فنــون الأداء الشعبي في السودان الرقص الشعبي إنموذجاً

الرابع بعد العشرين من شهر سبتمبر عام 2017م




                 أعداد: عادل حربي
المستخلص :
    تعتبر فنون الأداء الشعبي من أبرز وأهم المجالات لأنها تحتوي علي تعبير متكامل يحمل الثقافة عبر الأفراد والجماعة وينقلها عبر التوارث . وفي السودان إرتبطت بالتنوع الثقافي والثقافة المتنوعة. مما جعلت عناصرها الأدائية غنية بالأبعاد الفنية وأهمها: التقمص، الحركة، الإيقاع والتأثير. إعتمدت هذه الدراسة علي الرقص وتحليله عبر عناصره علماً بأن للحركة مستويان: الرقص والأداء التلقائي الحركي. تركز البحث علي دراسة الرقص في السودان وأنواعه كما استعرض نماذج من الرقصات الشعبية المختلفة بإختلاف ثقافاتها. وتوصل البحث إلي نتائج وتوصيات بالإضافة إلي صور وأشكال.

المقدمة
عناصر فنــون الأداء الشعبي في السودان
التقمص
الحركة
الايقاع
التأثير
الرقصى الشعبي في الرقص
أنواع الرقص الشعبي في السودان
الخاتمة والتوصيات
المصادر والمراجع
الملاحق



المقدمة:
    إن التراث الشعبي في السودان يشكل وعاء يحوي علي كل مكونات الأمة ووعيها التاريخي من فكر وعلم وأدب وفلسفة وفنون وهو بذلك يشكل هوية الأمة ووجدانها إلي حد كبير، كما يشكل قوائم شخصيتها وعنوان بقائها في مواجهة كل التحديات . التراث الشعبي هو مجموعة من العادات والتقاليد والآداب والفنون والحرف والمهارات وشتي المعارف الشعبية التي أبدعها وصاغها المجتمع عبر تاريخ طويل بحيث يتداولها الأفراد والمجموعات بطريقة عفوية ويلتزمون بها في سلوكهم وتعاملهم حيث أنها تمثل أنماطاً ثقافية مميزة تربط الفرد بالمجتمع، وتربط الحاضر بالماضي ويشكل هوية المجتمع .
    تعتبر فنون الآداء الشعبي هي أحد أبرز مجالات التراث الشعبي إلي جانب الأدب الشعبي والعادات والتقاليد وغيرها من الجوانب ثقافية وتشمل كذلك الفنون الشعبية من موسيقي وأغاني ورقص وألعاب وتعتبر عفوية ومتعارف عليها ومتوارثة عبر التاريخ .
إن فنون الأداء الشعبي في شكله الجمعي ، إنما هو إحتواء لشكل الفعل الفردي . فيتجسد من خلال هذا الإحتواء تعبير متكامل يؤدي إلي سيادة الممارسة التي تشكل بدورها عاملاً هاماً في حياة وسلوك الفرد . ويعتبر عالم الفولكلور السويسري " ريتشارد فايس Weiss " صاحب الفضل الأكبر في تحديد مفهوم شعبي، إذ يقول : " توجد الحياة الشعبية والثقافية دائماً حيث يخضع الإنسان – كحامل للثقافة – في تفكيره ، وشعوره أو تصرفاته لسلطة المجتمع والتراث "، ويقول علاوة علي هذا " يوجد في داخل كل إنسان شد وجذب دائمين بين السلوك الشعبي وغير الشعبي ، لذلك يتضح عند كل إنسان موقفان مختلفان ، أحداهما فردي والآخر شعبي أو جماعي " .
    فالأداء الشعبي لابد أن يمارس ، فتظهر بالضرورة علي الملأ ، فليس هناك عادة إجتماعية خاصة لفرد واحد فقط ، إنما الممارسة تظهر إلي الوجود حيث يرتيط الفرد بالجماعة ويأتي أفعالاً تتطلبها منه الجماعة أو تحفزه إليها ، ومن خصائص الأداء الشعبي أن تكون متوارثة أو مرتكزة إلي تراث يدعمها ويغذيها وتنمو ، ومن الخطأ التماس معناها في صورتها الأصلية أو الأولية القديمة . لأنها تتعرض لعملية التأثير الدائمين ، فيحدث لها تحولاً وتجديداً بتجديد الحياة الإجتماعية والثقافات الوافدة ، وهي في كل طور من أطوار حياة المجتمع تؤدي إلي وظيفة تشبع حاجات ملحة . ومن البديهي أنها في أدائها لهذه الوظيفة في  مجتمع معين ترتبط بظروف هذا المجتمع وواقعه .
    كما نجد أن المجالات التي تمارس فيها فنون الأداء الشعبي في السودان نجدها متنوعة ومتعددة ، فتشمل العالم الإنساني وغير الإنساني ، كما تشمل حياة الإنسان نفسه البيولوجية والإجتماعية علي السواء ( الميلاد ، الموت ، الزواج ، المرض ، ... الخ ) ، فهي تعطي صورة كاملة للحياة ، ومعناها . فالوجود الإنساني يفصح نفسه في الممارسات الشعبية ، وتضع في يد الإنسان السلاح الذي يواجه به أسرار الوجود ، ومشكلات الحياة وهي الأداة الأساسية التي تجعله يتوازن مع نفسه والمجتمع .
    إذن مما سبق أتضح إن فنون الأداء الشعبي تؤكد إن الإنسان كائن ثقافي أو بتعبير أدق فهو حامل للثقافة ... إن الثقافة نتاج عملية تطور طويلة إمتدت علي طول آلاف السنين ، ترسبت في كل مجتمع بشري متضمنة قدراً عظيماً من الحكمة في معاييرها وأنماطها الشديدة التنوع ، ولا يمكن لأحد أن يهرب من تأثيرها في أي مجتمع كان ، أبتداء من أكثر المجتمعات بساطة حتي أشدها تعقداً وتطوراً .
    إذن ففنون الأداء الشعبي في السودان هي موروث ثقافي ، حفظة المجتمع عبر حضارته وتاريخه شعوريا ولا شعورياً ومارسته الأجيال جيلاً بعد جيل عبر الزمن ، ويقول الدكتور عبد الغفار محمد أحمد في كتابه قضايا للنقاش " تحمل الذاكرة الشعبية في طياتها كنوزاً زاخراً من المادة التي تعتبر من الركائز الأساسية للثقافة متغيراً أو عاملاً وسيطاً يتدخل بين النظام والينية الإجتماعية السائدة " .
    وهذه الممارسات الشعبية الأدائية نجدها توجه سلوك الفرد ، وتخلفاً نوعاً من التفاعل داخل المجتمع السوداني ، وتربط  هذا المجتمع بالعالم الخارجي له ، في تواصل مستمر عبر الأجيال ، متفاعلة مع ثقافات أخري وافدة مما خلق تفاعلاً مستمراً بين ما هو فكري وما هو سلوكي للإنسان السوداني .
عناصر فنــون الأداء الشعبي في السودان
    أرتبطت فنون الأداء الشعبي في السودان بالتنوع الثقافي والثقافة المتنوعة ، فالتنوع الثقافي في السوداني يرتبط بمفهوم إصطلاحي إثني بحيث نجد كل ثقافة تكتمل عناصرها ومفرداتها ومكوناتها في وحدة أثنية واحدة ، واضحة المعالم وهي نتاج لظروف تاريخية وجغرافية وعرقية متنوعة حيث ينفرد السودان في القارة الإفريقية بإتساع رقعته وطول حدوده ، الأمر الذي ترتب عليه تنوع الغطاء النباتي والبيئي ، وهذا التنوع يتبعه تنوع من ناحية اللغة وتنوع في تعدد الألسن والفنون الأدائية .
    أما الثقافة المتنوعة هي ثقافة مكتملة وناضجة في وحدتها ومتباينة في مفرداتها ومكوناتها المتوحدة ، وهذه الثقافة لها قدرات أوسع وقدرات للتفاعل والتطور والمرونة ، والثقافة المتنوعة نجدها في وسط السودان والمناطق التي حدث فيها  تمازج وتواصل بين ثقافتين أو أكثر من الثقافات الإثنية .
    إن فنون االأدائية الشعبية في السودان تجمع في داخلها عناصر فنية مختلفة تدخل في نسيج الظاهرة الإجتماعية وتتنفس روحها مما يجعلها جزءاً من كل الظاهرة الاجتماعية ذات مواصفات فنية شعبية ، ذات أبعاد فنية ... تنقسم إلي أربعة عناصر وهي: التقمص، الحركة، الايقاع والتأثير.
التقمص:
    المعني اللغوي للتقمص مشتق من لفظ تقمص شخصية غيره ، أي قلدّه وحاكاه في سلوكه وهيئته ، والتقمص في علم النفس هو " عملية لا شعورية تتمثل في  تبني الفرد لخصائص شخص آخر وتوحده معه ويعمل التقمص كميكانيزم دفاعي لتغطية صراعات عن طريق نزعة الفرد لأن يعيش حياة شخص آخر ". وعلماء الانثروبولجيا يعرفونه بأنه : " قدرة الإنسان البدائي علي التقليد ومحاكاة الطبيعة ، وبأنها غريزة فطرية كان لها الفضل والقدرة علي تكوينه وتعليمه . ونجد جوانب كثيرة من حياته ونشاطه ، وبخاصة الممارسات والطقوس والشعائر والاحتفالات والأعياد المختلفة ليس إلا تقليداً ومحاكاه لأحداث الحياة الواقعية كما يتصور هو نفسه ورغباته واحتياجاته الشخصية أو مصالح الجماعة التي ينتمي إليها، فمحاكاة أو تقليد حركات الحيوان والإنسان أثناء القنص هي تقمص لما يحدث بالفعل ، كما أنه في الوقت ذاته إعداد نفسي للقيام بهذه المهمة حين يخرج الناس للقنص ومطاردة الحيوان .
    وبما أن عالم الشعوب البدائية يكاج يكون حافلاً بالآلهة والأرواح والأسلاف ذات القوة المقتدرة التي لا تعجز عن شئ ، وهذه الأرواح متصلة بالقوة المسيطرة علي الطبيعة ، فإن الباحث يجد أن التقمص اتخذ عدة أشكال أخري تجاوزت حدود المحاكاة للطبيعة وارتبطت بعالم الأرواح والأسلاف .
    ويجد ذلك متمثلاً في ظاهرة العرافة ، التي ترتبط بشخصية العراف التقليدي الذي عرفته أغلب المجتمعات الإنسانية إن لم يكن كلها في طورها البدائي ، وقد ارتبط ارتباطا قويا بالديانات القديمة ، فهي الوسيط بين الإنسان العادي والقوي الخفية التي يعتمد في وجودها وفي تأثيرها علي مسار حياته بالخير والشر .
    ويشير فرح عيسي محمد إلي أن " العراف التقليدي هو الشخص المتخصص في شئون الأرواح أو الأشباح ، فهو أكثر من يعرف النواحي الدرامية والأخطار التي تكتنف الروح في اعتقاد المجتمعات البدائية ، وأنه شخصية تعيش في إطار القوي الخفية ، ولها  القدرة في التفاعل مع تلك القوي ، بحيث تحل تلك القوي الغيبية في جسد العراف فيكتسب مقدرة أعلي تمكنه من أداء وظائف للمجتمع يعجز عنها الآخرون .
    والعراف التقليدي تختلف تسميته باختلاف اللغة واختلاف البلد ، فيعرف بالكاهن في كثير من المجتمعات ، وبالكجور كما في جبال النوبة ، بغرب السودان، فظاهرة التقمص نجدها عاملاً أساسياً في الآداء الشعبي .
الحركــــة:
    إن الحركة هي وسيلة الإنسان الأول في التعبير عن ذاته ، فاستخدمها كلغة ينقل بها مشاعره وأحاسيسه ، ويعبر بها عن أفكاره للآخرين ، ومن خلال هذا نجد أن للحركة أمرين :
1/    الأمر الأول ماديتها .
2/    الأمر الثاني خضوعها لعامل الطبيعة .
    " فالحركة عند الإنسان ظاهرة من الظواهر المعقدة لكونها نتاج العديد من العوامل العقلية والبنائية والوظيفية لأجهزة الجسم المختلفة ، وحركة الإنسان من وجهة النظر الميكانيكية تعتبر سلسلة من الأوضاع التشريحية لأجزاء الجسم المختلفة التي تتحرك وفقا لنظام معين وشكل محدد ، بحيث تشغل بذلك حيزاً مكانياً وزمانياً .
    والحركة الإنسانية هي عبارة عن تغيير موضع جسم في الفراغ بالنسبة لنقطة ما بمرور الزمن ، وقد عرف كل من ( لانشو وأجستروم ) الحركة الإنسانية بأنها "تغيير موضع الجسم أو أحد أجزائه في الفراغ " . كما عرفها كل من ( جنسن ) و (شولتي) بأنها " انتقال أو دوران الجسم أو أحد أجزائه في اتجاه معين وفي زمن معين نتيجة للأنقباض العضلي " .
    استطاعت الحركة أن تعبر عن الإنسان عبر التاريخ والزمن ، وعن إرادته ، ومخاوفه ، ورغباته ، وشهواته ، وظلت لغة حية حققت له التواصل والاتصال والتعبير عن ما يحس به ويعتقده إرادياً ولا إراديً . والإنسان بطبيعته ميال إلي تجسيد معتقداته حتي تعطيه الإحساس بقربه منها ملبيا حاجته النفسية والاجتماعية ، وخالقاً توازناً بينه وبين القوي الخفية متمثلة في الأرواح والآلهة . ولقد كانت الحركة بكل أشكالها معبرة عن ذلك ، ويظهر ذلك جلياً في كل ممارساته وطقوسه ، لذا يري الباحث من خلال دراسته وملاحظاته ، أن الممارسات والطقوس الشعبية في السودان تحتوي علي شكلين من الأداء الحركي ، استطاعت أن تنقل وتعكس كل الممارسات والطقوس والمعتقدات ، وهما الرقص ، والأداء الحركي التلقائي .
أ/    الرقــــص :
    الحركة هي روح الرقص ، والرقص هو أقدم الوسائل التي كان الناس يتنفسون بها عن انفعالاتهم منذ فجر التاريخ للتسلية والمتعة والتعبير عن مشاعرهم في شتي المناسبات . وفي ظل الطقوس والممارسات البدائية ، كان الرقص وسيلة تعبير للتواصل والتفاهم مع القوي الغيبية . ويؤكد الرقص طقساً دينياً ، فهو يتحدث إلي آلهته بلغة الرقص ويصلي لهم بلغة الرقص ويشكرهم ويثني عليهم بحركاته  الراقصة" .
    كما أن الرقص وسيلة يعبر بها الإنسان عن ا لمفاهيم والمواقف من الحياة ، فعندما يؤدي محاربو وصيادو قبيلة الشلك في جنب السودان رقصات خاصة بالحرب والصيد قبل بدء المهمة ، هم في الواقع ينظمون إرادتهم ويوحدونها ، ويبثون روح الشجاعة والإقدام بينهم ، كذلك يتدربون علي تحمل مشاق المهمة ، وتلبية مهام العبادة والمعتقد عندهم ، وذلك لإحداث تأثير عام في المجموعة ، كأنهم في لحظة أداء طقس ديني .
    فالرقص عندما يدخل دائرة الطقس ويكتسب قيمة اجتماعية ، ويدخل في صميم الإيمان بالمعتقد ، فإن القضية تصبح " ظاهرة " تتجاوز التعليم المكتسب إلي عمل وموقف وحس اجتماعي يمكنهم من المشاركة في المهام الكبري للعائلة والمجتمع والأرواح والإله . وهذا المفهوم من خلاله تتراءي أقوي العناصر الأدائية ، والتي تكشف بدورها عن مهارات لا حدود لها .
ب/    الأداء الحركي التلقائي :
    الحركة أكثر مظاهر التعبير التصاقا بالتلقائية وفطرة الإنسان ، فهي ترجمة مباشرة عما يجول بخاطر الإنسان وأعماقه وفكره ، وكشف عن انفعالاته وردود أفعاله تجاه الظواهر والأحداث . ونجد في الذكر حركة تلقائية ناتجة عن عمق التوحد والإنجذاب ، وكثيرا ما تذهب الآراء بأن ما يحدث من حركة تلقائية في الذكر ما هو إلا رقص ، ولكن الحركة في الذكر ترتبط بفلسفة التصوف الذي يبلغ فيه الذاكر مداه وتتوحد روحه وجسده وعقله ، ويؤكد الدكتور علي زيعور ، علي أنه "يبلغ الصوفي المتفلسف درجة يغدو عندها جسده روحاً ، أو تتوحد فيها روحه وجسده ، إرادته ورغبته ، فكره وممارسته يتجاوز الصوفي في فلسفته ورؤيته للوجود والإنسان والجسد والإله ، ثنائية الجسم والروح ، فيقول أنا جسدي ، أنا ووعي وجسدي واحد أو وحدة عضوية متضافرة " .
    فالأداء الحركي التلقائي يعتبر أداء إنساني له بعد ديني يتسم بالتلقائية ممثلة في هذه الصفات :-
1/    التغيير المستمر ذو الإيقاع السريع .
2/    الإنفعال التلقائي اللحظي .
3/    للوجه حركات وإيماءات واضحة .
الإيقـــــــاع :
    إن الإيقاع حولنا وفي داخلنا وفي كل شئ وكل مكان ، قد يكون مسموعا مثل حركة الرياح والأمطار ووقع أقدام الكائنات الحية ، ونبض القلب ، ويكون غير مسموع كتعاقب الليل والنهار ، وتكرار أوجه القمر وشروق الشمس وغروبها ، وحركة خلايا الأجسام الحية وموتها ، لذا أثارت فكرة الإيقاع خيال الإنسان منذ أقدم العصور، وشحذت بديهته للتأمل ، فإذا به يأتي بالنظرية تلو النظرية لإثبات أن مسار الكون لا يعدو إلا أن يكون إيقاعاً هائلاً ، والحياة بأسرها لم تكن إلا نبضة واحدة من نبضاته .
    يعتبر الإيقاع واحدا من أبرز عناصر اللغة الموسيقية ، فهو الذي يضبط حركة الألحان ، ويسكب فيها الحياة ، فهو الذي يجسدها ويمنحها هيكلا معينا ، وليس الإيقاع بدعة أحدثها الموسيقيون ، ولكنه ظاهرة طبيعية تعددت مظاهرها في  الحياة ، وتجلت في كثير من حركات الكائنات والمخلوقات ، فقصف الرياح ، وخرير المياه ، وحفيف الأشجار ، وهدير البحار ، كل ذلك أصوات موقعة ، تشهد بأصالة الإيقاع في الطبيعة ، أما الكائن الحي فكل شئ فيه يوقع ، من تنفس وخفقات قلب ونبض عرق وحدبث لسان ، لذلك كان الإيقاع أساسا لحياة أجسامنا ، ورمزاً لاستراريتها ،  فإن توقف يوما كان ذلك إيذاناً بالفناء .
الإيقاع والحركــة :
    عرف أفلاطون الإيقاع بأنه " تنظيم الحركة " ، أي أضاف عنصراً حيوياً ذا طبيعة عقلية وذهنية هو التنظيم ، مما فتح آفاقا عملية جديدة في تعريف الإيقاع ، فنجد الدكتور ( فؤاد زكريا ) في كتابه ( مع الموسيقي ذكريات ودراسات ) ، يطرح عدة تعريفات لفلاسقة وباحثين كأعتراف بأهمية الإيقاع للفن والحياة ، فمنها أن : "الإيقاع مجموع من اللحظات الزمانية الموزعة وفقا لترتيب معين" وأن " الإيقاع هو النظام في توزيع مدد الزمان " .
    كما يرتبط الإيقاع بالحياة ، نجده يرتبط بالفنون الزمانية والمكانية ، وكل مظاهر التعبير حتي في الظواهر الاجتماعية التي تحتوي علي بعض العناصر كالممارسات والطقوس الشعبية . وبالنسبة للفنون الزمانية كالموسيقي ، يعتبر الإيقاع أقوي العناصر الموسيقية تعبيراً . أما بالنسبة للفنون المكانية والإيقاع في العمارة مثلاً، نجده في التكرار والتماثل أو توزيع المساحات والكتل بتوافق وإنسجام ، ولكن إذا رجعنا في الزمان إلي المراحل القديمة للمدنية ، وجدنا الإيقاع الموسيقي يرتبط بالشعائر والطقوس الدينية ، ويكون جزءاً لا يتجزأ من مظاهر العبادة أو من الطقوس السحرية والرقص التي تحل محليها ، وهو من جهة أخري يرتبط بأداء العمل اليومي، وبالحركات الجسمية التي يؤديها الناس أثناء قيامهم بمختلف الأعمال المادية .
    لذلك نجد أن الإيقاع في الممارسات والطقوس الشعبية في السودان يدخل في إطار زماني مكاني ، حيث تحتوي علي حركة ورقص وطبول وتصفيق بالأيدي وضرب بالأرجل ، وهي وسائل إيقاعية لتنظيم حركات الطقس أو الممارسة .
    الإيقاع في الرقص يأخذ بعدين ، بعداً مكانياً ، يرتبط بإيقاع حركة الرقصة وأبعادها وإمكانية الإنسجام والتوافق والتماثل والتكرار في الحركة ، وبعداً زمانياً يرتبط بالإيقاع الموسيقي في الآلات الموسيقية التي صنعت خصيصاً لهذه الرقصات وحركاتها ، فمثلاً رقصة الكمبلا .
(1)  البعد المكانــي :
    حركات سريعة متنوعة ومتكررة تشبه حركة الثور الهائج ، وخطوط الرقص متعرجة ، نجد التكرار والتماثل في الخطوط الأساسية لحركة الرقصة وحركة الرأس والأيدي في تمثيل الثور ، وكذلك نجده في حركة الجسم كله ، وبالنسبة للفتيات نجد التكرار والتوافق بين حركة الأيدي التي تحمل ذيل الثور وحركة النهود في الصدر .
(2)  البعد الزمانــي :
    يحمل كل راقص جرساً وكشكوشاً  ويلبس خلاخل في أرجله ، وتتوافق هذه الإيقاعات مع إيقاعات النقارة قوة وضعفاً وسرعة وبطئاً .
    وإلإيقاع بذلك يكون جوهر الممارسات والطقوس الشعبية السودانية ، إذ نجده يتحكم دوما في شكل الحركة والأداء ، بل وتغير الاتجاهات والمسار الذي يتبعه الراقصون . فمثلاً الثور الأكبر في رقصة الكمبلا وبقية الراقصين يبدأون الرقص ويبدعون كل التنويعات في الحركة والاتجاه عن طريق ضربات الإيقاع المتفق عليها. أنظر الشكل رقم (7) .
    وتذهب أهمية الإيقاع إلي أعمق من ذلك ، فنجد أن معظم الرقصات في السودان تسمي باسم الإيقاع ، آلته ونوعه ، فمثلا رقصة النقارة ترجع تسميتها بآلة النقارة ، كما تسمي بعض الرقصات بنوعية الإيقاع ، فمثلاً رقصة المردوم ، ارتباطا بإيقاع " المردوم " .
    يلاحظ الباحث أن أسلوب التكرار في الضربات الإيقاعية من المميزات الأساسية لمعظم الإيقاعات المستخدمة في الأداء الشعبي في السودان ، وأن الإيقاعات كلها في أشكالها ومضامينها تعتمد علي عناصر البيئة بوصفها المكون المباشر لها ، والتي تستمد منها أشكال الرقصات والإيقاعات ، ومن ثم أشكال الآلات الإيقاعية وتصنيعها .
التأثــــير:
    يتم التأثير عادة في فنون الأداء الشعبي في زوال الحاجز بين المنفذين والمعتقدين المعروفون بالمشاركين ، ويكون التأثير هو القيمة الأساسية في الأداء الشعبي ، لأنها ترتبط بأحداث الحياة اليومية وتصورات المنفذين المشاركين عن الكون، وموقفهم من القوي الغيبية والأرواح التي تسيطر علي مدار حياتهم وممارساتهم وطقوسهم التي تؤلف جزءاً من واقعهم .
    وعندما يحدث التأثير في حيز المكان بين المنفذين والمشاركين ، فالمسافة التي كانت تقدر بينهما تلاشت ، ويري شاكر مصطفي في دراسته عالم الثقافة المتخلفة ، " إنما الذي يعنيهم التقدير الاجتماعي لتلك المسافات "  .

فزوال الحاجز المكاني أثناء الفعل الأدائي يحدث بدوره انسجاماً وتناغماً بين الحيز المكاني والزماني ، ويستويفي ذلك الواقع والخيال ، والمعرفة والعقيدة ، والممكن والمستحيل، وعالم المرئيات وعالم الغيبيات ، والحياة الدنيوية والمادية والحياة الدينية والروحية وما إليها . ويرتبط بعضها ببعض بحيث تؤلف نسيجاً محكماً متماسكاً " .
    بهذا الإنسجام التلقائي ، تتحقق قيم شتي الأشكال لفنون الأداء الشعبي في السودان ، وتظل عناصر الأداء المتمثلة من تقمص وحركة وإيقاع ، وتأثير ، هو جوهرها وركيزتها ، وهذا الجوهر يتم في حقيقته عن شئ هام ، هو الخاصية الروحية في المجتمع السوداني ، والظواهر الفنية السودانية .
    كما أن العناصر الفنية التي يحتويها الأداء الشعبي ، تخلق أيهاما وهو عملية تسيطر علي شعور المنفذ والمشارك عن طريق تأثيرها الفني ، الذي يتفاعل مع تأثير الوسيط ، والمعتقد ، فيحدث قيمة تأثيرها عملية ، والعناصر الفنية تحتوي علي  عناصر موسيقية من إيقاع وغناء ، وعناصر فنية تشكيلية من أزياء ومكياج وأقنعة ووشم وإكسسوارات ، وبالإضافة لبعض العناصر الإيحائية الشعبية مثل الروائح والبخور . كلها تسهم وتساعد علي
الرقص الشعبي في الرقص:
    يظل الإهتمام بالتراث والفنون الشعبية السودانية علي تنوعها وتفردها وتمازجها هو اعتراف بالتاريخ .. والتعدد العرقي والثقافي لقيم المجتمع وتطوره .. وكثير من الدارسين استخدموا التراث والفنون الشعبية ومفرداتها وعناصره في إعادة بناء جوانب تاريخية غابرة ودراسة قيم المجتمعات وثقافاتها .. لأن الفنون الشعبية هي تعبير صادق عن انفعالات شعب عن أفراحه وآلامه وآماله وأحلامه وخوفه من المجهول .. وتبركاً للعطاء الجزيل ، ومن الفنون الشعبية ينبعث الشعور القومي ، ونقاط التلاقي للثقافات المتباينة .. وللفن الشعبي وظيفة اجتماعية هي ربط المواطن بتراثه وتجميع الشعور القومي وتكثيفه وشحذه ، وذلك بالكشف عن القيم الفنية والتاريخية فيه .
    وممارسة الفنون الشعبية الأدائية تنمي الذوق والقيم الجمالية وتدعو لروح الوحدة في الجماعة .. ونجد الرقص الشعبي وهو أقدر الفنون ا لشعبية علي التعبير عن تحركات وأفكار وانفعالات الإنسان .. فهو الخطوة الأولي نحو كل الفنون وما أصدق شلدون تشيني حين قال " الرقص هو أقدم الوسائل التي كان الناس يتنفسون بها عن إنفعالاتتهم .. وقد كان الإنسان البدائي – بالرغم من فرق وسائله التعبيرية وقلة محصوله من أوليات الكلمات الأساسية المنطوقة – كانت وسيلته الشائعة في التعبير عن أعمق مشاعر هي الحركة الرتيبة الموزونة وذلك لأن الطبيعة من حوله كانت تتحرك حركة إيقاعية وذلك لحركات الأمواج المالية وتموجات الحقول التي تداعبها أنامل الريح .. لقد كان القمر والشمس يشرقان ويغربان في نظام ثابت وكانت ضربات قلبه إيقاعية وكان طبيعياً لهذا السبب أن يخلق الحركة الإيقاعية يعكس بها ما يخامره من فرح وبهجة " .
    لذا أصبح الرقص الشعبي جزء من عادات وتاريخ الشعوب ، بحيث نجدهم يقلدوا الحيوانات والطيور ويرقصون بدافع المسره أو تعبيراً عن الحزن لوفاة عزيز أو بدافع الحوجة للمطر والغذاء فالقبيلة محتاجة إلي المطر الذي يجعل المحصولات تنمو لذلك ترقص القبيلة رقصة المطر ورقصة الإخصاب والصيد والحرب دفاعاً عن القبيلة ومخاطر الشر ويؤكد شلدون تشيني بأن الإنسان البدائي كان يتحدث إلي الهته بلغة الرص ويصلي لهم بلغة الرقص ويشكرهم ويثني عليهم بحركاته الراقصة.
    إذن فإن الرقص الشعبي استمد أهميته ووظيفته من الحياة الاجتماعية والفكرية ونظامها الاعتقادي ومن قيم المجتمع مما يجعله يساهم مساهمة مباشرة في تنمية الفرد .
أنواع الرقص الشعبي في السودان :
    ينقسم الرقص الشعبي في السودان إلي :
1/  رقص الحـــرب :
    وهي رقصات تمارس لإظهار قدرة القبيلة أو المجموعة العرقية في البطولات وإمكانياتها في صد العدوان ، كما تهدف هذه الرقصات إلي رفع الروح المعنوية لشباب القبيلة وأن تثير في حماة القبيلة الشجاعة والإقدام والحماسة ورفع وتقوية روح الحرب بالرقص ومثال رقصة الشلك ورقصة السيف للهدندوه ، ورقصة الصقرية أرض البطانة ويرقص بتلقائية وجمالية تعبير ، وتكتمل اللوحة الراقصة بالأزياء المنظمة والمنقمة والإكسسوارات المعبرة بدقة ، وهكذا يستمر الرقص بالساعات الطويلة بقوة وحيوية .
    أما الحصان فيظهر جلياً في رقصة " النقارة " التي تعرف برقصة المسيرية ، حيث يتحول الشبان متقمصين الحصان تعبيراً عن صيد الأفيال وهذا يشكل تهيئة ودافع لأفراد القبيلة لتحقيق البطولة ، وهو بدوره بفتح نافذة إلي عالم الأداء الحركي الجماعي ، ويصور صورة إيجابية للرقص الشعبي بالسودان ما له من تأثير علي المتلقي وهو مشارك دوماً في حلقة الرقص ليكمل فعل الطقس فيزيل كل الفوارق الاجتماعية والجمالية والمعرفية .
    وفي شرق السودان حيث تتمركز مجموعة البجه من هندندوه وبني عامر وحباب وغيرهم من القبائل نجد أن الحيوان هو المحرك الأساسي لمضمون وشكل الرقصات وحركتها ، ففي رقصة السيف نجد الجمل هو الشخصية المحورية والأساسية التي تبني عليها الرقصة لأن الجمل يعتبر لهذه المجموعة مصدر رزق وسبيلها للاتجار وعنواناً للمجد ، كما أن صبره وقوة  تحمله صفة يتشبه بها الرجال العظماء ، كما أن لحركته دلالات جمالية لا يمكن أن يقلدها إلا الشخص الذي يمتلك مهارة عالية ، وهذه المهارة هي عنوان المنافسة والبطولة .
2/  رقص الحيوان الطبيعة :
    وهي رقصات تعتمد علي محاكاة الحيوان مثل الكمبلا والنقارة أو التبرك للمطر وأهمية الإخصاب والثمار في حياة الإنسان السوداني مثل رقصة الزراعة بالنيل الأزرق وتعرف أيضاً برقصة الحصاد .
3/    الرقص الاجتماعي :
    وهي رقصات استمدت أهميتها من الحياة الاجتماعية ودورة حياة الإنسان منذ الولادة حتي الممات ، ورقصات الزواج من أكثر الرقصات تأثيراً علي تحريك الإنفعالات وخلق لغة التواصل بين أفراد المجتمع المختلفين ولها أهمية أخري هي التسلية والترويح والتعبير عن المشاعر بالإضافة إلي القيم الثقافية التي من خلالها استطاع الإنسان السوداني أن يحفظ تراثه وينمي خبراته الجمالية والمعرفية .
نماذج من الرقص الشعبي في السودان :
*   رقصة الكمبلا :
    تمارس رقصة الكمبلا بوضوح في منطقة جبال النوبة ، وتعرفها معظم قبائل وعشائر تلك المنطقة ، إلا أن أصلها يعود لأفراد قبائل ( الميرى ) ، وهي تؤدي في المناسبات والأعياد التي ترتبط بالأسبار أو طقوس المطر ، و ( الكجور ) هو مانع المطر ، كما تمارس الكميلا أيضاً في سبر الدرت  ، حيث يعلن الكجور وهو المسئول عن موسم الكمبلا ، يعلن المنادي ( أن أوان الرقص والفرح لأن الموسم قد أتي نتاجه ) ، وعليهم أن يحتفلوا به إبتهالاً بقدوم موسم آخر .
    يبدأ الكجور الرقصة بحيث يأخذ سوطا من السعف  ويجلد به كل ما يصادفه ، ثم يعطي بعض الرجال المقربين له أسواطاً من السعف يدعونهم "المناديب" ، ومهمتهم إعلان بدء الكمبلا في كل قرية ، ويسمح لهم باصطياد الماعز، ولا يعترضهم أحد ، لأن العادة تنادي بذلك ، ومن يعترض ستصيبه الآلهة بالشر ، ومن يجلدون أو يعمدون لتلك السنة ، يحق لهم أن يفعلوا مثلما يفعل المناديب في صيد الحيوانات ، ويحمل كل منهم سوطاً من أسواط الكمبلا يجلد به علي الأرض أو يخيف به الصغار الذين يصادفهم في طريقة ، وبعد يطوي الكجور سوط السعف ، حيث يسمح بالرقص للراقصين نهاراً وليلاً في أمكنة مختلفة .
إن رقصة الكمبلا في ماديتها أو شكلها الظاهري ، تُعد حركات مباشرة لحالة التلازم والتقليد المتكرر بين أحد رجال القبيلة ، والثور الذي يقود القطيع ، وهذا ما تعكسه رقصة الكمبلا ، فأمامنا رجل يتصدر رفاقه الراقصين ، ويقودهم وعلي رأسه قرون ثور ضخمة وحادة ، وهو يتقمص شخصية الثور ، ويحاكيه في كل حركة يقوم بها حركات الثور ، مدللا علي فحولته ورجولته ، ويشاركه نسوة في نصف دائرة يتغنين ويرقصن ، ولكل منهن ( ذيل ثور ) يمسكن به ، ورجال يلبسون قرون ثيران ضخمة ، ويشارك أيضاً إيقاع الطبل الأفريقي الحاد في تكملة الشكل العام للموقف، لدرجة خلق توافق بين الإيقاع وحركة الراقصين ، ومنظر الراقصين يمثل تجانسا لسير القطيع ، وقائد القطيع هو الثور الأكبر ، قوي البنية ، يعرف أصول الرقصة، يرقص ويسير في خط متعرج وهو يميل بجسمه ويحرك رجليه ويديه ، ومن خلفه الراقصون يتبعونه ويفعلون فعله ، وتسمع صياح وجلبة أشبه بخوار البقر ، وتكملة للصورة بمؤثرات صوتية فيها أجراس وخلاخل في الأقدام ، ويبدأو الراقصون وكأنهم في لحظة جنون جماعي ، جنون من نوع آخر ، غير متعارف عليه ، ويكتمل الإلهام بالبهجة التي تغمر الوجوه وعليها يسيل العرق مدراراً ، فالامتناع عن الرقص يجلب للناس المجاعة والتعاسة . أما الفرحة فهي بشري ، وحين يرقص الناس حسب المفهوم القبلي ، تنمو المحصولات .
    نجد أن رقصة الكمبلا خضعت لعامل الطبيعة وتطور المجتمع ، حيث وضح التأثير جليا بطابع الحياة البيئية والجغرافية للمنطقة ، فهي تمثل في جوهرها طابع الحياة الإفريقية عند القبائل الزنجية بمعتقداتها وخرافاتها وتصوراتها للأشياء ، ومن ناحية أخري التأثير الذي حدث بين تلك القبائل والثقافة الإسلامية العربية التي حدثت من خلال عمليات الأحتكاك المباشر والغير مباشر بين قبائل النوبة وبعض القبائل العربية ، لذا تأثرت الرقصة في شكلها بقيمة ( البقر ) الاجتماعية ، وتأثيرها الاجتماعي وتربيتها واستخدامها ، فهي تضفي بعض الأهمية للمركز الاجتماعي ، إضافة إلي أن الرقصة تحقق رغبة لدي رجل القبيلة في أن يتمثل نفسه ثوراً  ولو لحين ، والمرأة تؤكد ذلك بحملها ذيل الثور في يدها عالياً وهي ترقص خلفه معلنة فحولته ورجولته علي الملأ ، وهي تغني وتهلل فرحاً .
كما أن لهذه الرقصة دلالة أخري لحالة شعورية تكمن في جوهر مجتمع قبائل النوبة في تقمص أو تمثيل الرجل لحيوان مثل ( الثور ) أو غيره من الحيوانات ، لهذا دلالة اسطورية رمزية لظاهرة عرفتها المجتمعات البدائية هي ظاهرة "الفتشية Fetishism " . ورقصة الكمبلا علي ذلك تلتصق بوثنية بدائية تحمل رواسب للسحر كأقدم ديانة عرفها الإنسان ، وعرفتها مجتمعات أفريقيا .
*  رقصـــة النقـــــارة :
    تعرف رقصة النقارة أيضاً باسم رقصة المسيرية ، وهي من الرقصات التي تمارسها قبائل النقارة والمسيرية الزرق ، والمسيرية الحمر ، في غرب السودان ، في جميع المناسبات مثل الحصاد والصيد والختان والزواج ، وهي رقصة سريعة ، يشترك فيها الفتيان والفتيات ، وتعتمد علي الإيقاع حيث تبدأ ضربات الإيقاع علي آلة النقارة ، والتي تصاحب الرقص ، وعادة ما تستخدم أكثر من نقارة متفاوتة الأحجام في وقت واحد تكون مع بعضها البعض إيقاعات متقاطعة وإيقاعات   مركبة . 
    يدخل الفتيان حلقة الرقص ويتقدمهم الراقص الأساسي الذي يقود الرقص ، ويعتبر هو قائد الرقصة ويتحرك بسرعة وعنف مع خبط الأرجل وهز الجسم كله في حركات عنيفة تعبر عن القوة والمتانة ورشاقة الجسم ، والتأكيد علي المهارة في الرقصة بثقة . كما يلبس الفتيان ملابس نظيفة وفاخرة ، والفتيات ملابس جذاية ملونة ، وبعد ذلك تعلو الإيقاعات ، تضرب النقارة حتي يصل الإيقاع مداه ، وهنا تتجلي المهارات الخاصة ، ويتحول الشبان وخاصة القائد متقمصا الحصان ، ويتحرك مثله ويرقد بمهارة ، ثم يقصد هذا القائد أمهر الفتيات رقصا ويفوز بها وبجائزة معها . وعادة تكون أمهر الفتيات تقمصا للنعامة في حركاتها وسرعتها وتحريك رقبتها .
    نجد في هذه الرقصة حركة الكر والفر واضحة في أسلوب الراقصين ، والحماس والاستعراض في أسلوب الراقصات . كما يبين القائد عادة عزمه وإصراره في التقدم والنيل من العدو ، ويبين ذكاءه ومهارته في المراوغة والكر المفاجئ ليعود مرة أخري حتي ينتصر في النهاية .
    ورقصة النقارة تلفت الإنتباه إلي مضمون يعكس طبيعة الحياة والقيم الاجتماعية المتأصلة في نفوس هذه القبائل ، مضمون يرتبط بالصيد والفروسية والقوة ، والفروسية عند قبيلة ( المسيرية ) الزرق ( والحمر والبقارة ) ترتبط بقيمة الحصان في صيد الفيلة ، لأن الحصان الجيد المدرب الأصيل دائماً يركبه فارس من فرسان القبيلة ، وهذا الفارس يستطيع ركوبه والصيد بواسطته الأفيال والفيل عدو عنيد وعنيف ، ولكنه قيمة إقتصادية ويعني الثراء والمجد في هذه المنطقة .
    ويؤكد ذلك الراقص فرح بخيت ، بالفنون الشعبية السودانية ويقول: " إن رقصة النقارة تعكس معني الفروسية والمجد ، وتشرح كيف استطاع الفرسان صيد الأفيال وصعوبة صيدهم ، كما تعكس رجوع الفرسان من الصيد وكيف تستقبلهم النساء بالرقص والغناء والزغاريد "  .
*  رقصة الســيف :
    تُعرف رقصة السيف برقصة " التكوَّي " ، وترتبط بقبيلة الهدندوة من شرق السودان ، وتمارس في المناسبات وخاصة الزواج ، يقف الرجال والنساء في صفين متقابلين يحمل الرجال السيوف بحيث يعكسوا الشجاعة والفروسية والبطولة ، ويتقابل الفرسان والمهزوم يقع ويختفي من المجموعة . ويصبح الفائز هو القائد الذي يبين مهارته ، ويلعب بالسيف ، ثم يرفع السيف بحماس ، يضع السيف في صدره ، ثم في الرقبة والصدر معاً ، ويحرك رقبته كزحف الثعبان وهو يحافظ علي توازن السيف بمهارة ، ويبدأ بهدوء في تحريك رقبته إلي أسفل حتي يري الأرض من خلفه . ثم يعود مرة أخري بحيوية يحمل السيف ويتكئ عليه برقبته وهو يرقص مع ضربات الإيقاع والغناء الحماسي الذي يعكس الشجاعة والبطولة وهو متقمص شخصية الجمل ويتحرك بطريقته في مهارة  فائقة .
    الجمل يعتبر بالنسبة لقبيلة الهدندوة مصدر رزق وسبيلها للاتجار وعنوانا للمجد ولقضاء حاجة كل شخص في حياته . فمن وبره وجلده يتُخذ الغطاء ، كما أن صبره وقوة تحمله صفة يتشبه بها الرجال .
    في لقاء مسجل بين الباحث و ( النور حامد موسي ) الملقب " بأبيس حليمة " وهو راقص متفرد وذو مهارة عالية ، ويعتبر الراقص الأول في الشرق ولقبيلة الهدندوة ، يذكر " إن الجمل حيوان قوي ومتين وصبور ، وفوق ذلك أنه يتحرك حركة جميلة ولا يستطيع أي إنسان أن يتحركها أو يقلدها أو يحاكيها إلا من له مهارة، وهذه المهارة عنوان للمنافسة والبطولة ، فأنا عندما أرقص التكوي ، وأمثل دور الجمل فلا يستطيع أي شخص من أي قبيلة أخري أن يتحداني " .
*  رقصــة المــردوم :
    يرجع بعض الباحثين الكلمة ( المردوم ) إلي مردوع بمعني يردع الأرض ، وتقوم هذه الرقصة أساساً علي الضرب بالأرجل ، ويصحب ذلك إهتزاز وحركة للجسم مع الصفقة وهذا النمط من الرقص المصاحب بالغناء يرتبط أرتباطاً بالظروف الاجتماعية لإنسان كردفان من أفراح وحصاد فرقصة المردوم خاصة بقبيلة البقارة حيث يجسد المردوم .. الفرح والقوة وأستقبال معاني ومفاهيم علاقة إنسان كردفان بالرحيل ... فعند .. الرحيل في فترة الجفاف يكون الغناء حزيناً ، وعند العودة إلي الديار يكون الغناء مرحاً ويعبر عن الإبتهاج بعودة الأحباء مصحوباً برقصة حيوية لها دلالات الفرح المستمر .. ويصاحب رقصة المردوم ضرب إيقاعي يسمي إيقاع المردوم بنفس المسمي .
*   رقصة العروســة :
    رقصة العروسة وسط السودان ... تعبر عن قدرة إنسان السودان في محاكاة الحمامة وهي توحي بدلالات زاخرة من المعاني تظهر بأن العروسة جميلة ومعافاة من العيوب وسليمة ، ذات حركات تشبه نوع معين خاص من الحمام يسمي الحمام ( الرقاص ) الراقص . فالعنق يتم تحريكه بصورة عميقة وإنسيابية مع إيقاع التم تم وإيقاع السيرة .
*   رقصة الدليــب :
    رقصة الدليب سميت علي إيقاع الدليب لقبيلة الشايقية شمال السودان ... فهي رقصة حيوية من الرجال والنساء تعبر عن الفرح والاحتفاء بمعاني .
*  رقصة البطان :
    رقصة تمارس في مناسبات الأفراح وخاصة مناسبات الزواج لدي قبيلة الجعليين شمال السودان بحيث يقف الشاب بقوة راضياً ليظهر شهامته وفروسيته وقدرته للصمود لأستقبال الجلد بالسوط أمام الجمهور المحتفل بالمناسبة فضرب السوط يعتبر تراثاً موجوداً منذ القدم لقبيلة الجعليين . وتعتبر مظهرة من مظاهر الإستعراض للشجاعة والصبر علي المكاره ، كما أن هنالك قبائل أخري عرفت البطان مثل قبيلة الكواهلة .
    البطان هو عادة ضرب بالسياط علي الظهر لإظهار الشجاعة ويكون في أحتفال الزواج وغيره بحيث يتعري الرجل في الأحتفال علي إيقاع الدلوكه مع مصاحبة الشتم والسياط تلهب الجسد وتخرج الدماء ... بحيث يثبت الشاب راكزاً لقوة حتي يسمع زغاريد النساء ثم تكتمل صورة الاحتفال برقصة العرضة .
*   رقصة الفرنقبية :
    لقبيلة الفور بولايات دارفور ... فهي رقصة تعتبر محور ومرتكز لقبيلة الفور ثقافياً وحياتياً لأنها تمارس لكل مراحل العمر والحياة لإنسان الفور . وكلمة فرنقبية كلمة من مقطعين ( فرنقا ) وعني الغزلان و ( بيا ) وتعني جفلن وتكون الكلمة فرنقبية هي الغزلان جفلوا ... فهي رقصة حيوية تشبه تماماً حركة الغزلان في سرعتها وقفزاتها وإجتماعها وحذرها ويشارك فيها الجميع من نساء ورجال بجميع الأعمار ... وهم يحملون معهم السيوف والفؤوس والبرانيل ( الطباقة ) وأزياء مختلفة وملونة .
*  رقصة الصقرية بني عامر :
    تسمي رقصة الصقرية لقبيلة النبي عامر برقصة الدرقه والسيف ... وهي عبارة عن أستعراض راقص يتكون من جزأين جزء خاص بالرجال ويعكس قدرة ومهارة شباب البني عامر في القتال والمبارزة بالإضافة لإظهار مهارة الرقص والتلاعب بالسيف والمهارة في عمل تابلوهات استعراضية جذابة ومدهشة ذات طابع فني أكروباتي . وذلك عبر شابان في أداء تعبيري حركي في أداء مشهد المبارزة عند سماع اللحن والموسيقي الخاصة من العازف لآلة الطمبور ، ومضمون ودلالته خاصة بأوقات الحرب لإثارة الحماس .. وحتي نهاية المشهد يفوز أحد الشبان ويرفعان أيدهما إلي أعلي ويهز كلاهما السيف والدرقه ويضربان الأرض ضربة قوية بالقدم اليمني ويصيحان أبشر ... ويحييان الجمهور . والجزء الثاني من الرقصة يستعرضان عرضه في أداء رقصة الرقبة يقلدان حركة الجمل مع عمل مهارات بالرقبة والصدر بخطوات إيقاعية مع إيقاعات الطبول ويشارك في هذه الرقصة النساء .
الخاتمــــــــة والتوصيات:
يتميز الرقص الشعبي في السودان بالسهولة والتلقائية والجماعية والأصالة والجمال والتناسق المنسجم ويتخلله الغناء والموسيقي والإيقاعات ... وكل رقصة شعبية لها تتابعها من أحداث حركية ومفردات لها دلالاتها العميقة الضاربة في جذور المجتمع ... ولها بناؤها الإيقاعي وشكلها الديناميكي الخاص ... ولها خطوات وخطوط ومسافات ومدي واتجاه ... بالإضافة إلي الأزياء والألوان والإكسسوارات المصنعة بدقة ودلالات ... فكل مفرده في الرقصة الشعبية لها معني.
بما أن الرقص الشعبي في  السودان ارتبط بتفاعل إنسان السودان مع البيئة في التعبير عن نفسه وحاجاته ، فإن محاكاة الحيوان تعتبر صفة ملازمة للتعبير ، فمثلاً نجد أن محاكاة الحيوان في رقصة الكمبلا ، تعبر عن الثور ، والثور حيوان فاعل لإنسان جبال النوبة ويحتل مكانة خاصة في وجدانه وحياته بمعتقداته وخرافاته وتصوراته للأشياء فالراقص الأساسي يتقمص الثور مدللاً علي فحولته ويتبعه كل الراقصين مع حركة حوافر الثور بإيقاع ضربات الأرجل علي الأرض ويصدر أصواتاً أشبه بخوار الثور مع نسوة يتغنين .
نجد رقصة البطانة فهي تبين استعراض أبناء القبيلة لإظهار البطولة والرجولة كقيمة أساسية للزواج فيضرب الشباب بالسوط " العنج " بقوة من أجل شبال زغروده وهكذا لكل قبيلة قيمة خاصة في احتفالات الزواج .
الرقص الشعبي في  السودان له خصوصية وخاصية فلكل منطقة أو مجموعة ثقافية لها رقصتها فمثلاً في الشمال رقصة حلفا للحلفاويين " النوبيون " والدليب للشايقية والبطان للجعليين وفي الشرق رقصة التكوي للهدندوه والصقرية للبني عامر ورقصة السيف للحباب والرشايده للرشايدة ، وفي غرب السودان رقصة الكمبلا للنوبة والمسيرية للمسيرية ، والتعايشة للتعايشة ، والفرنقبيه لكل قبائل دارفور ، أما في الجنوب رقضة الزاندي للزاندي والقفز للدينكا والحرب للشلك والنوير للنوير وقصة اللاتوكا للاتوكه وهكذا .
كما نجد ان اسم الرقصة أحياناً يرتبط بالإيقاع مثل رقصة الدليب لإيقاع الدليب ورقصة البقارة للنقاره ، والمردوم لإيقاع المردوم ، وهنالك كثير من الرقصات سميت باسم القبيلة .
التوصيـــــات:
-    المواصلة المزيد من البحوث في مجال فنون الأداء الشعبي في السودان حتي لا يكون هنالك فصل بين الثقافة وحركة تطور المجتمع ..
-    عكس الإعلام لدور و تأثير فنون الاداء الشعبي في إبراز هوية المجتمع محليا وعالميا .
-    نوصي بإدخاله في مناهج العلوم الانسانية وثقافة المجتمع.
-    نوصي بقيام مهرجان للرقص الشغبي وفنون الاداء الشعبي في المجالات التخصصية الاخرى باجهزة الاعلام المختلفة .
-    ربط جسر بين  فنون الاداء الشعبي والسياحة بالسودان حتى نعكس صورة للثقافة السودانية وهويتها .
الملاحق :
 

 


المصادر والمراجــــع
1.    محمد الجوهري ، علم الفولكلور ، الجزء الأول ، القاهرة ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، 1983م ،   ص 44 .
2.    راجع د. محمد الجوهري – علم الفلكلور – المرجع السابق – ص 47 – ص66
3.    عبد الغفار محمد أحمد ، قضايا للنقاش ، الخرطوم ، دار جامعة الخرطوم للنشر ، 1988م ،  ص 143 .
4.    أنظر عبد الغفار محمد أحمد – مرجع سابق
5.    معجم اللغة العربية ، المعجم الوسيط ، الفاهرة ، مطابع الأوفست ، شركة الإعلانات الشرقية ، 1985م، ص 788 .
6.    طلعت منصور – أنور الشرقاوي – عادل عز الدين – فاروق أبو عوف ، أسس علم النفس العام ، القاهرة ، مكتبة الأنجلو المصرية ، 1989م ، ص 468 .
7.    فرح عيسي محمد ، العراف التقليدي ، مجلة الفولكلور السوداني ، الخرطوم، معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية ، جامعة الخرطوم ، المجلد الثاني ، العدد الأول ، السنة ا لثانية ، 1987م ، ص 58 .
8.    محمد عطا ، الحركة العاقلة بين النظرية والتطبيق ، القاهرة ، الدار القومية للطباعة والنشر ، 1964م، ص 15 .
9.    محمد حسن علاوي ، محمد نصر الدين رضوان ، الإختبارات المهارية والنفسية في المجال الرياضي ، القاهرة ، دار الفكر العربي ، 1987م ، ص 19 .
10.    بلانش سلامة متياس ، علم الحركة ، الفاهرة ، جامعة حلوان ، كلية التربية الرياضية ، 1986م ،  ص 11 .
11.    بلانش سلامة متياس ، علم الحركة ، مرجع سابق ، ص 11 .
12.    شلدون تشيتي ، تاريخ المسرح في ثلاثة آلاف سنة ، الجزء الأول ، ترجمة دريني خضبة ، القاهرة ، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والطباعة والنشر، 1963م ، ص 11 .
13.    الدكتور علي زيعور ، اللاوعي الثقافي ولغة الجسد والتواصل غير اللفظي في الذات العربية ، بيروت ، دار الطليعة ، نوفمبر 1991م ، ص 126 .
14.    دكتور فؤاد زكريا ، مع الموسيقي ذكريات ودراسات ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1985م ، ص 55-57 .
15.    علي عثمان الحاج ، الضروب الإيقاعية السائدة بشرق وغرب السودان ، رسالة ماجستير غير منشورة ، القاهرة ، أكاديمية الفنون ، المعهد العالي للموسيقي العربية ، 1990ك ، ص 64 – 65 .
16.    فؤاد زكريا ، مرجع سابق ، ص 61 .
17.    شاكر مصطفي ، عالم الثقافة المتخلفة ، مجلة عالم الفكر ، الكويت ، وزارة الإلاعم الكويتية ، المجلد التاسع عشر ، العدد الأول ، أبريل ، مايو ، يونيو 1988 ، ص 57 .
18.    د. فاطمة العزب – الأسس العلمية للتعبير الحركي الشعبي – الإسكندرية – دار بور سعيد للطباعة – 1990م ص 17 .
19.    شلتون تشيني – تاريخ المسرح في ثلاثة آلاف سنة الجزء الأول ، ترجمة دريني خشبة – القاهرة – المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر – 1963م – ص 11 .
    محمد هارون كافى ، الكجور في جبال النوبة ، دار النشر جامعة الخرطوم، يوليو 1976م ، ص 109 – 127 .
20.    فرح بخيت ، يعتبر من أمهر الراقصين في منطقة المجلد بغرب السودان ، وهو من قبيلة المسيرية أهلته قدراته واحتياجاته للإنضمام بالفنون الشعبية عام 1967م ، وعمل راقصا ثم مدرباً .
21.    د. إدريس يوسف محمد – لغة الفور ، القواعد والأصول ، الخرطوم ، نيو إستار للطباعة ، سبتمبر 2000م ، ص 46 .
التسجيلات واللقاءات المكتوبة :
1.    النور حامد موسي ( أبو حليمة ) ، لقاء مسجل ، مدينة كسلا ، الأربعاء  24/7/1991م .
2.    رحال بارجيل لقاء مسجل كاسبت ، أمدرمان ، الفنون الشعبية ، بتاريخ 21/7/1991م
3.    عوض غبوش ، لقاء مسجل كاسبت ، أمدرمان ، الفنون الشعبية ،بتاريخ 21/7/1991م
4.    فرح بخيت ، لقاء مسجل كاسبت ، أمدرمان ، الفنون الشعبية ،بتاريخ 2/10/1991م
5.    محمد سليمان نصر ، لقاء مسجل كاسبت ، أمدرمان ، الفنون الشعبية ،بتاريخ 1/8/1991م


 


 

 

 

أضف تعليقاً

0 تعليقات