نشأة الممالك النوبية

السادس عشر من شهر مايو عام 2018م



 

د. محمد آدم عبد الرحمن

المستخلص:

 تناولت هذه الدراسة، نشأة الممالك النوبية الثلاث: نوباتيا، و مُقُرة، و علوة، و تبدأ بدراسة جغرافية بلاد النوبة من حيث الموقع والحدود ـ وهي الإطار المكاني للدراسة ـ و أقسام بلاد النوبة: النوبة السفلى، و النوبة العليا. و تتطرق الدراسة إلى تاريخ سكان بلاد النوبة من حيث الأصل و التسمية، كما توضح الكيفية التي نشأت بها هذه الممالك، وتبحث في حدث تاريخي مهم في تاريخ الممالك النوبية و هو: اتحاد مملكتي نوباتيا و مقرة اللتين أصبحتا مملكة واحدة، و تناقش أسباب هذا الاتحاد و تاريخه، و آراء الكتاب حول هذا الموضوع الذي أثار الكثير من الجدل في تاريخ السودان.

 

 

المقدمــة

        تعد دراسة نشأة الممالك النوبية في السودان واحدةً من أهم الدراسات في تاريخ السودان الوسيط. وذلك لأن المعلومات المتعلقة بنشأة هذه الممالك شحيحة ونادرة بعض الشيء، والسبب في ذلك هو أن المصادر التي تناولت تاريخ هذه الحقبة من تاريخ السودان، ما هي إلا إشارات متباعدة وقليلة حول قيام ممالك النوبة المسيحية، وربما كان السبب في ذلك يعود إلى أن الكتاب ـ سواء أكانوا مؤرخين أم جغرافيين ـ لم يهتموا ببلاد النوبة كثيراً آنذاك ـ فلربما كانت الأوضاع الأمنية في هذه البلاد في ذلك الوقت غير مُطمئنة ـ أضف إلى ذلك أن بلاد النوبة نفسها لم تكن معروفة لديهم بالقدر الذي يشجعهم على دخولها، وهو ما دفع بعض الكتاب للحديث عن بلاد النوبة من خلال الوصف فقط. لذلك سوف نبدأ الدراسة بتعريف بلاد النوبة جغرافياً لتوضيح الموقع و الحدود.

جغرافية بلاد النوبة :

        يطلق لفظ النوبة على ذلك جزء من وادي النيل، وهو الممتد على جانبي نهر النيل ما بين مدينتي أسوان شمالاً وملتقى النيلين جنوباً. وهي بالطبع الأوطان الرئيسة للنوبيين، وتمتد جنوباً حتى منطقة الدبة وكورتى، (محمد:284) وقد شملت بلاد النوبة في العصور الوسطى أجزاء من وادي النيل الممتد على جانبي النيل قرب أسوان إلى جنوبي التقاء النيل الأبيض والأزرق، وذلك إلى مناطق من حوض النيل الأزرق والأتبرا حتى أطراف الحبشة شرقاً، وإقليم كردفان ودارفور غرباً،(Monneret:156) .

 يصف يوسف فضل الظروف التي نشأت فيها الممالك النوبية المسيحية الثلاث بقوله: تلت ضعف مملكة مروي فترة تدهور وتفكك، قليل جداً ما هو معروف عنها. إلا أن المؤكد أنه ظهرت بعد هذه الفترة ثلاث ممالك نوبية هي: نوباتيا ومُقُرة وعلوة. والدليل حول الظروف التي أدت إلى قيام هذه الممالك متفرق ومبعثر، ويستطرد قائلاً: إن المعلومات التي تصور هذه الفترة جُمعت من مصادر تختلف في طبيعتها وتواريخها. (Hasan:4)

        يعود ما وصلنا من تاريخ الممالك النوبية المسيحية، إلي نصوص عثر عليها في منطقة بلاد النوبة، وقد كانت هذه النصوص مكتوبة إما باللغةِ القبطيةِ أو باللغة اليونانية، أو باللغة النوبية، وإلى إشاراتٍ قليلةٍ في المدونات القبطية، وما ذكره بعض الجغرافيين العرب الذين جاء ذكر النوبةِ في مؤلفاتهم . (Kirwan:1955:57) .وربما لهذا السبب جاءت هذه المعلومات ناقصة أو غامضة في كثير من الأحيان، لأن هؤلاء الكتاب الذين تناولوها في مؤلفاتهم ـ سواء أكانوا من الأقباط أم من اليونانيين أم من العرب ـ تعاملوا معها من واقع الأهمية التي تمثلها بلاد النوبة بالنسبة لبلدانهم التي حكمت مصر في فترات متفاوته. إلا أننا لا نجد من كَتَبَ عن تاريخ النوبة من واقع أنهم مجتمع له تاريخ سياسي واجتماعي وثقافي وديني قائم بذاته ليس له علاقة بمصر، لذلك جاءت المعلومات عن هذه الممالك خالية مما يشير إلى التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي للنوبة، بالتالي لم تمدنا هذه المصادر بالمعلومات الكافية التي تتعلق بقيام ونشأة وتطور هذه الممالك النوبية الثلاث.

        جاء ذكر النوبة عند بعض الكتاب العرب في مؤلفاتهم، فذكرها اليعقوبي في كتابه تاريخ البلدان عندما أورد: إن أول بلاد النوبة من أسوان، الذين يقال لهم مُقرة، فأما من قصد من العلاقي إلى بلاد النوبة الذين يقال لهم علوة. (اليعقوبي:17) ومن الكُتاب العرب الذين تحدثوا عن النوبة، المسعودي، فوصفهم بأنهم أصحاب نجب وإبل وبقر وغنم، وملكهم يستفيد الخيل العتاق، رميهم بالنبل عن قسي غريبة، وعنهم أخذ الرمي أهل الحجاز واليمن وغيرهم من العرب، وهم الذين أسماهم العرب رماة الحدق. وتزعم ملوكهم أنهم من حمير.(المسعودي:382-384) وقد ذكرهم ابن حوقل، عندما تحدث عن حدود أرض النوبة، فقال: إن حد أرض النوبة إلى أرض مصر من نواحي الصعيد، وحد إلى هذه البرية التي بين أرض السودان ومصر.(ابن حوقل:63). كان هذا نموذجاً لبعض الكتاب العرب الذين ورد ذكر النوبة في مؤلفاتهم.

 من الواضح أنه على الأقل بعد هذه الفترة تكونت النوبة من ثلاث ممالك مستقلة، لكل واحدةً منها ملك مستقل، ولم يمنحنا كتّاب القرن السادس الميلادي ـ على أية حالٍ ـ معلوماتٍ محددةً عن هذه الممالك، ومعظم ما جاء عن هذه البلاد من معلومات مستنتج أو مستخلص غالباً من تقديرات مغايرة للكتاب العرب الذين وصفوا هذه البلاد النوبية .(Kirwan:op.cit:58)

التقسيم الجغرافي لبلاد النوبة:

        على الرغم من انكماش أوطان النوبة ـ في وقتنا الحاضر ـ فإن ذلك لا يمنع من دراسة إقليم النوبة بوصفه الجغرافي القديم، لأنه كان موطناً لتلك الممالك النوبية التي لعبت دوراً كبيراً في تاريخ السودان في العصور الوسطى.(مسعد:24) لذلك فإننا ننظر لجغرافية بلاد النوبة من نفس الزاوية التي نظر بها الجغرافيون القدماء لهذه البلاد. وقد قسم هؤلاء الجغرافيون بلاد النوبة إلى قسمين هما:

النوبة السفلى، والنوبة العليا. فقد قامت في النوبة السفلى مملكة نوباتيا، بينما تقع مملكة المقرة وعلوة في النوبة العليا.(فانتيني:23)

وتختلف كل من النوبة السفلى والعليا في المميزات الجغرافية والبيئة، وهذا الاختلاف يقودنا بدوره إلى تحديد الأنشطة التي يتبعها سكان كل إقليم، حيث يدخل المناخ وطبيعة الأرض في تكييف الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لكل إقليم.

1- النوبـة العليـا:

        وهي البلاد التي تمتد في المنطقة التي يلتقي فيها النيلان الأبيض والأزرق إلى دنقلا شمالاً، ويمتاز هذا الوادي باتساع الحياض التي تساعد على زراعة المحاصيل بعد موسم الفيضان.(Tothill:744) وقد أثّر وقوع هذا الإقليم على الحافة الصحراوية على مناخه، حيث تتضاءل فيه كميات الأمطار السنوية إلى درجة كبيرة، ونلاحظ ذلك كلما اتجهنا شمال الخرطوم، حيث يتناقص معدل الأمطار السنوية، فهي في منطقة الخرطوم مثلاً 163ملمتراً سنوياً، وذلك على وجه التغريب، وفي عطبرة 75 ملمتراً سنوياً، ومن ثم يزداد الجفاف شمالاً فتنخفض كمية المطر السنوي في كريمة إلى 25 ملمتراً سنوياً.(Ibid:740)

2- النوبـة السفلـى:

        تمتد النوبة السفلى من الشلال الثانى جنوباً، حتى الشلال الأول شمالاً، وهذا الجزء من بلاد النوبة أكثر فقراً من النوبة العليا، ففي موسم ارتفاع المناسيب يبدو النهر منحصراً بين حائطين جبيلين شديدي الانحدار، ويبدو هذان الحائطان عموديين في بعض المواضع، وتشرف على النهر مباشرة بعض الثغرات التي تمثل فتحات الخؤور والوديان التي تنساب إلى النهر من الجانبين الشرقي والغربي، وعند انخفاض مناسيب النهر ينحسر النهر في شريط ضيق، يظهر النهر هنا وهناك في أحد الجانبين، وفي هذا الشريط يكثر النخيل وتحيط به القرى الصغيرة، حيث تباشر زراعة أراضٍ ضيقة تقع على ضفاف النيل. ويعد هذا الإقليم ـ وقد بدأ فقره ـ موطناً من مواطن العزلة التي يعبر عنها العلماء بأنها مناطق طاردة.(مسعد:مرجع سابق:5-6). وبناءً على هذه المعطيات الجغرافية انقسم المجتمع النوبي إلى قسمين: استهدف القسم الأول الزراعة ـ وهؤلاء هم من سكنوا في أماكن هطول الأمطار الغزيرة التي تسمح بنجاح الزراعة على أراضيها ـ أما القسم الثاني فقد كان يمارس حرفة الرعي، وهؤلاء هم سكان الصحراء أو المناطق الصحراوية الجافة ـ التي تقع على جانبي الشريط النيلي ـ الذين اهتموا بتربية الحيوان؛ إلا أنه لم يطرأ تغيير ظاهر على بيئة بلاد النوبة الطبعية، عدا ما تناولته يد الإنسان بالتعديل أحياناً، وبالتهذيب أحياناً أخرى.(Kirwan:1953:103) وقد ساعدت الساقية ـ التي دخلت بحلول القرنين الأول والثاني الميلاديين ـ في زيادة الكثافة السكانية، وذلك بزراعة أراضٍ واسعة في الإقليم. (Adams:1981:2)

 

تاريخ بلاد النوبه

أصول تسمية بلاد النوبة:

عرفت منطقة وادي النيل في فترة العصور الوسطى باسم بلاد النوبة، فما هو مصدر هذه التسمية؟ ومتى ظهرت؟ وكيف؟

        ليس هنالك من الوثائق ما يشير إلى ظهور كلمة نوبة قبل العصر البطلمي في مصر(323-30 ق.م) وأول من أشار إليها هو إراتوسثنيوس (Eratosthenes) الجغرافي اليوناني أمين مكتبة الإسكندرية (276-199 ق. م) وذلك عندما تحدث عن النيل في عام 200ق م.(مسعد:مرجع سابق:7) ثم بعد ذلك جاء ذكرها عند إسترابو(25 ق.م (Strabo الذي ذكر: أن النوبيين بأقسامهم المختلفة يمثلون وحدة مستقلة عن سلطان ملك مروي في الجنوب، وأنهم يسكنون الضفة الغربية للنيل.(Strabo:7) ثم جاء ذكرهم عند المؤرخ الرومانى بلينى ((Pliny الذي عاش في القرن الأول الميلادي، وقد ذكر أن النوبيين يعيشون في بلاد تقع على مسيرة ثمانية أيام من جزيرة سمبريتا (Sembaritae) وأن إحدى مدنهم المهمة تسمى تنبوسيس Tenupsis)) .(Pliny:138) ثم ورد ذكر النوبة بعد هؤلاء عند الجغرافي بطليموس الذي عاش في القرن الثاني الميلادي و ذلك عندما قال: إن النوبيين يعيشون على طول الضفة الغربية للنيل، وفي جزيرة مروي، وبعض الجزر المنتشرة في النيل،(Ptolemy:86) وقد تحدث المؤرخ بروكوبيس 545م عن النوبة، و ذكر هذا المؤرخ أن سكان بلاد النوبة هم النوباتيون (Nobatae) الذين كانوا يسكنون واحة الخارجة، الواقعة داخل الصحراء الغربية في القرن الثالث الميلادي.(Procopius:193) كما ورد ذكر النوبة في نقش الملك الأكسومي عيزانا Ezana) ) في منتصف القرن الرابع الميلادي أي حوالي عام 350م، ويتحدث هذا النقش عن حملة قام بها هذا الملك ضد مملكة مروي، و ذكر أن النوبيين كانوا يحتلون جزءاً من جزيرة مروي، وكانت لهم مدن على طول النيل.(Kirwan:1960:163-167)

يعتقد ماكمايكل (MacMichael) أن العرب اتخذوا هذه الكلمة التي استخدموها في مصر للإشارة بصورة جماعية إلى الشعوب التي تعيش جنوب الشلال الأول، وبالنسبة لتمييز علم الأجناس أن هولاء كانوا قلة متوحدة.(MacMichael:12)

إلا أن اسم نوبة هذا ظل يكتنفه الغموض في تحديد معناه تحديداً دقيقاً، فقد أرجعه البعض إلى أنه تحوير لكلمة نبو (Nbw) وهي الكلمة المصرية القديمة التي تعني الذهب، نظراً لما لتلك البلاد من شهرة واسعة بهذا المعدن، وقد حمل حاكم بلاد النوبة من قبل الفرعون لقب حاكم بلاد ذهب أمون (Imy-r h3swt nbw n Imn).(فرمان:19-20). يشير مصطلح النوبة اليوم إلى تعريف ضيق ينطبق على المنطقة التي يقطنها الشعب الذي يتحدث باللغة النوبية الحديثة. وأهلها يسكنون المنطقة الواقعة بين كبانية (Kubanya)، إلى الشمال من أسوان حتى منطقة الدبة (Debba) وينقسمون إلى ثلاثة أقسام ولكل قسم لهجته الخاصة به، وهم:

 1/ الكنوز في الشمال

 2/ الدناقلة في الجنوب

 3/ والمحس و السكوت بينهما.

 والجزء الشمالي من هذا الإقليم بين الشلال الأول والثاني ينطبق على النوبة السفلى مع النوبة العليا الواقعة نحو الجنوب، ويفصل بين الاثنين منطقة غير مضيافة ومنفرة وهي منطقة بطن الحجر، ( ( Batn el Hagar .(Welsby:7)

نلاحظ مما سبق ذكره أن هذا الاسم أطلق على المنطقة الواقعة جنوب مصر ـ وهو الأمر المؤكد. لكن ما ليس مؤكداً هو معنى هذا الاسم، هل هو اسم جغرافي تسمت به المنطقة و من ثم سكانها فأصبحوا يحملون اسماً واحداً هو النوبة؟ أم أن هذا الاسم هو اسم لقبائل كانت تقطن هذه البلاد، ومن ثم تسمت البلاد باسم هذه القبائل وأصبحت تحمل اسم بلاد النوبة؟. والباحث يرجح الخيار الأول بأن هذا الاسم يحمل مدلولاً جغرافياً نسبة للمعطيات السابقة التي تؤيد ذلك.

أصل النوبيين وهجرتهم إلى وادي النيل:

اختلف العلماء كثيراً حول أصل النوبيين ومن أين جاؤوا؟ كما اختلفوا أيضاً في تاريخ هجرتهم إلى بلاد النوبة.

        ينتمي سكان بلاد النوبة ـ على ما يعتقد ـ إلى الجنس الحامي، الذي ينتمي إليه سكان شمال إفريقيا. واصطلاح حامي هذا ورد في أنساب التوراة في الإصحاح العاشر من سفر التكوين الآيات من 21 إلى31 وهو إصحاح يسجل الصلات بين الشعوب المختلفة التي كان يعرفها كتابه، يسجلها في صورة سلسلة أنساب تنحدر من أبناء نوح عليه السلام، حين أشارت إلى أن أبناء نوح عليه السلام ثلاثة هم: سام، حام، ويافث، وهم من ولدوا له بعد الطوفان، تعددت ذريات هؤلاء الأبناء الثلاثة، حين أشارت التوراة إلى أبناء يافث هم جومر وماجوج وغيرهم، وأبناء حام هم كوش ومصرايم وقوط وكنعان ومن ذريتهم خرج نسل كثير.(فرمان:مرجع سابق:27) وربما كان كوش المذكور هنا هو كوش جد الكوشيين الذين انحدر منهم سكان بلاد النوبة منذ أقدم العصور.

وقد خرج لنا العلماء بأبحاث وآراء متعددة ومتضاربة حول أصل النوبيين، هل هم عنصر دخيل فرض ثقافته على شعوب سبقته على هذه الأوطان؟ أم أنهم شعب أصيل في أوطانه؟ أم أنهم في الأصل قوقازيون حاميون؟ أم أقوام من الجنوب وتغلب عليهم الصفات الزنجية.(مسعد:مرجع سابق:11و14)

        تضاربت الآراء حول أصل النوبيين، فمنها ما يقول: إنهم نتاج لهجرة من جبال كردفان إلى وادي النيل تدريجياً على مدى قرون، وأهم إثبات لهذا الرأي هو التشابه والاتصال بين لغة النوبيين من دار المحس ودنقلا ولهجات مختلفة عند أهالي جبال النوبة وبعض مناطق دارفور. ويقول الرأي الآخر: إن النوبيين هاجروا إلى وادي النيل قادمين من ليبيا عبر الصحراء الكبرى.(فانتيني:مرجع سابق:27). (انظر الخريطة رقم 2)

خريطة رقم (2)

هجرات وغزوات القبائل النوبية في وادي النيل

المصدر: Adams,1977,P.384,Fig 62

 

والواقع أن أصحاب الرأي الذي حاول إثبات أصل النوبيين من الناحية اللغوية قد وقعوا في خطأ كبير عندما بنوا نظرياتهم المتعلقة بأصل النوبيين على معايير لغوية، وبذلك حدث خلط بين النوبيين وبين النوبا في جنوب كردفان.(محمد:مرجع سابق:278) ونسبة لأهمية هذا الموضوع واللبس الذي يقع فيه الكثير من الباحثين رأينا ضرورة أن نوضح الفرق بين النوبين في شمال السودان وبين النوباويين في غرب السودان.

        يعد نوبة شمال السودان شعباً قديماً عريقاً في القدم، لازموا أوطانهم الحالية في الشمال بضعة آلاف من السنين، وقد نزل العرب ديارهم وخالطوهم وصاهروهم، فأضيف النسب العربي الجديد إلى النسب النوبي القديم، وظل النوبيون على الرغم من ذلك متمسكين بثقافتهم ولغتهم الخاصة التي كتب عنها الكثيرون ممن أشاروا إلى اتصالها بلغات تشبهها من قريب أو بعيد في جهات أخرى من حوض النيل، لكن هذه البحوث اللغوية تعد واحداً من أكبر الأسباب التي أوقعت العلماء في الكثير من الأخطاء، لأنهم بنوا آراءهم على أسس لغوية قادتهم إلى الوقوع في الخلط بين الشعب النوبي في الشمال وبين الجماعات التي يطلق عليها اسم (النوبا) سكان الجبال الواقعة في جنوب كردفان. لكن شعب النوبة قديم وكذلك اسم النوبة، أما النوبا ـ اسماً لسكان جبال كردفان الجنوبية ـ فلا يعرفه السكان أنفسهم، وهم يدعون أنفسهم أحياناً بسكان الجبال، ولكن التسمية السائدة هي أن كل شعبة تسمى باسمها الخاص، دون أن يكون هنالك اسم شامل لجميع سكان الجبال، كما أن السلالة النوباوية تختلف عن السلالة النوبية أشد الاختلاف، فالنوبيون شعب قوقازي، بينما سكان الجبال تغلب عليهم الصفات الزنجية. (Seligman:598)

        يتضح من خلال هذا التضارب والتباين ـ في آراء العلماء حول أصل النوبيين ـ غموض تاريخ النوبة الاجتماعي. ولعل ما سبق ذكره من الخطأ الذي وقع فيه من بنوا آراءهم على معايير لغوية ـ أن اسم النوبة في العصور الوسطى يحمل مدلولاً جغرافياً وليس عرقياً ـ يجعلنا نقول: إن هذا الوضع يوضح لنا أن نوبا ـ  في منطقة الجبال ـ هنا تعني جنساً وليس مكاناً، ويتضح ذلك من تقسيم قبائل النوبا المعروفة لدينا، لذلك يمكننا القول بأن النسب لكلمة نوبة بالنسبة لقبائل شمال السودان هو نسب جغرافي مكاني، أي أن المكان هو بلاد النوبة، وتسمت به القبائل التي تسكنه، أما نوبة جبال كردفان ينتسبون لهذا الاسم عرقياً وهو اسم القبيلة، وتسمت به منطقة جبال النوبة.

        وسكان النوبة في الوقت الحالي ربما امتد وجودهم على طول ضفاف النيل من أسوان إلى أقصى الجنوب بالقرب من الغابة والقدار، ويعرفون عموماً في الشمال بالبرابرة وفي الجنوب بالدناقلة سكان دنقلا. و استخدام مصطلح البرابرة يشمل كذلك الكنوز الذين يسكنون بين أسوان وكرسكو و أولئك الذين سوف نراهم يكونون العنصر المتميز، وهنالك نوبة حول حلفا وهم السكوت والمحس. و امتد الدناقلة بالقرب من جزيرة أرقو.(MacMichael:op.cit:13)

 

نشأة مملكة نوباتيا

        تقع مملكة نوباتيا ما بين الشلال الأول بأسوان حتى آخر منطقة الشلال الثاني المعروفة ببطن الحجر، (فانتيني:مرجع سابق: 23) وهذه المملكة أطلق عليها بعض الكتاب العرب اسم المريس.(المسعودي:مرجع سابق:336). ويرى مونريه دي فيار أنها تمتد من أسوان إلى قرية عكاشة جنوباً، جنوبي الشلال الثاني وعاصمتها بخراس (فرس)،(Monneret:op.cit:156) وبخراس هو الاسم القديم لعاصمة مملكة نوباتيا،(Michalowski:1967:49) و أحياناً بجراش التي تبلغ حدودها ـ كما جاء عند ابن حوقل ـ من حد أسوان شمالاً إلى آخر بلدة المقرة (ابن حوقل:مرجع سابق:23). وتمتد في مساحات شاسعة، ويخترقها النيل حتى حدود مصر ناحية الشمال.(نفسه:73) وكانت أول بلاد النوبة من هذه الناحية بلدة تعرف بالقصر، وتبعد عن أسوان مسافة خمسة أميال إلى الجنوب.(الأسواني:91).

        نشأت مملكة نوباتيا في منطقة النوبة الشمالية التي تشمل المنطقة الواقعة بين الشلالين الأول و الثاني، وقد برزت إلى حيز الوجود بعد سلسلة من الصراعات بين البلميين (البجة) و النوباتيين، ورجحت آخر الأمر كفة النوباتيين الذين دفعوا البلميين إلى الصحراء الشرقية. (ميخالوفيسكي:329). واتخذت هذه المملكة عاصمتها في مدينة فرص، التي كان يطلق عليها قديماً اسم بخوراس((Pachoras (أبو المكارم:120).

 نتج عن هذا الصراع الذي دار بين البلميين والنوباتيين ظهور الملك النوباتي سلكو (Silko) الذي تصدى للقبائل البلمية وليس لدينا من الوثائق الخاصة بجهود هذا الملك ضد هؤلاء البلميين إلا وثيقةً واحدةً تتمثل في النقش الذي تركه محفوراً على أحد جدران معبد كلابشة تخليداً لانتصاره على البلميين. (Adams:1977:422) وقد كتب هذا النقش بلغةٍ إغريقيةٍ ركيكة. (Welsby:op.cit:21) ولأهمية هذا النقش فإننا نورد فيما يلي جزءاً منه وردت فيه بعض العبارات التي استند عليها بعض العلماء في استنتاج معلومات مهمة عن تاريخ هذا الملك و قيام دولته. يقول النقش:

 "أنا الملك سلكو، ملك النوباتيين وكل الإثيوبيين، ذهبت إلى تلميس وتفيس مرة. تحاربت مرتين مع البلميين ومنحني الإله النصر. وبعد المرة الثالثة مرة واحدة، قهرتهم وجعلت نفسي سيداً على مدنهم، لقد سيطرت عليهم هناك بقواتي. وقد توسلوا لي وعقدت السلم معهم. وأقسموا لي بحق آلهتهم ووثقت بقسمهم، إنهم كانوا رجالاً شرفاء. ثم قفلت راجعاً إلي بلادي العليا. أما فيما يخص أولئك الذين ناهضوا معهم، فإني لم آذن لهم بالإقامة في موطنهم الخاص، إلا بعد أن يبجلوني ويدفعوا لي الجزية. ذلك أنني في بلادي السفلى أسد، ودب في البلاد العليا. لقد تحاربت مع البلميين من برم (قصر إبريم) إلى تالميس (شلال) مرة واحدة نهائية، وحاربت الآخرين جنوب نوباتيا. أغرتُ على أراضيهم ودمرتها لأنهم تحاربوا معي. إن سادة الأمم الأخرى الذين يتحاربون معي، لا أسمح لهم بالجلوس في الظل إنما خارجاً في الشمس، ولا يمكنهم أن يأخذوا شربة ماء في مساكنهم الخاصة، أما أولئك الذين يعادونني فإني أحرمهم نساءهم وأطفالهم" (Vantiny:17).

        من خلال النقش يظهر لنا أن الملك سلكو حضر مرتين إلى كلابشة وتافه، وحارب البلميين في موقعتين، إلا أنه أحرز عليهم النصر الحاسم في الموقعة الثانية، التي استولى فيها على مدنهم، ثم أقسموا بآلهتهم بيمين الطاعة والولاء للملك سلكو، فصالحهم ثم عاد إلى الأجزاء العليا من مملكته ليقضي على حركات العناصر المعادية له من بين النوباتيين، ثم اضطر للعودة لشن حرب جديدة ضد البلميين، فاكتسح أراضيهم وطاردهم من إبريم حتى الشلال الأول، واستطاع هزيمتهم. (Monneret:op.cit:56-57) و يبدو أن البلميين بعد أن تم طردهم على يد الملك سلكو اتجهوا إلى أوطانهم الأصلية بالصحراء الشرقية، ومن ثم أخذوا ينظمون حياتهم الجديدة في الصحراء بالسيطرة على وسائل النقل والتجارة. (Ibid:59) ونتج عن هذا الوضع أن تمكن سلكو من احتلال كل من تافه وكلابشة، اللتين لم يتح لملك نوبي من قبل أن يستولى عليهما منذ أن احتل البلميون هذه المنطقة أواخر القرن الرابع الميلادي، كما تمكن سلكو أيضاً من القضاء على منافسيه من زعماء النوبة، و ربما كان لهذا السبب أن أطلق على نفسه لقب ملك النوباتيين. (Budge:273)

        مارس النوباتيون بعد انتصارهم على البلميين سياسة مستقلة، وحصنوا مراكزهم في بلادهم وتوسعوا ناحية الجنوب، ثم بدأ اتصالهم بالرومان الذين شجعوهم على محاربة حلفائهم القدامى من البلميين وطردهم من وادي النيل. (Monneret:op.cit:56-57) تمثل السياسة التي اتبعها سلكو مع الرومان موقفاً دبلوماسياً حكيماً، لأنه في هذا الوقت كان على رأس دولة ناشئة أي في طور التكوين، وما أحوجه إلى مساعدة دولة عظمى مثل روما، وربما دفع هذا الوضع الملك سلكو أن يتخذ مثل هذا القرار، و هو مسايرة الرومانيين. و يمكننا أن ندرس هذه العلاقة الودية مع الرومان من واقع أحوال الدولة الرومانية نفسها التي كانت في أمس الحاجة لمساعدة الملك سلكو للقضاء على أعداء الرومان المتمثلين في البلميين، الذين كانوا يسببون الاضطرابات الأمنية على الحدود الجنوبية. و من واقع هذه الأعمال والنشاطات الحربية التي قام بها الملك سلكو، يمكننا أن نعده المؤسس للمملكة النوبية في إقليم نوباتيا. لكن هذه الحرب لم تكن الأخيرة بين الجانبين، إذ يبدو أن الصراع بين النوباتيين والبلميين قد عاد مرة أخرى في هذه الفترة، إذ كانت هناك محاولات جادة من الإمبراطور البيزنطي جستنيان (527-565م) للقضاء على الوثنية في فيلة، التي كانت تعد كعبة البلميين الوثنيين، ولكن كيف السبيل إلى تحقيق هذه الغاية ومنطقة النوبة السفلى الشرقية من الشلال الأول حتى إبريم، كانت تحت سيطرة البلميين الذين كانوا يتحكمون في الطرق المؤدية إلى فيله؟. (مسعد:مرجع سابق:39). لذلك سعى هذا الإمبراطور إلى التقرب من النوباتيين ليشجعهم على محاربة البلميين، كي يتمكنوا من طردهم من وادي النيل.

        يذكر يوحنا الأفسوسي في كتابه (التاريخ الكنسي) أن النوباتيين كانوا يسكنون إلى الجنوب من أسوان، وتشير الوثائق القبطية، إلى أنهم مؤسسو المملكة المسيحية في الشمال التي سميت باسم نوباتيا. (Kirwan:1937:55) يرى كيروان أن النوباتيين هؤلاء هم الذين أغاروا على مروي بعد الغزو الأكسومي، ثم تكون منهم بعد ذلك الحلف المروي النوبي تحت زعامة سلكو. (Ibid:43)

        نستطيع أن نستنتج، أن مملكة نوباتيا برزت إلى الوجود بعد سلسلة من الصراعات المتواصلة بين النوباتيين و البلميين، وفي بعض الأحيان مع الرومان أنفسهم، ثم إننا نلاحظ أن النوباتيين قد استفادوا كثيراً من الدعم والتشجيع الذي وجدوه من الأباطرة الرومان ـ ومن بعدهم البيزنطيين ـ لمحاربة البلميين الذين عانوا منهم كثيراً، و على هذا النحو نشأت مملكة نوباتيا النوبية.

 

نشأة مملكة مُقُرة

        قامت هذه المملكة إلى الجنوب من مملكة نوباتيا، وامتدت رقعتها حتى مروي القديمة.(ميخالوفيسكي:مرجع سابق:332) و تمتد حدودها ما بين الشلال الثاني والشلال الخامس بالقرب من مدينة بربر (فانتيني:مرجع سابق:23). وقد جعل المقريزي حدها الشمالي عند بلدة اسمها ماوا،(المقريزي:191) على حين جعل المسعودي حدها الشمالي في منطقة طقرة عند أسوان،(المسعودي:مرجع سابق:337) وكانت عاصمة هذه المملكة، في مدينة دنقلا العجوز، التي تقع في مرتفع صخري على الضفة الغربية للنيل، وبذلك امتازت دنقلا بموقع جغرافي مميز، وذلك لوقوعها بين الشلالين الثالث والرابع. (Godlowski:1998:53) وقد بلغت الحدود الجنوبية لمملكة المقرة، إلى ما بعد انحناءة النيل الكبرى، بحيث تشمل منطقة أبو حمد- بربر، وتنتهي جنوباً عند حد الأبواب.(Crawford:25) و أول بلدة على حدودها الشمالية، قرية تعرف باسم تافه، على مرحلة من أسوان.(الأسواني:مرجع سابق:99)

        وكانت هذه المملكة تقع إلى الجنوب من مملكة نوباتيا جنوباً من منطقة الأبواب في منطقة كبوشية، وقد أطلق على هذه المملكة مُقُرة. .(ميخالوفيسكي:332) ولعل السبب في اختيار دنقلا لتكون عاصمة للمملكة، هو موقعها الجيد، حيث تقع على الضفة اليمنى للنيل. (الإدريسي:129).يبدو أن دنقلا كانت بمثابة حصن استراتيجي ومركز إداري مهم، كما يبدو أنها تأسست على بقعة غير مأهولة من قبل، وتطورت في وقت سابق في النصف الثاني للقرن الخامس الميلادي. لذلك يمكننا افتراض أن دنقلا أصبحت المركز الرئيس بظهور مملكة مُقٌرة في أواخر القرن الخامس الميلادي، حيث كانت تتميز بموقع جغرافي جيد بين الشلالين الثالث والرابع. (Godleweski:op.cit:53-54)

        هنالك آراء تقول بأن نشأة مُقُرة ترجع إلى منطقة الشلال الرابع، حيث توجد حصون وقلاع عديدة شُيّدَت أغلبها على الضفة اليمنى للنهر، و يمكن رصدها بدءاً من السويقي الشرقية قرب جبل الكليدوب، وتقابلها على الضفة الأخرى قلعة السويقي الغربية التي توجد بالقرب من قرية دار العرب. تتجلى عبقرية النوبيين الدفاعية في أبهى صورها عند هاتين القلعتين حيث شُيدتا كلتاهما فوق ربوة صخرية على خانق يضيق فيه النيل كثيراً، ويجرى النهر بين جنادل تنتشر على نحو كثيف بين القلعتين، الأمر الذي لا يمكن للمراكب و الحراريق (السفن) المعادية من العبور بيسر، وبذلك تقع بين سندان الجنادل وسهام المدافعين. وكلتا القلعتين لا تبعدان سوى بضعة أميالٍ عن موقع سد مروي على النيل.(Wiewiora:178) و ربما يرجع تأسيس مدينة دنقلا إلى أن الحكام النوبيين اتخذوا منها مقراً لهم، وقد ساعدت علاقة هؤلاء الملوك الجيدة مع الأباطرة البيزنطيين، في تطوير هذه المدينة من واقع الأعطيات التي كان يمنحها هؤلاء الأباطرة البيزنطنيين لحكام النوبة مقابل ولائهم، ومن المحتمل أن السبب في هذا الاهتمام البيزنطي بهذه المنطقة لدواعي أمنية نتيجة لغزو قبائل البلميين لحدود مصر، لذلك حاول البيزنطنيون كسب ود أهل مُقُرة ليساعدوهم ضد البلميين و النوباتيين. (Ibid:54)

        الدليل الذي يؤكد أن هذه المملكة كانت قائمة منذ القرن الخامس الميلادي، هو دليل أثري يتمثل في المبني الذي عثرت عليه البعثة الآثارية البولندية في دنقلا العجوز عام 1964م، وهو عبارة عن قصر ملكي، يعود تاريخه إلى القرن الخامس الميلادي. (Michalowski:1966:189-190) وهذا الكشف الآثري يعد دليلاً كافياً على وجود مدينة دنقلا العجوز قبل تاريخ القرن السابع الميلادي. (Godlewski:2003:99-104)

 يقول ابن سليم الأسواني: "إن مُقُرة هو جنس، كانوا يقيمون على النيل، وينتمون إلى جدهم مقري وهو من اليمن من حمير، ويرى أهل الأنساب أنهم جميعاً من ولد حام بن نوح". (الأسواني:مرجع سابق:99)

        من خلال المعلومات المتوافرة لدينا ـ والمتعلقة بتطور الأقاليم التي تقع إلى الجنوب من مملكة نوباتيا ـ ليس ثمة ما يوضح الكيفية التي تطورت بها هذه الممالك، لذلك لا يمكننا أن نعرف شيئاً عن التغيرات والتطورات داخل دولة مُقُرة وعلوة، على عكس ما هو الحال بالنسبة لنوباتيا، التي وجد بها العديد من المعالم الآثرية التي أفادت في دراسة تاريخها، مثل المدافن. يمكننا أن نستنتج أن الظروف التي نشأت فيها مملكة مُقُرة شبيهة إلى حد ما بظروف نشأة مملكة نوباتيا. و حول نشأة مملكة مُقُرة يرى محمد مهدي إدريس، أن الدول تنشأ لمقتضيات داخلية في المقام الأول، وإن قيام ممالك النوبة الثلاث في أواخر القرن الخامس الميلادي و أوائل القرن السادس الميلادي تطور طبعي، وهو نتيجة لتطورات متداخلة سياسياً و اجتماعياً و اقتصادياً، تجمعت بموجبها المشيخات الناتجة عن ضعف مروي بين الشلال الرابع ودنقلا ما أدى لميلاد مُقُرة. (إدريس: 245)

 

نشأة مملكة علوة

        تمتد حدود مملكة علوة ما بين الشلال الخامس إلى ملتقى النيلين، وربما جزء من الجزيرة (فانتيني: مرجع سابق:23) وهي تقع على ضفة النيل أسفل مدينة دنقلا وبين المدينتين مسيرة خمسة أيام في النيل، (الإدريسي: مرجع سابق:129) و امتدت حدودها الشمالية حتى منطقة الأبواب، وكانت عاصمتها في مدينة سوبا التي تقع على الضفة اليمنى للنيل الأزرق.(الأسواني:مرجع سابق:102) إلى الجنوب من الخرطوم، (Kirwan:1935:op.cit:62) وقد حدد مونريه موقع منطقة الأبواب هذه، بالإقليم المحازي للنيل من نقطة التقائه بنهر أتبرا، إلى منطقة الشلال الرابع،(Monneret:op.cit:153) بينما يرى كيروان Kirwan، أن حدود مملكة علوة، تمتد من كبوشية في الشمال، على الأقل حتى مدينة سنار 170 ميلاً جنوب الخرطوم، غير أن واحداً من الكتاب العرب أو غيرهم لم يعطِ صورة واضحة لمدى اتساع هذه المملكة، أو يعين لبقية جهاتها حدوداً جغرافية وأضحة. ((Kirwan:op.cit:62 و يتضح مما سبق ذكره، أن: هذه الممالك النوبية احتلت وادي النيل من الشلال الأول في أقصى الشمال، إلى مقاطعة سنار على النيل الأزرق أقصى الجنوب على الأقل.(Welsby:op.cit:8)

        أما عن التطورات السياسية التي أدت مباشرة إلى نشأة مملكة علوة، فالوضع المعرفي هنا ـ من حيث وفرة المعلومات في المصادر ـ نجده أكثر غموضاً مما هو متاح عن المملكتين السابقتين، بل إن مكان العاصمة في هذه المملكة ظل حتى العهد المسيحي المبكر ضمن مواقع الغموض في تاريخ مملكة علوة، وهذا يتناقض جوهرياً مع وضوح دور فرص ودنقلا بصفتهما عاصمتين للمملكتين السابقتين قُبيل بداية تحولهما إلى المسيحية. هناك مدينتان في هذا الجزء من بلاد النوبة ربما كان لكلتيهما دور تاريخي مميز في الفترة التي أعقبت انهيار مملكة مروي، هما: مروي وسوبا.(إدريس:مرجع سابق:245)

لكن من خلال الدراسات التي قام بها الفرنسي باتريس لونبل (P.Lenoble)، يبدو أن قيام مملكة علوة ارتبط بشكلٍ وثيقٍ بتدهورِ و زوالِ مملكةِ مروي، و يرى باتريس لنوبل أن تاريخ سقوط مروي في القرن الرابع الميلادي أصبح من المسلمات التاريخية، لكنه لم يمل إلى فكرة زوال مروي، حيث يرى أن الوجود المروي ظل باقياً خلال الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلاديين، إلى أن جاءت نهايتها بظهور ممالك النوبة الثلاث، واعتماداً على نتائج حفرياته في الهوبجي، خَلُصَ لـنوبل إلى أنه: نشأت كياناتٌ سياسية مروية في شكلِ مشيخاتٍ عديدةٍ نتيجةً لتفكُكِ المملكةِ المرويةِ، منها الإمارة التي دُفن زُعماؤها في الهوبجي. وبذلك ينسب مقابر: بلانا، وقسطل، وغيرها، من المدافن التي على هيئة أكوام ترابية كبيرة لأصحاب كياناتٍ سياسيةٍ انشطرت لحظة انهيار مروي، إلى جانب المشيخات النوبية المفترضة في العشرة، تنقاسي (Lenoble:93-120) وغيرها من الموقع التي تكثر فيها قبور الفترة ما بعد المروية.

        تعد مملكة علوة المملكة النوبية الثالثة، وكانت عاصمتها في سوبا التي تقع على النيل الأزرق.(Hasan:op.cit;5) وقد وردت أول إشارة لمملكة علوة، في نقش الملك المروي نستاسن (Nastasen 328-308 ق.م) في السطر رقم 24 وقد وردت على هذا النحو Âlute.(Budge:1912:150) ثم ورد ذكرها بعد ذلك في نقش الملك الأكسومي عيزانا الذي وصف فيه حروبه مع النوبة، حيث ذكر أنه كانت من ضمن مدنهم المشيدة من الحجر و الطوب الأحمر مدينة علوة و دارو، وفي واقع الأمر إن الاسم علوة يطلق على كل البلاد الواقعة على ضفتي النيل الأزرق و إقليم الجزيرة، و ـ إلى حدٍ ما ـ على تلك التي تقع إلى الشمال من منطقة ملتقى النيلين، وقد أُطلق اسم علوة إبان العصور الوسطى على الحدود الجنوبية للمملكة المسيحية الشمالية، أما دارو فقد كانت تقع إلى الجنوب من علوة. (Kirwan:1960:op.cit:167-168)

        يقول ابن سليم الأسواني، إن سوبا كانت حاضرة ملك علوة، وهي تقع: شرقي الجزيرة الكبرى بين البحرين الأبيض والأزرق في الطرف الشمالي من الجزيرة عند التقاء النهرين (الأسواني:مرجع سابق:102) ويقول مونريه: إنه ليس من المستبعد أن الأسرة المالكة النوبية ترجع في أصلها إلي جنوبي الجزيرة العربية، حيث نقل المهاجرون منها إلي السودان أسماء أجدادهم مثل : كوه، دارو، سبأ، ولا يستبعد أن تكون الأخيرة حرفت إلى سوبا عاصمة مملكة علوة النوبية التي قامت في القرون الوسطى(Monneret:op.cit:171) . وقد أطلق اليونانيون على سكان هذه المملكة اسم الوديا(Alodia) وهي علوة (Ibid:156).ويرى اليعقوبي أن علوة هو اسم لفرع من فروع النوبة.

        ذكر بعض الكتاب العرب علوة في العديد من المواقع، وذلك عندما ذكر المسعودي واليعقوبي: أن النوبة جزآن: جزء كان في شرق النيل وآخر كان في غربه، واتسعت مساكنهم على شاطئ النيل، وكانت عاصمتهم مدينة دنقلا. و الفريق الآخر من النوبة يقال لهم علوة، وحاضرة ملكهم سوبا (المسعودي:مرجع سابق:50). كما ذكر ذلك ابن حوقل حينما قال: إن مملكة علوة كانت من أعمر بلاد النوبة، وبها العديد من القرى، و تتوافر بها كثير من المياه لاتصال هذه القرى بالنيل عن طريق السواقي(ابن حوقل:مرجع سابق:73). والمعروف أن هذه المملكة نشأت على أنقاض مملكة مروي بعد سقوطها في القرن الرابع الميلادي، وتقع هذه المملكة على نهر سيدا (النيل) جنوبي التقائه بنهر تكازي Takkazi (أتبرا) (Kirwan:1960:op.cit:167-168).

و قد وصف أبو صالح الأرمني مملكة علوة بأنها مملكة عظيمة جداً، وبها جيش كبير وقوي، وبها أعمال متسعة (الأرمني:138). وقسمت هذه المملكة إدارياً إلى أقاليم، وكان كل إقليم من هذه الأقاليم يحكمه ملك صغير تابع للملك الكبير في سوبا (Monneret:op.cit:148). وأشهر هذه الأقاليم، إقليم الأبواب الذي عرف ملك هذا الإقليم باسم الرحراح، وكانت مملكة الأبواب هذه هي الحد الشمالي لمملكة علوة الذي يقع إلى الجنوب من النقطة التي يلتقي فيها نهر أتبرا بالنيلMacMichael:183)).

        تشير هذه المعلومات إلى أن قيام مملكة علوة سابق للقرن الرابع قبل الميلاد، والدليل على ذلك أن الملك الأكسومي عيزانا عندما أرسل جنوده لغزو بلاد النوبة ذكر من ضمن المدن التي سقطت في أيديهم مدينة علوة. وهذا الحدث أي غزو الملك عيزانا مؤرخ له بحوالي منتصف القرن الرابع الميلادي، إذن وبما أن علوة مذكورة في نقش عيزانا فهذا يدل على أنها كانت قائمة قبل هذا التاريخ بفترة ليست بالقصيرة، وهذا يؤكد قيام مدينة علوة في تاريخ سابق لغزو عيزانا، لكننا لا نعلم بالضبط ما هو التاريخ المحدد لقيام هذه المدينة، خصوصاً وأن المصادر العربية والأجنبية لا تمنحنا تقديراً دقيقاً حول قيام هذه المملكة، مما جعل هذا الأمر محض تخمين وافتراض.

        أُطلق على هذه الممالك النوبية في المصادر العربية بصورة فضفاضة اسم بلاد النوبة، كما لاحظنا ذلك في السابق، لكن هذا الوصف ـ أي بلاد النوبة ـ لا يمثل الحقيقة ولا يصف الواقع الحقيقي.(Hasan:op.cit:7) لأن بلاد النوبة قامت بها ثلاث ممالك وليس مملكة واحدة حتى يطلق عليها جميعاً بلاد النوبة. حيث تشير المعلومات عن تاريخ الممالك النوبية أنها كانت ثلاث ممالك حوالي منتصف القرن السادس الميلادي، وهي مملكة النوباتيين جنوبي الشلال الأول، وثانيتها مملكة علوة أقصى جنوب بلاد النوبة، وثالثتها مملكة مُقُرة، وموقعها بين نوباتيا وعلوة(John of Ephesus:319).

        ظلت هذه الممالك على هذا الوضع، مدة طويلة تحتفظ كل مملكة منها بسيادتها وتتمتع بحكم ذاتي، حتى تاريخ فتح المسلمين لمصر في عام 641م (Kirwan:1935:58). ومما يؤكد أن مملكة نوباتيا ومُقُرة كانتا منفصلتين، و توجد بينهما عداوة ما ورد في كتاب (سيرة البطريرك إسحق) القبطي الإسكندري (686-689م) أن هذا البطريرك قد بعث برسالةٍ إلى كل من ملك نوباتيا وملك مُقُرة، داعياً إياهما إلى التصالح، حيث أن كلتيهما مسيحيتان، فقد كان ملك نوباتيا يمنع مبعوثي البطريرك من العبور إلى دنقلا، ومبعوثي ملك دنقلا من عبور أراضيه في طريقهم إلى مصر. ومن هذا نستنتج أن المملكتين كانتا مستقلتين لكل منهما ملك (فانتيني:1998: 26).

        تتفاوت تواريخ قيام هذه الممالك ونشأتها والظروف التي أدت إلى ظهورها، ومدى توافر المعلومات عن ذلك، و ما هو مؤكد ومعروف أنها كانت تحكم حكماً مستقلاً؛ غير أن هذا الأمر لم يستمر طويلاً إذ وقع حدث تاريخي، كان له كبير الأثر على التنظيم الإداري والسياسي للممالك النوبية الثلاث، وهذا الحدث هو: استيلاء العرب المسلمين بقيادة عمرو بن العاص على مصر سنة 641م، فقد ذكرت بعض المصادر العربية قيام حملتين عربيتين من الأراضي المصرية لغزو بلاد النوبة سنة 641م و652م. (البلازري:25-26). كانت الحملة الأولى بقيادة عقبة بن نافع الفهري، والثانية بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح وانتهت الأخيرة، بعقد صلح بين العرب والنوبة، لكن المهم في الأمر هنا أن الصلح الذي عقده عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان مع عظيم النوبة ولجميع أهل المملكة من حد أرض أسوان إلى حد أرض علوة. وهذا يعني أن المملكتين نوباتيا ومقرة أصبحتا مملكة واحدة عرفت باسم مملكة النوبة.(مسعد:مرجع سابق:72-73)

        منذ ذلك الوقت وما أعقبه توافق أهل الاختصاص على وجود مملكة نوبية شمالية واحدة، تمتد من أسوان شمالاً حتى الشلال الخامس جنوباً، واصبحت بذلك دنقلا مقراً ملكياً وحاضرة رئيسة لها، ولا يبدو أن المملكة المتحدة كان لها اسم مميز، إنها تدعى أحياناً باسم مُقُرة، وأحياناً أخرى باسم حاضرتها دنقلا، واستمرت منطقتها الشمالية تسمى بالمريس.(Adams:1977:op.cit:454) وعندما أنفذ عبد الله بن سعد بن أبي سرح في حوالي العام 651-652م إلى بلاد النوبة وجد كل القطر من أسوان إلى حدود علوة الشمالية أصبح تحت سيطرة حاكم واحد، ويبدو من ذلك أن مملكتي مُقُرة ونوباتيا اندمجتا في مملكةٍ واحدةٍ و ربما كان ذلك في تاريخ سابق لسنة 652م، وكانت عاصمة المملكة المتحدة هي مدينة دنقلا ذات الموقع المحصن.(Kirwan:1955:op.cit:61)

        ولعلنا نلاحظ بعد ذلك أن الكتاب العرب أصبحوا يكتبون عن جنسين من النوبة فقط وهم أهل مُقُرة وأهل علوة، حيث يقول الدمشقي " إن النوبة جنسان أحداهما يقال لهم علوة وملكهم يسكن مدينة تسمى كوسة و الاَخر يسمى مقرة وملكهم يسكن دنقلا".(الدمشقي:236) جدير بالذكر أن مدونات العرب لا تذكر شيئاً عن مملكة نوباتيا. حيث تذكر زحف جيوش المسلمين نحو الجنوب مباشرة حتى وصلت دنقلا تلك المدينة التي لا يملكون عنها معرفة سابقة، لكنها كانت واضحة خلال ذلك الزمن كعاصمة لمملكة مُقُرة. إن المعاهدة التي تفاوض العرب والنوبة بشأنها كانت ملزمة لملك النوبة ولجميع أهل مملكته من حد أراضي أسوان إلى حد أراضي علوة. لذلك كان ملك مُقٌرة يعد سيداً على كل النوبيين الشماليين. قد يبدو صمتُ المؤرخين العرب فيما يتعلق بنوباتيا يوحي بأن هذه المملكة قد اختفت عن الوجود سلفاً كوحدة سياسية مستقلة بحلول منتصف القرن السابع.(Kirwan:1955:op.cit:61)

        هناك جدل حول تاريخ اتحاد المملكتين، وفي عهد مَنْ مِنْ الملوك النوبيين قام هذا الاتحاد؟ هناك رأي يقول إن هذا الاتحاد تم في عهد الملك قليدوروت، الذي حكم مملكتي النوبة الشمالية والوسطى حتى حدود علوة، وذلك في منتصف القرن السابع الميلادي.(ميخالوفيسكي:مرجع سابق:336) ويقول الرأي الثاني إن النوبة توحدت على يد الملك المقري مرقوريوس (Merkurios) الذي اعتلى العرش النوبي و اتخذ من دنقلا عاصمةً له.(Monneret:op.cit:81) وقد أطلق عليه مؤرخو القبط (قسطنطين الجديد). (Michalowski:1964:199) ولعل السبب الذي سمي به مورقوريوس بقسطنطين الجديد، أنه صار بأفعاله الجليلة التي يقدمها للإمبراطور البيزنطي الذي تعاون معه على تأمين الحدود الجنوبية لمصر، صار كأحد تلاميذه.(المقفع:79). حيث تشير المصادر القبطية إلى أن الملك مورقوريوس سلك مسلكاً جديداً نال عليه ثناء الكنيسة المصرية، واستحق من أجله لقب قسطنطين الجديد، ولعل هذا المسلك الجديد هو تحوله إلى المذهب اليعقوبي وتحويله معبد تافه في نوباتيا إلى كنيسة حوالي عام610م.(مسعد:مرجع سابق:73-74) و من ذلك الوقت وما أعقبه من زمن اتفق العلماء على أنه كانت هناك مملكة نوبية شمالية واحدة، تمتد من أسوان في الشمال حتى الشلال الخامس في الجنوب.(Adams:1977:op.cit:454)

 وقد أدى اتحاد مملكتي النوبة إلى تطور عظيم في مجالي السياسة والاقتصاد وكان يُطلق على الملك قيرياقوس(Kyriakos) الذي أعقب الملك مرقوريوس، لقب الملك العظيم، وقد حكم البلاد بمساعدة ثلاثة عشر والياً. وكان ملوك النوبة شأنهم في ذلك شأن الملوك في مصر القديمة من كبار القساوسة. وكان يحق لهم بالإضافة إلى معالجة المسائل الإدارية القيام ببعض المهام الدينية، بشرط ألا تكون أيديهم قد لوثها دم إنسان.(Monneret:op.cit:99)

 

أسباب اتحاد مملكتي نوباتيا ومُقُرة وتاريخه

        يرجع بعض العلماء أن نوباتيا ومُقُرة اتحدتا في وقت ما بين، (650-700م)، ما أدى إلى تكوين مملكة النوبة، وبهذه التسمية، اشتهرت في المصادر العربية، كما أُطلق عليها أيضاً اسم مُقُرة، وبقيت عاصمتها في دنقلا.(Jakobielski:35) كما عرف ملك المملكتين باسم عظيم أو ملك النوبة.(المقريزي:مرجع سابق:200)

        يمكننا القول إن قرب عاصمة مملكة نوباتيا من الحدود المصرية الجنوبية، جعلها في متناول يد الأعداء القادمين من مصر، ما أدى إلى أن تصبح عرضة للغزو الخارجي نتيجة لهذا القرب، غير أن مدينة دنقلا بعيدة بعض الشيء عن الحدود المصرية الجنوبية، وهي مدينة محصنة، لذلك يمكننا أن نرجع سبب هذا الاتحاد لدواعٍ أمنية بحتة، وربما فقدت مملكة نوباتيا نتيجة لهذا الغزو الخارجي قوتها وأصبحت دولة منهارة لا تقوى على الوقوف في وجه الأعداء لوحدها، لذلك نجدها اتحدت مع رصيفتها مملكة مُقُرة، التي كانت لا تزال تحتفظ بقوتها وسيادتها نتيجة لبعدها عن مسرح هذا التدخل الخارجي لوقوعها في أقصى الجنوب من مملكة نوباتيا.

        اختلفت الآراء حول كيفية و أسباب و زمن اتحاد مملكتي نوباتيا ومُقُرة، فهنالك من يرى أن هذا الاتحاد تم بالقوة، حيث استقل ملك مُقُرة فترة الضعف التي كانت تمر بها مملكة نوباتيا، فانقض عليها وضمها إلى مملكته بالقوة، وهناك من يرى أن هذا الاتحاد تم بسبب الغزو الخارجي المتمثل في الشعوب التي حكمت مصر، ومن ثم دخلت في حروبات مع النوبة، فعانت مملكة نوباتيا ويلات تلك الحروب، وبمرور الوقت لم تقو على الوقوف في وجه هذا الضغط العسكري، ربما لذلك لجأت لخيار الاتحاد مع مملكة مُقُرة التي لم تكن بمنأى عن هذا الخطر، ووجدت في هذا الاتحاد ضالتها وهي تقوية موقفها أمام الأعداء وبذلك تصبح المملكتان قوة ضاربة لا يستهان بها، وهذا ما دفع البعض للقول بأن أسباب الاتحاد أسباب أمنية وعسكرية بحتة، يكمن تحقيقها بنجاح هذا الاتحاد.

        يرى كيروان أن سبب الاتحاد كان الغزو الخارجي المتمثل في غزو الشعوب التي حكمت مصر، ومنها العرب، وقبلهم الروم الذين كانوا كثيراً ما يدخلون في حروب مع النوبيين، ما أدى إلى اتحاد المملكتين النوبيتين مُقُرة ونوباتيا.(Kirwan:1955:op.cit:62) ويوافقه في هذا الرأي، ميخالوفسكي (ميخالوفيسكي:مرجع سابق:336). ويتفق معهما يوسف فضل، ويضيف أن هذا الاتحاد ربما حدث نتيجة للتطورات السياسية في مصر، ولاحقاً بعد دخول العرب لمصر، حيث شعر النوبيون بالضغط الروماني ومن ثم العربي أيضاً في منطقة النوبة العليا ومريس، ولاحقاً تطورت هذه الاحتكاكات الحدودية إلى غزوات وبهذا الوضع أصبحت عاصمة نوباتيا (فرص)، عرضة للخطر الجديد المتمثل في العرب فاتحدت مع جارتها الشمالية دنقلا التي كانت من غير شك محصنة جيداً بالكثير من الشلالات والمقاتلين.(Hasan:op.cit:5) ومن بين الأسباب التي أدت إلى اتحاد المملكتين تحت تاج ملك دنقلا فالاحتمال الأرجح هو أن مملكة نوباتيا المتاخمة لمصر قد ضعفت ثم انهارت إثر الغزوات العربية، وربما هرب ملكها أثناء الغزوات ورجع بعد نشؤ نوع من الاستقرار وعودة العرب إلى مصر بموجب شروط البقط .(فانتيني:1978:مرجع سابق:74)

        بينما يرى بعض العلماء، أن هذا الاتحاد تم نتيجة لاحتلال مملكة مُقُرة لمملكة نوباتيا، وفرضت عليها هذا الاتحاد بالقوة، وكان ذلك في حوالي النصف الثاني من القرن السابع الميلادي، وذلك بعد أن أصبحت نوباتيا عرضة للغزو الخارجي. نفترض أن مُقُرة احتلت نوباتيا في نهاية عام 620 م، لكن ليس لدينا دليل على أن نوباتيا فقدت استقلالها في القرن السابع الميلادي. (Godlewski:1998:op.cit:59) ويعزو البعض هذا الاحتلال إلى خلافات سياسية ودينية بين ملك مُقُرة وملك نوباتيا يسّر ذلك على ملك مُقُرة احتلال مملكة نوباتيا، ولكن يُقال عن هذا إنما هو من باب الاحتمال.(فانتيني:1998:مرجع سابق:27).

 نلاحظ من هذا السرد ضعف هذه الرواية، لأن أصحابها لا يعتمدون على حقائق مثبتة، وإنما على افتراضات وهمية. صاحب هذا الاتحاد شيء من عدم الوضوح حتى في تاريخه، حيث يرى يوسف فضل أن تاريخ هذا الاتحاد غير معروف بالنسبة لنا.(Hasan:op.cit:5) وهذا بدوره يعكس مدى شح المعلومات المتعلقة بتاريخ الممالك النوبية المسيحية و غموضها.

        يتضح لنا أن مملكة نوباتيا وحدةً مستقلةً اختفت عن الوجود، ورجح معظم العلماء و الكتاب على أنها ذابت في رصيفتها مملكة مُقُرة في شكل اتحاد سياسي لدواعٍ ذكرت آنفاً، لكن اختلف العلماء أيضا حول تاريخ هذا الاتحاد، فهناك قول بأن هذا الاتحاد حدث فيما بين(580-652م)، وبناءً على ذلك أصبحت عاصمة المملكة المتحدة هي مدينة دنقلا، على حين ظلت فرص عاصمة المقاطعة الشمالية.(Kirwan:1935:op.cit:61) وثمة قولٌ آخر هو أن اتحاد المملكتين نوباتيا ومقرة حدث بعد مضي خمسين عاماً على معاهدة البقط. واستند صاحب هذا الرأي وهو دي فيار على أمرين: أولهما ما ورد في بعض المراجع القبطية، في سيرة البطريرك إسحق(690 -693م) التي جمعها الأسقف مينا والتي تتحدث عن نزاع نشب بين ملك مُقُرة وملك موريتانيا في نظره هو( ملك نوباتيا) وبناءً على ذلك، ذهب مونريه دي فيار إلى أن مملكة نوباتيا حتى هذا التاريخ، وعلى حسب ما جاء في سيرة البطريرك إسحق أي 690م كانت قائمة ومستقلة والدليل على ذلك نزاعها مع مملكة مُقُرة. (Monneret:op.cit:76-80) هنالك آراء أخرى حول تفسير موريتانيا هنا، إذ يرى البعض أنها ربما كانت كلمة نوبية تشير لإقليم السكوت الواقع جنوب الشلال الثاني، ورأيٌ آخر يقول: إنها ربما كانت تشير للبلميين، وكانت بينهم وبين مُقُرة علاقات عدائية حوالي سنة 700م.(Vantini:op.cit:36-38)

        أما الرأي الثاني ـ والذي استقر عليه نفس المؤرخ بناءً على ما جاء في كتاب سيرة البطريرك إسحق المذكورة مسبقاً ـ فهو أن الملك مورقوريوس قام بتحويل معبد تافه في نوباتيا إلى كنيسة، حيث عثر على حجر في معبد تافه يحمل نقوشاً يونانية مؤرخة ب 14 ديسمبر سنة710 م تمجد مورقوريوس لإتمامه هذا العمل الجليل وهو تحويله معبد تافه إلى كنيسة، وتافه هذه تقع في نوباتيا، ومعنى هذا أن مورقوريوس ملك مُقُرة كان أيضاً يحكم نوباتيا.(Ibid:80) و إلا ما كان له الحق في التصرف، بمعابد النوباتيين. إلا أن هذا الرأي لا يمكن قبوله، لأنه لا يتفق وما جاء في عقد الصلح سنة 652م، لأن هذا الصلح ينص على أن المملكة النوبية تمتد من أسوان إلى حد علوة، ثم إن اعتماد هذا الرأي على المراجع القبطية وحدها ربما يكون فيه شيء من القصور، لعدم اتفاق رواياتها. إذ إن بعض هذه المصادر القبطية تقول إن النزاع كان بين ملك مقرة وملك الحبشة. ومع التسليم بصحة ما جاء بشأن ملك موريتانيا (نوباتيا). فالمعروف أن موريتانيا هي ليبيا. وأن الأساقفة كانوا يستخدمون الطريق الليبي، لا طريق النيل في سفرهم من الإسكندرية إلى دنقلا، وربما كان ذلك عن طريق الواحات الغربية في مصر. ثم إن تحول مورقوريوس إلى المذهب المونوفيزي وتوحيد المملكتين دينياً، لا يعني أن المملكتين لم تتحدا سياسياً من قبل، والراجح هو أن الوحدة السياسية تمت قبل الوحدة الدينية في وقتٍ سابقٍ لحملةِ عبد الله بن سعد على بلاد النوبة سنة 652 م، أو في وقت معاصر لها على الأقل، فإن حاجة الدفاع عن البلاد والوقوف في وجه الغزو الإسلامي فرضا هذه الوحدة السياسية، على أن تحتفظ كل من الدولتين على سيادة أراضيها واستقلالها الداخلي. لا بد أن هذا كان أشبه باتحاد فيدرالي أو تعاهدي، احتفظ فيه ملك المملكة الشمالية بسلطاته على أن يكون بمثابة نائباً للملك، ولعل تحول ملك مُقُرة إلى المذهب المونوفيزي، تضمن تأييداً أو تأكييداً لهذه الوحدة السياسية التي سبقته.(مسعد:مرجع سابق:74-75). بعد أن تم هذا الاتحاد بصورة مؤكدة، أطلق الكتاب العرب على هذه البلاد جميعاً اسم أرض النوبة أو بلاد النوبة. وتعني مملكة نوباتيا ومُقُرة بعد اتحادهما.(اليعقوبي:مرجع سابق:336). وعرف الجزء الشمالي من مُقُرة بعد الاتحاد، وهو الجزء المتاخم لمصر باسم مريس.(مسعد:مرجع سابق:75)

خريطة رقم (1)

الممالك النوبية

المصدر: Adams, 1977, P.427, fig , No 69

الخاتمــة:

        إن نشأة و قيام تلك الممالك النوبية التي أسسها النوبيون في شمال السودان، تعكس للعالم أجمع المستوى الحضاري الذي وصل إليه أهل السودان في ذلك الوقت، و تعطي مؤشراً قوياً على أن أهل السودان أصحاب حضارات راسخة و مجتمعات متحضرة، ساست وأدارت شؤونها بطريقة متطورة. غير أنها تكشف لنا مدى الغموض الذي صاحب تفسيرة كلمة نوبة من الناحية اللغوية والإثنية، لكنها كشفت لنا الطريقة التي دخل بها العنصر النوبي واستقر في السودان، وأسس على أنقاض مملكة مروي القديمة في وادي النيل ممالك لها وضعها الجغرافي و السياسي، وأسس كيانات بشرية لها تاريخ قديم ومستوى حضاري متميز كفل لها أن تكون من المجتمعات الحضارية التي تحكي عنها الأوساط العالمية.

 

قائمة بأسماء المصادر و المراجع:

  • ابن حوقل (ت 350هـ - 956م) كتاب صورة الأرض، القسم الأول.في: مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية (مجموعة النصوص و الوثائق العربية الخاصة بتاريخ السودان في العصور الوسطى)، تحقيق مصطفى مسعد،1972
  • ابن سليم الأسواني،(ت 386هـ/996م)، كتاب أخبار النوبة والمقرة وعلوة والبجة والنيل، ص،91، فى مصطفى مسعد، المكتبة السودانية العربية (مجموعة النصوص و الوثائق العربية الخاصة بتاريخ السودان في العصور الوسطى)، تحقيق مصطفى مسعد،1972
  • ابو المكارم، كنائس و أديرة مصر، نشرة أفقيس، أكسفورد،1895.
  • إدريس، محمد المهدي، البنيات الاجتماعية والثقافية في حضارة ما بعد مروي (350-580م) رسالة مقدمة لجامعة الخرطوم لنيل درجة الدكتوراه، غير منشورة، الخرطوم، 2000
  • الإدريسي، (أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله الإدريسى ت 560هـ/1165م)، صفة المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس، ليدن، نابولي،1970
  • الأرمني، أبو صالح، (ت605هـ/1208م) تاريخ الشيخ أبى صالح الأرمنى،في مصطفى مسعد، المكتبة السودانية
  • الدمشقي، نخبة الدهر في عجائب البر و البحر، فى: مصطفى محمد مسعد،المكتبة السودانية العربية (مجموعة النصوص و الوثائق العربية الخاصة بتاريخ السودان في العصور الوسطى)، تحقيق مصطفى مسعد،1972
  • اليعقوبي،(أحمد بن أبى يعقوب بن واضح284هـ/897م)، كتاب فتوح البلدان، ليدن،1883
  • المسعودي( أبو الحسن علي بن الحسين بن علي ت 346هـ/1956)، مروج الذهب ومعادن الجوهر، الجزء الأول، بيروت،1973
  • المقريزي (تقي الدين أحمد بن علي بن الحسين بن علي)، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، الجزء الأول، باريس،1906
  • جيوفاني فانتني، تاريخ المسيحية في الممالك النوبية القديمة والسودان الحديث، الخرطوم، 1978
  • فرمان، أحمد عبد المنعم، تاريخ وآثار النوبة منذ عصور ما قبل التاريخ حتى العصر البطلمي، مركز الأحلام كوم أمبو، القاهرة، 2006
  • محمد، عوض محمد، السودان الشمالي سكانه وقبائله، القاهرة،1951
  • مسعد، مصطفى محمد، الإسلام والنوبة في العصور الوسطى، مكتبة الانجلو مصرية، القاهرة، 1960
  • ميخالوفسكي،ك، انتشار المسيحية في النوبة، تاريخ إفريقيا العام، الجزء الثاني، اليونسكو، 1985

 

المراجع الأجنبية:

  • Adams,W.Y, Nubia Corridor to Africa, Allen Lone,Lodon,1977
  • Adams; W. Y, “Economy and Ecology in the Empire of Kush” ZAS, 108, 1981, PP. 1-11
  • Budge,E.A.W,Book on Egypt and Chaldaea, Egyptian Lidterature, Vol .11 , Annals of Nubian Kings,London,1907
  • Welsby, D. A, The Medieval Kingdoms of Nubia, the British Mesaum, Press, 2002.
  • Gdlewski, W, "The Rise of Makoria ",( Late 5th__8th Cent) ,Nubian Studies, Boston,1998
  • Jakobielski,S, ”polish Excavations at old Dongla” kush,xvi,1993
  • John of Ephesus, The Ecclesiastical History,Book 4,Oxford,1860
  • Kirwan,L.P, Notes on the Topography of the Christian Nubian Kingdoms, JEA,Vol,21,1935
  • Kirwan,L.P, “A Survey of Nubia Origins”, SNR, XX, 1937, PP.47-62
  • Kirwan, L. P, “The Ballana Civilization”, Bullettin de la, RGE, 1953, XXV, PP. 103 – 110
  • Kirwan,L.P," The Decline and Fall of Meroe " ,Kush ,8, 1960 ,pp,163-167
  • MacMicheal,H.A, A History of the Arabs in the Sudan, Cambridge , 2 vols, 1922.
  • Michalowski,k,’’ Polish Excavations at Faras’’, kush,xiv,1966
  • Michalowski,K,"Polish Excavations at Faras", Kush, 10,1967
  • Monneret de Villard, Storia della Nubia Cristiana, Rome, 1938
  • Pliny,The Natural History,Trans,Rackans,The LEOB Classical Library,London,1938-62
  • Procopius,History of the Wars,Trans,Dewing,H.B,Loeb Classical Library,London,1914-1935
  • Ptolemy,Geography,Trans,Stevenson,NewYork,1932
  • Selingman,C.G, Some Aspects of the Hamatic of the Englo-Egyptian Sudan, RAI, Institute of Great Britain an Ireland ,VOL, 43 ,1913
  • Strabo,The Geography of Strabo,Boook, XVII,Trans,H.L,Jone,the Leob Classical Library,1917-1932
  • Tothill,J.D,-ed, Agriclture in the Sudan,by numerous authcr, London,1948
  • Vantini,G, Oriental Sources Concerning Nubia, Heidelberg and Warsaw,1975
  • Welsby, D. A, The Medieval Kingdoms of Nubia, the British Mesaum, Press, 2002
  • Hasan,Y. F, The Arabs & the Sudan,SUDAT History of the Arabs in the Sudan, Vol 1, Frank Cass & Co. Ltd, 1967

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضف تعليقاً

0 تعليقات