديد على دراسة الحضارة المروية لأن هذه الحضارة كان لها تمدد كبير في القارة الأفريقية، أيضاً دراسة علاقات مملكة مروي الخارجية بصورة عميقة لكي نكشف عن أثر حضارة مروي على حضارات العالم الأخرى.

 

المصادر والمراجع :

 

 

[1]- Sergew, H.S, Ancient and Medieval Ethiopian History to 1270 , Addis Ababa , 1972, p.l.

[2] -فرانسيس أنفري، حضارة أكسوم من القرن الأول إلى القرن السابع، تاريخ أفريقيا العام، الجزء الثاني، اليونسكو، 1985،ص 383

[3]- Sergew, H.S , Op. Cit , P.26 ; Eivind Heldaas Seland , Op .Cit ,P.27

؛ فرانسيس أنفري، المرجع السابق،ص،419 - [4] Sergew,H.S ,Op.Cit , P.26   

[5]- Sergew, H.S ,Op.Cit , Pp.26-27

 

[6] - فرانسيس أنفرى، مرجع سابق، ص 419

[7] - Sergew, H.S , Op.Cit , p.26.

[8] - فرانسيس أنفري ،المرجع السابق، ص.419

[9]  - محمد إبراهيم بكر، المخل إلى دراسة تاريخ السودان القديم،دار المعارف، القاهرة،1998، ص، 214  

[10] - أسامة عبد الرحمن، المرجع السابق، ص،488

[11] - فرانسيس أنفرى ، مرجع سابق،ص،367 .

[12]- Sergew, H.S ,Op .Cit , P.73.

[13]- Burstein, S, " The Nubian Compain of C.Petronius and George Reisner, second Meroitic Kingdom of Napata, ZAS. 106, 1979, PP. 95-104.,PP.17-18. 

   -  فرانسيس أنفري/ مرجع سابق،ص،367.[14]

[15] - Shinnie,M, Ancient African Kingdoms, Edward Arnold LTD, London,1965,P.30. 

[16]   أسامة عبد الرحمن النور، مرجع سابق،ص، 488

[17]    نفسه،ص، 488

[18] -Kirwan , L.P," the International Position of the Sudan in Roman and Medival Times ",SNR,Vol.40,1959,P.27.      

-[19]يورى م.كوبيسانوف، أكسوم النظام السياسي و الاقتصاد و الثقافة ، القرن الأول حتى السابع ، تاريخ أفريقيا العام ، -الجزءالثاني، اليونيسكو،1985،ص،386؛ أسامة عبد الرحمن النور ، المرجع السابق، ص 488- 489     

[20] فرانيس انفري، مرجع سابق، ص.368  -

[21] -Arkell, A.J,Op.Cit,P.16

[22]-Arkell, A.J, Op.Cit, P.169.

[23]-Hintze,Fr , Preliminary Report of the Butana Expedition ,1958, Kush.Vol.Vll, Khartoum. 1959, P.189 ,ff.

[24]- محمد إبراهيم بكر، مرجع سابق،ص، 215، 216

* - ايروس هو الإسم الإغريقي للإله الأكسومي محرم؛ سامية بشيردفع الله،2005، المرجع السابق ،حاشية ،21 2 ، ص 313 .

[25]- Sayce , A.H , A Greek Inscription of aking (?) of Axum Found at Meroe , Proc.Soc.of Biblica  Arch ,751.31,Humboldt, University-Zu Berlin,1909,PP,189-190; سامية بشير دفع الله،2005،المرجع السابق،ص213      

[26] سامية بشير دفع الله،2005 ،مرجع سابق،ص 213

[27]- Reisner, G.A,1923,JEA,OP.Cit, PP.75-76.

[28]- Tӧrӧk, L, Eide, T; Pierce, H.; Hӓgg, T & Tӧrӧk, L , ed. Fontes History Nubiorum: Textual Sources for the History of the Middle Nile Region Between Eighth Century B.C and the Sixth Century A.D. Bergen: John Greig AS,(3, Vols) 1994, 1996, 1998.,Op.Cit,P.1069.

[29] -  سامية بشير،2005 ،مرجع سابق،ص،313  

[30]- Hӓgg ,T, A New Axumite Inscription in Greek from Meroe – Again.Meroitic, Newsletter 1984.25.PP.45-48 ; Hӓgg.T,1998,FHN,Op.Cit,P.1072.

[31]- سامية بشير دفع الله ،2005، مرجع سابق، ص 314

[32]- محمد إبراهيم بكر، مرجع سابق، ص 217 -

[33] -  سامية بشير دفع الله،2005، مرجع سابق،ص 314

[34]-  Hintze, Fr," Meroe and The Nuba " , Der Antik Sudan,Heft,10. 2000,PP.49-55

[35]- Kirwan .L.P ,’’The Decline and Fall of Meroe’’  ,Kush,8,1960, PP.163-167

[36]- Arkell, A.J,Op.Cit,PP.174,ff.

 [37]- Shinnie,P.L, "The Fall of Meroe" , Kush ,Vol,111.Khartoum,1955,PP.82-85

[38] - Sayce.A.H, "Second Interim Report on the Excavations at Meroe in Ethiopia’’ , LAAA, Vol. IV, 1911, PP. 53-65 ,P.65.

[39] - Ibid,P.65

[40] -  سامية بشير، المرجع السابق،ص، 315-  314 

[41] - Shinnie,P.L, "The Fall of Meroe", Kush, Vol. III, Khartoum, 1955, PP. 82-85  ,PP.82-85

  - * Kirwan, L,P ,1981 , OpCit ,P117 كاسو هو الإقليم المتبقى من المملكة المروية ؛

*     يشير إلى نهر عطبرة بإسم تكازا ؛ سامية بشير دفع الله ،2005 ، مرجع السابق ، حاشية،216،ص315 

*    يشير إلى نهر النيل بإسم سيدا ؛نفسه ،حاشية 216 ، ص  315

 

[42]-Kirwan.L.P,Op.Cit,1960,PP.163-167;Arkell,A.J,Op.Cit,PP.172-173; Shinnie,M,1965,Op.Cit.,PP.30-31;Shinnie,P.L,1967,Op.Cit,PP.52-55;Burstein,S,1977,Op.Cit,PP.87-88

 

[43] -Kirwan,L.P. Axum,Meroe,and the ballana Civilization,in Studies in Ancient Egypt, Aegean and the Sudan,Essays in Honer of Danham,D on the Occasional of his 90thBirthday, June,1980,W.K.Simpson,and W.Davids eds,Boston,1981,PP.115-119,P.11

[44] -Arkell, A.J,Op.Cit,P.171

[45] -Sayce,A.H,"Second Interim Report on the Excavations at Meroe in Ethiopia’’   Axum,Meroe,and the ballana Civilization,in Studies in Ancient Egypt, Aegean and the Sudan,Essays in Honer of Danham,D on the Occasional of his 90th Birthday, June,1980,W.K.Simpson,and W.Davids eds,Boston,1981,PP.115-119      ,LAAA,Vol,Iv.1911,.P.65

[46]- Arkell,A.J,Op.Cit ,Pp.174.ff.

[47]- Ibid,P.174

[48]- Burstein, S,M,1979,Op.Cit,P.94.

[49]- Id,"Axum and the Fall of Meroe" , JARCE,XVlll ,Research Center In                           Egypt,1981,P.48.

[50]- Kirwan,L.P, "The Decline and Fall of Meroe", Kush, 8, 1960, PP. 163-167 ,P.169

[51]- Ibid,P.168;Arkell,A.J,Op.Cit,P.173;Shinnie,P.L,1967.Op.Cit,P.57 .

[52]- Arkell, A.J,Op.Cit,172.

[53]- Ibid"The Fall of Meroe", Kush, Vol. III, Khartoum, 1955, PP. 82-85,P.169

[54]- Shinnie, P.L,1955,Op,Cit,p.82 .                                                        

[55]- Gadallah,F.F,‘’Meroitic Problems and Comperhensive Meroitic Bibllography", Kush, II,1963, P.206.

[56]- Shinnie, P.L,1967,Op.Cit,P.56.

[57]- Arkell, A.J,Op.Cit,P.171.

[58]- Kirwan, L.P,1955,op.cit,P.115.

[59]- Ibid, P.115.

[60]- Arkell, A.J,Op.Cit,P.173 ; Shinnie, M ,1965,Op.Cit ,31.

[61]- Shinnie, P.L,1967,Op.Cit,P.52

أضف تعليقاً

0 تعليقات