حضارة المجموعات النوبية

السادس من شهر مايو عام 2018م



د. أحمد حسين عبد الرحمن

 

المستخلص:

   تهدف الدراسة إلى تناول حضارة المجموعات النوبية المبكرة من تاريخ السودان، وهي فترة مهمة؛ نسبة للقيمة التاريخية والحضارية التي تتسم بها هذه الحقبة من التاريخ القديم، وقسمت الدراسة إلى مراحل تبدأ بمرحلة الاكتشاف وتستمر حتى آخر مرحلة من مراحل ظهور المجموعات النوبية، وتستعرض الدراسة أعمال التنقيب التي أجريت على مواقع حضارة المجموعات النوبية.

 

 

 

 المقدمة:

تعود معرفتنا بالمجموعات النوبية المبكرة إلى المسح الآثاري الأول (1907-1911) الذي أجراه كل من (رايزنر وفيرث) . حيث استطاع رايزنر خلال هذا المسح أن يميز بين ثلاثة مجموعات من المدافن على حسب أنواع الفخار الموجود فيها وشكل المقابر. وعلى هذا وضع رايزنر تصنيفه المشهر للمجموعات النوبية (A) و (B) و (C) و (X).

 

المجموعة (أ)-A

اكتشاف المجموعة (أ):

كانت أقدم الاكتشافات التي تمت في النوبة السفلى هي تلك التي قام بها فلندرز بتري الذي استخدم مصطلح (Pan-Grave) للإشارة إلى المقابر غير المصرية والتي تحتوي على مواد غير مصرية . وقد وصف بتري هذه المقابر والبقايا بأنها نوبية.  وفي عام 1906 قام فيجال (Weigall) بمسح في النوبة السفلى وقام بمحاولة وضع البقايا والأطلال والجبانات القديمة في تسلسل زمني واستخدم نفس المصطلح الذي استخدمه بتري للإشارة إلى البقايا غير المصرية. وبذلك كان مصطلح (Pan-Grave) مستخدماً في ذلك الوقت للتفريق بين المخلفات المصرية وغير المصرية.

في ذات الوقت قام الألماني كايسر (Kaiser) بحفريات إلى الجنوب من أسوان للمرة الأولى. وقد كشفت حفرياته  عدد من المواد النوبية وبدأ في تقسيمها إلى مجموعات ألفبائية بدأ من (A) وانتهاء بـ (X). (Reisner, 1910: 53).

مع ذلك فإن أكثر الأعمال جدية في الكشف عن المجموعة (أ) كان العمل الذي قام به جورج أندرو رايزنر الذي ارتبط اسمه باكتشاف هذه المجموعة بعد حملة إنقاذ آثار النوبة الأولى. وقد عمل رايزنر في النوبة السفلى لموسم واحد بداية بالعام 1907 ثم واصل فريقه العمل حتى عام 1911. وقد أصبحت أساليب رايزنر المنظمة في التسجيل والرسم ومسح المواقع هي الاساس للعمل الحقلي اللاحق بالنوبة السفلى ومناطق أخرى بالسودان. وقد استطاع رايزنر بالتحليل الدقيق والملاحظات المهمة أن يقسم الجبانات إلى مجموعات ألفبائية ، فظهرت تسمية المجموعات النوبية المعروفة (المجموعة أ ، المجموعة ب ، المجموعة ج ، المجموعة د) وترك فرغاً بينها لاكتشافات لاحقة انتهاء بالمجموعة س أو (X). وبذلك يبدو أن رايزنر قد طبق نفس التقسيم الألفبائي لكايسر.

لقد أثبتت الحفريات اللاحقة تحليل رايزنر للمجموعات الثقافية النوبية وتم استخدام نتائجه ومصطلحاته بشكل واسع بحيث أن هذه الأعمال اللاحقة لم تضف إلا القليل وبعض التفاصيل واقترحت بعض التعديلات عوضاً عن تغيير المنهج الذي وضعه رايزنر. وفي حالة المجموعة (أ) فقد استخدم في الأصل للإشارة إلى مجموعة من المقابر في الجبانة رقم (7) في منطقة شلال . وفيما بعد أصبح المصطلح مستخدماً للإشارة إلى مقابر أخرى في جبانات متعددة(Ibid:54) .

 

أصول المجموعة (أ):

في رأي رايزنر أن المجموعة (أ) تمثل أول مجموعة بشرية تستوطن النوبة السفلى وأنها تمثل هجرة للمستوطنين الشماليين إلى النوبة التي كانت مهجورة ولم تسكن من قبل . وقد تم إثبات وجود هذه المجموعة بالأعمال اللاحقة رغم أن عدداً من أفكار رايزنر فيما يتعلق بأصل وعلاقات المجموعة (أ) قد جانبها الصواب. فالدلائل التي وفرتها حملة السد العالي أثبتت أن المجتمع والثقافة خلال فترة المجموعة (أ) كان ذو سمات نوبية خالصة وله علاقة بالمجتمع والثقافة السابقة له في العصر الحجري الحديث (ثقافة عبكة). كما وضح أنه لا يوجد اختلاف بين المجموعة (أ) والمجموعة (ب) ، مع وجود علاقة ثقافية قوية بين المجموعة (أ) والمجموعة (ج). وفي هذا السياق تجنب أحد أهم باحثي الثقافة النوبية الأمريكي وليم آدمز (Adams, W) في كتابه (النوبة بوابة أفريقيا Nubia Corridor to Africa) التضمينات العرقية لكلمة مجموعة (Group) واستخدم بدلاً منها كلمة ثقافية اكثر اتساعاً وهي كلمة الأفق (Horizon) واضعاً المجموعتين (أ) و (ب) في مصطلح واحد هو الأفق (أ) (A-Horizon) . (Adams:1977:47)

وفي حقيقة الأمر أن كلمة (مجموعة) تحمل في معناها دلالة عرقية واضحة . وقد ظهر ذلك بوضوح في تقسيم رايزنر للمجموعات وأصولها حسب مردودها الثقافي وتطورها أو انحطاطها. وهذا ناشئ بشكل كبير من النتائج التي توصل إليها عالم التشريح اليوت سميث فيما يتعلق بالأصول العرقية للمجموعات النوبية والتي تتلخص في الآتي:

  1. تمثل المجموعة (أ) مجتمعاً عاش في شمالي أفريقيا وهو من العنصر القوقازي الأبيض . وبالتالي كان لا بد أن يظهر التطور بوضوح على الآثار التي خلفها .
  2. يرى سميث أن العنصر الزنجي يغلب على المجموعة (ب) . وهذا عند رايزنر يدل على وجود عناصر أفريقية في المخلفات مع قلة العناصر الشمالية وهذا ما جعل رايزنر يظن أيضاً أن المجموعة (ب) قد قدمت من الشمال(Ibid:55).
  3. يرى سميث أن العناصر الزنجية قد قلت كثيراً في المجموعة (ج) قياساً بالمجموعة (ب) . ويرى رايزنر أن التطور من الناحيتين الصناعية والفنية في مخلفات هذه المجموعة هو دليل على ازدياد العناصر المصرية وسط الفخار وقدوم هجرات جديدة من الشمال.

تاريخ المجموعة (أ) عندما عمل رايزنر في النوبة السفلى عام 1907 كانت معظم طرق التاريخ المطلق غير معروفة. ولذلك أرّخ رايزنر المجموعة (أ) بالبضائع المصرية والمخلفات المحلية الأخرى. وقد أشار رايزنر إلى وجود أواني فخارية مصرية مستوردة في مقابر المجموعة (أ) مماثلة لنوع شائع في نهايات فترة ما قبل الأسرات وبداية الأسرة الأولى. وتوصل رايزنر إلى أن المجموعة (أ) معاصرة للأسرة الأولى والثانية وإلى حد ما إلى الأسرة الثالثة(Reisner:Op.cit:57) .

مع ذلك لم تعثر البعثة الإسكندنافية على أي أواني مصرية تؤرخ إلى ما بعد الأسرة الأولى. ولم يقبل ثلاثة علماء هم بروس تريقر ونوردستروم وهاري سميث تواريخ رايزنر. وهناك اتفاق عام على تأريخ البضائع التجارية المصرية في مقابر المجموعة (أ) وفقاً للتواريخ المحددة لها في مصر. (Trigger:1965: 33) وبذلك أرخت المجموعة (أ) وفقاً لتاريخ الثقافة الجرزية المتاخرة أو نهايات فترة ما قبل الاسرات. كما أرخت البعثة الإسكندنافية بعض مخلفات المجموعة (أ) إلى حوالي 4458 سنة مضت(Wendorf:1968:14-28)

يرى آدامز أن المجموعة (أ) قد مرت بثلاثة مراحل هي: 

  • الفترة المبكرة وهي معاصرة للثقافة الجرزية إحدى ثقافات ما قبل الأسرات في مصر (حوالي 3500 ق.م)
  • الفترة الكلاسيكية : 3400-3200 ق.م
  • الفترة المتأخرة: 3200-3100 ق.م. ويرى بعض الباحثين أن الفترة المتأخرة تمتد من 3150-2800 ق.م

فيما يختص بنهاية المجموعة (أ) فليس هناك دليل يوضح وجود فترة تدهور أو انحطاط طوال فترة المجموعة (أ) ولذل يعتقد كثير من العلماء أن نهايتها كانت بشكل مفاجئ. ويرى نوردستروم أن هناك تغير مفاجئ ظهر في فترة تعرضت فيها المجموعة (أ) إلى تصاعد في التطور الاجتماعى والاقتصادي. (ادمز:2004: 49)

 

السمات التشخيصية والمدى الجغرافي  للمجموعة (أ):

أشار آدمز إلى أن هناك أربع مميزات للمجموعة (أ) تميزها عن سابقاتها في العصر الحجري الحديث وهي:

  1. زراعة المحاصيل. 2. بداية المعمار المنزلي. 3. صناعة الفخار الأحمر والأسود المميز. 4. ممارسة وضع الأثاث الجنائزي مع الميت.(المرجع نفسه:49 -67).

جغرافياً تمتد سمات المجموعة (أ)  من الكبانية في الشمال حتى الشلال الثاني. وتتركز هذه المواقع في معظم منطقة النوبة السفلى وحول المجاري والخيران. وقد تم العثور على جبانة بمنطقة صولب على بعد 60 ميلاً من الشلال الثاني. كما يتم سنوياً الكشف عن بعض آثارها إلى الجنوب من كرمة وبمنطقة الشلال الثالث ودنقلا مما يعنى أن هذه الثقافة كانت ممتدة جغرافياً وربما تكون هناك عدداً من المواقع التى لم يتم الكشف عنها بما في ذلك مواقع ضاعت مع غرق النوبة السفلى بعد قيام السد العالي. إضافة إلى ذلك أشار آركل إلى عثوره على فخار للمجموعة (أ) بالقرب من كبري أمدرمان القديم وبالقرب من كسلا وقوز رجب. كما أن هناك إشارات مدعمة بدلائل عدة على انتشار ثقافة المجموعة (أ) بالصحراء الغربية وشمالي وادي هوار (Arkell: 1955: 17).

مقارنة بالجبانات هناك القليل من المواقع الاستيطانية التي تم تسجيلها خلال الحملات الثلاث وربما يعود ذلك إلى أن الجبانات كانت توجد دوماً في أماكن عالية بعيداً عن فيضان النيل ولذا تكون درجة بقائها كبيرة. في الجانب الآخر تقع معظم مواقع السكن بالقرب من السهول الزراعية وعلى تربات طينية هشة في الغالب ولذلك كان من السهل تعرضها للفيضان أو للتدمير بسبب النشاطات الزراعية اللاحقة.

   وخلال حملة النوبة الثالثة أعطي اهتمام أكبر لحفر مواقع استيطان المجموعة (أ) . وقد لوحظ أن الموقع النموذجى للمجموعة (أ) يحتوى على الأشياء التالية:

  1. دلائل لاقتصاد المجموعة (أ) مثل مواقد الطبخ ومخلفات وعظام الحيوانات والأسماك.
  2. أواني فخارية مصرية ومحلية.
  3. ألواح حجرية مصقولة لطحن الألوان.
  4. رؤوس فؤوس حجرية ونحاسية.

ومن أهم المواقع التي تم الكشف عنها هي مواقع صرص غرب (11-M-7) وصرص شرق (11-L-14) و (11-M-8) وفي فرس وبلانة. كما تم العثور على مواقع أخرى في فركة وعمارة وأبي سمبل وجزيرة دبروسة. وتحتوى هذه المواقع على معسكرات للصيد. وقد عثر في أحد المواقع على أساس جدران لبيوت لا تزيد عن 6 غرف. وتعد البيوت الحجرية في المجموعة (أ) من اقدم أمثلة المعمار النوبي رغم أنه يعتقد أن أغلب البيوت كانت مجرد أكواخ من الحشائش وأوراق النخيل والعشب. وربما يكون ذلك من الأسباب التي تصعِّب من تحديد مواقع المجموعة (أ) (النور:2006: 34).

 من أهم مواقع المجموعة (أ)  موقع عافية الذي كشفت عنه البعثة الهندية خلال حملة النوبة الثالثة. وتم في هذا الموقع تم العثور على عدد من الغرف المبنية من ألواح حجرية وأرضيات من الطين والحصى. كما كشف في موقع الريجة على بقايا منازل دائرية مبنية من ألواح حجرية خشنة.

من أنواع المساكن الأخرى المحميات الصخرية التي تم العثور عليها في السيالة وسرة غرب. وقد زينيت بعض هذه المحميات برسومات وصور ملونة ومطبوعة.

 

اقتصاد المجموعة (أ):

يعتقد أن سكان المجموعة (أ) قد مارسوا زراعة القمح والشعير والعدس والبقوليات. أما جانب تربية الأبقار فيظل غامضاً ولكن هناك بعض الإشارات التي تدل عليه هي:

أولاً_ وجود كساءات جلدية في مقابر المجموعة (أ).

ثانياً_ ذكرت الأبقار والضان غنائمَ في نص مصري من الأسرة الرابعة (حجر باليرمو) ، يشير إلى حملة مصرية على النوبة في عهد الفرعون سنفرو . ويعتقد بعض الباحثين أن هذا النص لا يتعلق بالمجموعة (أ).

بالإضافة إلى ذلك لم يتم العثور إلا على القليل من عظام الحيوانات المستأنسة في مواقع المجموعة (أ) . ولا يعرف حتى الآن كيف ساهمت في الاقتصاد النوبي آنذاك (النور: المرجع السابق: 36) .

 

جبانات المجموعة (أ):

تختلف جبانات المجموعة (أ) في حجمها وأساسها الجنائزي. فبعضها يحتوى على قليل من المقابر وأخرى كبيرة الحجم. وهناك جبانات غنية من حيث الأثاث الجنائزي وأخرى فقيرة نوعاً ما. ومن أكثر الجبانات ثراءً ، باستثناء الجبانة (L) التي كشفت عنها بعثة جامعة شيكاغو، هي الجبانة رقم 137 جنوبي السيالة والتى اعتقد فيرث أنها تعود لزعيم نوبي أو ملك وأسرته. أما الجبانة الثانية المقبرة المسماة بالجبانة (L) في غسطل والتي عثر عليها أثناء حملة السد العالي. وتحتوى هذه الجبانة على عدد من الأواني الفخارية والحجرية ووصفت المقابر بأنها ملكية ، خاصة وأن موجوداتها يمكن أن تؤخذ دليل على ثقافة مركبة ذات علاقات خارجية واسعة. وقد ربطت هذه المقابر بنص مشهور نسب لفترة المجموعة (أ) وهو نص جبل الشيخ سليمان والذي يعتقد أنه يصور معركة حدثت في النيل بين النوبيين والمصريين في عهد الملك جر ثالث ملوك الأسرة الأولى. وهي تصور النوبيين قتلى ملقيين في الماء بعد أن احتل المصريون مدينتين من مدنهم وأسروا ملكهم الذي قيدت يداه بما يشبه القوس إشارة إلى أرض الأقواس (تاسيتى) وهو الاسم الذي كانت تشتهر به النوبة.

ويعتقد البعض أن هذا النص يشير إلى نهاية المجموعة (أ) بينما يرى آخرون أمثال بروس وليامس (Bruce Williams) الذي كتب عن حفريات المقبرة (L) أن هذا النص إنما يعنى انتصار النوبيين وليس نهايتهم. أن معظم جبانات المجموعة (أ) تقع بالقرب من النيل ولكنها لم تتعرض كثيراً للفيضان لوجودها في أماكن مرتفعة. ومعظم هذه الجبانات بلا غطاء فوقي في الوقت الذي كشفت فيه وربما يعود غيابه في حالات كثيرة للنهب المتكرر أو التعرية (آدمز: المرجع السابق: 49-51).

مميزات المقابر:

بشكل عام كان بكل قبر ميت واحد ، وهناك مقابر متعددة في فترات لاحقة حيث كان يتم دفن جثث جديدة مكان القديمة أو أن توضع فوقها. وكان البالغون في المقابر المتعددة يدفنون مع بعضهم بينما يدفن الأطفال مع الرجال والنساء. وقد لاحظ نوردستروم (أحد مدراء البعثة الإسكندنافية التي نشرت أحد أهم الكتب عن المجموعة أ) وجود اتجاه للتفريق الجنسي في إحدى الجبانات حيث لم يدفن الرجال والنساء مع بعضهم البعض في نفس القبر. وقد أشار نوردستروم إلى أن هذا يعكس ظاهرة عادية في النظام الديني أو الاجتماعي للمجموعة (أ).

   كانت معظم مقابر المجموعة (أ) تتجه من الشمال إلى الجنوب ، وتختلف الحفرة في حجمها وشكلها وعمقها. وبشكل عام  هناك نوعان رئيسان:

1. حفرة بيضاوية بسيطة شبه دائرية تحفر بعمق يصل إلى 80 سم.

2. النوع الثاني أقل شيوعاً وهو عبارة عن قبر ذو غرفة جانبية لا يزيد عمقه عن المتر والنصف.

 

العادات الجنائزية:

  1. كان الميت يدفن في العادة في شكل مكرفس ، يتجه رأسه ناحية الجنوب أو الجنوب الغربي، وفي حالات أخرى ناحية الشرق أو الجنوب الشرقي.
  2. كان الميت يغطى بحصيرة أو جلد حيوان أو كتان. وكانت الحصائر تصنع من القش والحشائش او أوراق والياف النخل. وفي بعض الحالات تم العثور على بقايا ريش أو طواقي ناعمة من القماش.
  3. يشتمل الأثاث الجنائزي على أشياء شخصية وأدوات مستخدمة في الحياة اليومية. وكانت الجسد يزين في بعض الأحيان بسلاسل من الصدف أو أساور من الخرز. وكان الخرز المصنوع من الصدف والقاشاني والعظام أو الحجارة شبه الكريمة من الاشياء الشائعة في المقابر. كما تم العثور على سلاسل من البرونز في بعض المقابر وأخرى من الذهب.
  4. من الأشياء الأخرى التي تم العثور عليها المغرة الحمراء وأنواع مختلفة من اللوحات الحجرية والختم المصنوعة من العظام أو العاج . ومن الأشياء النادرة الأشكال البشرية المصنوعة من الفخار أو الحجر.
  5. الفخار المصري وأدوات الطحن المستوردة.
  6. الفخار المحلى النوبي.
  7. الأسلحة (شفرات الفؤوس ، الأزاميل ، رؤوس الهراوات المصنوعة من الحجر والبرونز ومعظمها مصرية الصنع.

وقد تم العثور على مقابر للحيوانات بالقرب أو داخل جبانات المجموعة (أ) عدها رايزنر من مقابر المجموعة (ب). ومن الصعب تحديد تاريخ هذا النوع من المقابر. وبما أن بعض مواقع المجموعة (ب) قد صنفت للمجموعة (أ) فمن السهل القول إنها تؤرخ للمجموعة (أ). ويمكن القول إن المجموعة (أ) بدأت في ممارسة عادة الضحايا الحيوانية التي صارت شائعة خلال المجموعة (ج) (النور: المرجع السابق: 37-43).

وبشكل عام أظهرت مقابر المجموعة (أ) ثلاث مميزات مهمة:

  1. الاهتمام المتزايد بالحياة الأخرى.
  2. تركيز الثورة في شكل بضائع تدل على الرفاهية.
  3. وجود علاقات تجارية مع مصر

 

 

أهم مدافن المجموعة (أ):

نتائج أعمال التنقيب الآثارى التي أجريت في قسطل:

   في عام 1962م عندما انطلق في آخر لحظة فريق دولي من علماء الآثار لإنقاذ البقايا القديمة التي حاصرها ارتفاع مياه خزان أسوان (السد العالي)- كانت منطقة قسطل القريبة من النهر قد عدت منطقة لا تستحق إجراء بحث إضافي فيها. إلا أن كيث سييل Keith Seele ، الذي كان آنذاك مديراً لبعثة المعهد الشرقي لجامعة شيكاغو، رأى غير ذلك. فبعد تنظيف جبانة كبيرة ضمت مقابر تنتمي للمجموعة الأولى تماثل تلك التي لدي (كا) (Ka) والجبانات الخاصة بفترات ما قبل الإسلام. تأثر سييل في الحال بشكل قوي بأهمية هذا الموقع الذي صنف (رمزه) بالجبانة (L) برغم أن كل مقبرة فيها كان قد تم نهبها ودمرت واحترقت معظم محتوياتها.

   إن الكمية الهائلة للمادة التي تم اكتشافها دحضت أي رأي بشأن تصنيف الجبانة (L) لذا فإن أي تقييم ميداني قد يتم القيام به علي أساس المقابر الثلاث والثلاثون وتسجيل المواد الخاصة فيها ونتيجة لذلك وبسبب عدم وجود دليل واضح ومحدد للملكية يمكن تتبعه بشكل مباشر؛ فإن اقتراح سييل بأن هذه المقابر قد تكون (لأمراء) أو ملوك نوبيين لما قبل الأسرات قد تم تجاهله تماماً. ولم تذكر لا قسطل ولا الجبانة (L) في المناقشات المهمة التي جرت مؤخراً حول المجموعة الأولى أو حضارة ما قبل الأسرات.

    بحلول عام 1977 م _ بكل أسف بعد سنوات قليلة من وفاة كيث سييل المبكرة_ فإن مشروع نشر ما تم اكتشافه بواسطة البعثة النوبية للمعهد الشرقي تحول إلى بحث منظم لبقايا الجبانة (L). إن أول وأعظم مهمة مثبطة للمهمة هي كيفية أن يكون مفهوماً الركام الهائل من كسور وشظايا الأواني الحجرية، وكان قد تم في أعوام سابقة بذل جهد كبير لفحص هذه (الوصلات) ولكن نسبة لضيق الوقت لم يتم التمكن من إجراء مقارنة  لعزل الشقوف غير المترابطة من كل آنية. إن العملية الضرورية لتحديد عدد تقريبي للعدد الأصلي للمحتويات في المقابر، أصبح سهلاً تمييز كل آنية عن الأخرى وذلك بالتصميمات المميزة للعدد الهائل (للسلطانيات) الملونة للمجموعة الأولى وبالصفة المميزة المتغيرة للمرمر المصنوعة منه معظم الأواني الحجرية. وبالرغم من أن المتطوعة اليزابيث تيكن Elizabeth Tieken  التي كرست جهدها وفحصت المجموعة لسنوات عدة متصلة من قبل، قد حذرت من أن العديد من القطع لا تناظر إحداها الأخرى، ولم يتوقع أحد حتى لو من بعيد بأن العدد الكبير من المحتويات التي قد تظهر، الأواني الملونة ليست شائعة كذلك الأواني الحجرية نادرة في المواقع الأخرى الخاصة بالمجموعة الأولى. وخلال أسابيع من إجراء المقارنة وإحصاء وإعادة المراجعة، أصبح واضحاً بشكل متزايد بأن مجموعة قسطل احتوت علي عدد كبير من نوعي الأواني أكثر مما وجد من قبل على الإطلاق في النوبة (أكثر من ألف جرة كاملة مكونة من قدور ملونة مؤلفة من شقوف، وأكثر من مئة آنية حجرية). إن طبقة أو رتبة هذه الشقوف والشقوف الأخرى من الجبانة المنهوبة بدأت تشير إلى ما يمكن أن يسمي بالثروة الملكية (النور: المرجع السابق: 23 -30). 

  ويقع الفخار في خمس مجموعات رئيسة مميزة بالصناعة والزخرفة وإلى حد بعيد فإن الأواني الوفيرة (السلطانيات) الفخارية المرسومة مزخرفة في بعض الأحيان برسوم تذكارية - الممارسة التي تبدو أنها قد هجرت في فترة سابقة في مصر وتم إعادة إدخالها إلى النوبة السفلى من السودان - إن معظم هذا الفخار تمت زخرفته بنماذج هندسية أو بخطوط مستقيمة بشرائط أفقية لا تماثل أي فخار ملون في تلك الفترة. ومن المحتمل أن يكون قد تم نسخه بعد الفخار المشهور المزخرف بالأشرطة من السودان، أو ربما أقتبس من نماذج حبال الشباك المستخدمة في حمل الأواني. وربما تكون بالفعل إحدى المجموعات الصغيرة من الأواني قد تم صنعها في قسطل، تقليداً لأسلوب سوداني بعينه بشرائط عريضة منقوشة بطراز ونموذج لختم متعرج معروف تماماً في الجنوب. كما (السلطانية) السميكة اللينة والمحروقة بشكل جيد بنقوش وزخارف مختومة على سطح مصقول تمثل تقليداً آخر. وقد تمت زخرفة بعض هذه (السلطانيات) بالثعابين. كما وجد في مواجهة الطبقة التي ملأت الخلفية الموتيف المشابه. اللافت للثعابين التي وجدت علي الجانب الأسود المنقوش (لسلطانيات) المجموعة. الاسم الذي أطلق على الثقافة التي احتلت النوبة السفلى من المملكة القديمة المتأخرة حتى المملكة الحديثة (حوالي 2300-1500 ق.م) وتماثل هذه (السلطانيات) بشكل نظيرتها من المجموعة الثالثة (C) ويجب أن تعد جزءاً استمر طويلاً وتقليداً لم ينفصم.

    إن تقنية الصنع والأسلوب يختلف تماماً عن أية صناعة مادية أخرى للمجموعة الأولى قد يكون تم استيرادها من موطن المجموعة الثالثة المتأخرة من المحتمل من الغرب. إن الفخار المصري هو الأكثر شيوعاً بعد الأواني الملونة للمجموعة الثالثة. كما تماثل القطع المميزة فخار حقبة "نقادة الثالثة"، المرحلة الأخيرة لثقافة ما قبل الأسرات في مصر. وتضم هذه القطع "سلطانيات" متعددة الأشكال ما بين الصغيرة والكبيرة الضخمة، والزجاجات ذات العنق الضيق، والجرار الأسطوانية المزخرفة بشرائط متموجة، تضم واحدة من المقابر المتأخرة رسماً زخرفياً شبكي الشكل وجراراً كبيرة قوية ثقيلة "23" منها وجدت سليمة في خندق لواحدة من المقابر الضخمة المهمة، وأربع من جرار التخزين، هذه - ذات الشكل المعدل والتي وجدت في المقابر الملكية الأخيرة لما قبل الأسرات في أبيدوس - وقد نقشت بنقش يمثل بوضوح الشكل المبكر للكتابة الهيروغليفية، والعدد الأكبر من الأواني المصرية أواني ملونة، معظمها بخطوط متموجة تميز رسوم أواني ما قبل الأسرات. والقليل من هذه القدور مزخرفة بمجموعة من الأشكال التي دلت على أنها ذات أهمية ومغزى كبيرين (النور: المرجع السابق: 23 -47).

 وجاءت المجموعة الأخيرة من المشرق، وصنعت على غرار تقليد الأواني السورية - الفلسطينية، وترجع إلى الفترة البيزنطية المبكرة الأولى "قبل حوالي 3200- 3150 ق. م" وقد وجدت معظمها في مقبرة واحدة في الجبانة "L" وتمثل طرازاً لم يوجد أبداً في مصر، برغم أنه وجد ما شابهها على الشاطئ الآسيوي.

 وبالإضافة إلى المجموعة الكبيرة للفخار والجرار الحجرية البالغ عددها مئة جرة، فإن أشياء أخرى مدمرة بشكل شديد ذات أصل محلي للمجموعة الأولى ومصرية ونوبية قدمت دليلاً بليغاً للنهب الكامل الشامل للجبانة، وتحدثنا قيمتها الخاصة وعددها غير العادي عن قصة وحكاية لبعض اللوحات الحجرية الصغيرة للمجموعة الأولى (A) قد صنعت من كوارتز صلب ومصقول وملون بشكل جيد جداً ، كما تم زخرفتها بملاط سميك لتحديد الأشكال عن الكوارتز شديد الصلابة، وفي أحيان أخرى تضاف زخرفة حلزونية بسيطة ولكن الأكثر أهمية هي المباخر المميزة للمجموعة الأولى. أشياء أسطوانية مصنوعة من الحجر الرملي المحلي، أو مزيجاً من الصلصال والمرشوم وجد في قسطل بأعداد كبيرة، أكبر عدة مرات عما كان عليه من قبل في كل النوبة. وقد نقشت هذه المباخر ثم نحتت تصاوير ورموز للأسر الملكية المصرية؛ لبيان أو للمعنى الحقيقي لحجم وثراء مقابر قسطل(آدمز: المرجع السابق: 68- 78).

     كما يعكس عدد صغير من القطع تقليداً ثالثاً، أن أكثر هذه القطع شيوعاً هي تلك القطعة الشبيهة بالخطاف منحوتة من الصدف البحري برؤوس دقيقة وسيقان دقيقة الطرف تتفاوت ما بين النتوء الطويل والقصير بنحت شبه دائري.

     إن الخطاطيف والأزرار والمسكوكات التي من هذا النوع نادرة نسبياً في مصر، وتظهر فقط في بعض المقابر الفقيرة ، وهي مفقودة تماماً من حفريات أي مقبرة من مقابر المجموعة الأولى في النوبة.

    إن الأشكال المبكرة لبعض هذه القطع - معظمها من الحجر - شائعة في منطقة الشهيناب في السودان حيث من المحتمل أن تكون هذه المنطقة هي موطنها الأصلي . وبالرغم من أن عدداً من هذه القطع الصغيرة قد وجدت على طول أنحاء الجبانة "L" فإن الركام من المصنوعات الصدفية التي لم تنهب قد احتوت على أكثر من 1650 قطعة بالإضافة إلى "2600" قطعة أخرى من الأشياء التي لا يعرف الغرض من استخدامها وتسمى عادة "سدادات الأوعية " وهي شائعة أيضاً في الشهيناب، ولكنها نادرة في مصر والنوبة السفلى وبالرغم من عدم وجود دليل واضح للغرض من هذه السدادات الصغيرة أو الأزرار فإنها لم تكن معدة للاستخدام بأعداد كبيرة ومن الواضح أن أغلب الـ4000 قطعة التي وجدت في هذا الكوم قد تكون ذات قيمة مادية أخرى( المرجع نفسه: 79-87).

    إن المقابر التي من هذا الحجم والغنى والتاريخ تم في مصر الاعتراف بها في الحال مقابرَ ملكية. وأن تنوع محتوياتها غير العادية قد يؤخذ دليلاً على وجود ثقافة مركبة لها اتصالات خارجية واسعة. ولكن بسبب الاكتشاف الذي تم في النوبة في والوقت والمكان حيث كان يعتقد باستحالة وجود المكلية فيها فإن وجود دليل إضافي على الملكية يصبح أمراً ضرورياً، ولحسن الحظ فإن مثل هذا الدليل المؤيد والحاسم موجود على شكل مباخر منقوشة "السرخ"  Serkhs وصور أجزاء من واجهة القصر ورموز مميزة محددة للملكية المصرية، ويظهر السرخ في العصور المتأخرة لما قبل الأسرات، غالباً وهي تحيط بالصقر حورس رمز الفرعون، كما استخدمت مؤخراً لتطويق أسماء حورس للفراعنة المصريين. واستخدام الاسم الملكي الرئيس خلال الأسرات الأولى والثانية.

    إن صورة واجهة القصر على المباخر مشابهة لأبسط الأمثلة التي وجدت في نقش على فخار ما قبل الأسرات في مصر وتتزامن بعض هذه الواجهات مع مواكب السفن، وهي مفصلة بشكل خاص في حالتين. وفي الحقيقة فإنها أكثر الأشياء تشويقاً وقيمة تم العثور عليها في قسطل، أكبر وأجود وأعظم اتقاناً فيما يتعلق بالزخرفة في كل مجموعة مباخر المجموعة الأولى، وأفضل مثال لهذا المنظر الزخرفي الذي نجده في صورة أسلوب الصورة الظلية Silhouette المتصلة بالرسم على الحجر، وقد تم العثور عليها في إحدى المقابر المبكرة والغنية من مقابر الجبانة "L" التي يرجع تاريخها إلى حوالي أربعة أجيال أو أكثر قبل عصر الملك المصري "كا" (Ka) وستة أو سبعة أجيال قبل بدء الأسرة الأولى. وقد اعترف المعهد الشرقي بأن هذا المبخر يظهر موكباً من ثلاثة مراكب بمؤخراتها الطويلة ومقدمتها المنحنية متجهة نحو واجهة القصر، كما لاحظ الباحثون أيضاً التصميم المنحنى المركز وأيضاً التصميم المركز بشكل مدهش للسرخ والحشود العسكرية، ولكن نسبة لأن واحد فقط من شاغلي المراكب الثلاثة معروف، وأن ركاب المركبين الآخرين أصبح من المستحيل معرفة شخصياتهم نسبة لاستحالة الترميم، فإن مبخر قسطل يبقى لغزا، ومع ذلك عندما تم مؤخراً إعادة فحص المبخر على ضوء المكانة الملكية الرفيعة الواضحة للأشخاص الذين دفنوا في الجبانة "L" فإن الباعث الضروري للعوامل المفقودة أصبح في الحال واضحاً(النور: المرجع السابق: 54-59).

 ويظهر في المركب الأول أسير راكع على محفة أو حمالة وقد ربط بحبل يمسكه حارس بيده صولجان، وبالرغم من أن الشكل أو الصورة التي في وسط المركب قد دمر تماماً، فإن التاج الأبيض لمصر العليا يظهر بوضوح فوق المركب وأمامه ذيل الصقر – علامة أخرى على الملكية – ويوحي التاج على أن الصورة هي للملك. ويجب أن يقرأ الصقر الجاثم على السرج معاً مع الصورة المتميزة في الأسر المصرية المبكرة. كما توجد أمام الصقر حلية معمارية وردية الشكل رمز الملكية قبل الأسرة الأولى، والاثنان - الأسير المقيد والفرعون - معروفان جيداً في التصاوير المصرية المبكرة ولكنهما ممثلان هنا بشكل ما غير عادي، وفي فترة الأسرة الأولى فإن مشاهد الاثنين ثابتة - الملك والأسير - وكلاهما واقف على اليابسة، في حين أنهما، على مبخر قسطل قبل أجيال سابقة، قد نقلا بالسفينة.

    إن تاريخ مبخر قسطل وضح بشكل أكثر الصور التي لها صلة كبيرة بالفن الوسيط والمتأخر لما قبل الأسرات، اسم مجهول لألوهية غادرة "حدد الصقر على العامود " والرجل الذي يؤدي التحية في وقفة وأسلوب يطابق تكوين آنية "نقادة الثانية " كما أن الحيوانان، الظبي واللاحم " من أكلة اللحوم" يثبان في مرح بالقرب من وسط المركب الملكي، وهما يتخذان بطريقة مميزة وضع الحيوانات في اللوحات المبكرة التي تظهر مجموعات الحيوانات المتصارعة . ويظهر هذا الطراز مشاهد للأحداث التاريخية ، وتوافر البيئة المحيطة بتاريخ اللوحة: الأسلوب والتركيب. ويوافر مبخر قسطل التمثيل المبكر والمؤكد للملك في وادي النيل أو أي مكان آخر. إن هذه النتيجة قد دعمها بشكل أكثر العديد من المباخر التي تصور مجموعة المراكب وواجهات القصر في الموكب الملكي. ومع ذلك كان تصميمها بسيط جدا أو حفظ بشكل غير جيد لدرجة كان من الصعب التعرف عليها إلى أن تم فك مغالق مبخر قسطل (النور: المرجع السابق: 58).

     وبمرور الأسابيع والشهور فإن استمرارية إعادة تقويم أواني قسطل أظهر سلسة متعاقبة أرشدت إلى جيل بعد جيل عن الجبانة "L" حتى زمن مقابر آخر أسرة لما قبل الأسرات في أبيدوس، أن الأشخاص الذين دفنوا في قسطل هم ملوك ذوو ثروة تليق بالملوك، ولهم ثقافة واسعة جداً ذات صلات أكبر بكثير عما كان يعتقد لمثل هذا المكان النائي، ولكن ما المعروف بشأن هذه المملكة الجديدة؟ وما العلاقة التي كان يقيمها هؤلاء الفراعنة الأول مع رعاياهم ومع الكيانات السياسية المحيطة؟ ربما قد يكون السؤال العويص هو لماذا لم يعرف شيء عن هذه المملكة حتى الآن؟

   إن الحقيقة في الواقع هي أن الدليل – غير المقبرة في قسطل – كان قد عرف لبعض الوقت، ولكن إما تم تجاهله أو تم تأويله وتفسيره خطأ. إن أعظم مثال هو النصب التذكاري لجبل الشيخ سليمان الواقع جنوبي قسطل . لقد كان هناك اعتقاد بأن هذا النقش من صنع (جر  Djer) ثاني ملوك الأسرة الأولى، ولقد عينت هويته باسم حورسه في سرخ الذي استعير ليكون اسماً لـ جر، وهو في الحقيقة جزء من الحيوان الشائع في المخربشات الصخرية النوبية، وفي الواقع لا يوجد مكان لاسم فوق هذا السرخ، ويجب أن يؤرخ على السرخ المجهول الممثل في مشهد ساحة القتال الذي يضم الأعداء المطروحين أرضاً و المسجونان المقيدان والمركب الملكي . إن هؤلاء الأعداء تم نعتهم بنعوت ووسموا بوسم تجعلهم أشخاص لا علاقة لهم بالنوبة ، بالإضافة إلى ذلك فأحدهما مقيد جسدياً بدلاً من تمييزه بالقوس، ذو المغزى المهم، لأن أرض القوس هو الاسم الهيروغليفي المبكر لأرض النوبة وفيما بعد الاسم الحقيقي لمعظم الولاية أو المحافظة المصرية الجنوبية ، وبالعمل وكيلاً للفرعون فإن القوس يميز الحاكم بوصفه واحد من النوبة مما يجعله من المجموعة بدلاً من كونه نصباً تذكارياً مصرياً.

     كما يظهر القوس في مكان آخر في النصب الفرعونية التذكارية، مثلاً على طبعة ختم عثر عليه في مخزن للمجموعة الأولى مخبأ في سيالي Siali إلى الشمال من قسطل ، وقد فسرت هذه الأختام خطأ بسبب شرخ في الختم العاجي أو الخشبي الأصلي مما جعل السرخ المتمركز يظهر وكأنه نبات، وتم بناءً على ذلك فحصه مصدراً للنسب الملكي. ومع ذلك فإن موضوعه الأساسي هو بالشك أن تجمع السرخ توج برمز الصقر المعتاد ، وبالرغم من أن عدد من أوجه هذا الختم ما زال من الصعب التأكد من صحته ، فإن عدداً معيناً من ملامح الأيقونات مؤكد تماماً بما فيها من صور المباخر المستخدمة أو المذابح أو البوابات الضخمة في الهيكل الفرعوني المرتبط مع عيد هب - سد  Heb-sed، اليوبيل الفضي الذي احتفل به الفرعون الأول في عامه الثلاثون، ودورياً فيما بعد .. كما أن الرجل الجالس على الكرسي يحيي رمز القوس. ومع ذلك ففي هذا الوقت فإن القوس الذي يتأرجح فوق المستطيل الذي تم تنكيسه كان يمثل الأرض في هذه الفترة.

   إن التفسير الواضح هو أن الرجل يحيي اسم النوبة،"تا- ستي Ta-Seti" أو "أرض القوس" بصفتها أرضاً ملكية ودولة إقليمية، إذاً فمن الواضح أن النوبة كانت نظاماً سياسياً رفيع المستوى لحكم حقيقي وليس حكماً بدائياً.

 وهناك ثلاث قطع من الجبانة "L" متصلة بشكل مباشر أكثر بتاريخ مملكة "تا - ستي" القطعة الأولى "سلطانية " مصرية كبيرة من المقبرة "L" "23" ذات رسم مدروس مفصل لمشهد موكبيؤدي إلى مزار مقام من أعمدة. ويظهر ثلاثة نسور، اثنان منها يمسكان ثعابين بمخالبهما. كما وجد موتيف إضافي على أوان أخرى، وتظهر في شكل مبسط على سلسلة من الأدوات العاجية المشهورة لمصر ما قبل الأسرات مزينة بصنوف من الحيوانات بشكل تفصيلي. وبالإضافة إلى هذه الصلة والرابطة فإن الظهور المحدد لهذه الموتيفة على "سلطانية" قسطل يتيح لنا الفرصة لتتبع تقدم الترتيب الزمني في تطور هذه الموتيفة على قطعتين هامتين آخرتين. إحداهما أيضا سلطانية كبيرة والأخرى جرة مصرية للتخزين برقعة باهتة من الحبر الأسود على كتف الجرة من المقبرة "L6" وهي مقبرة للحيوانات الموضحة بها معاصرة للمقبرة "L23" ولأن هذه الرقعة تم وضعها بعد الحرق فمن المحتمل جداً أنه قد يكون عموداً رأسياً عليه شكل بيضاوي يهاجمه طائر نحيل يشبه النسر وقد بدأ ظهر وعنق الطائر في قوس مبالغ فيه، وقد تم فعل الشيء نفسه بالنسبة لذيول وظهور وأعناق النسور على السلطانية من المقبرة "L23" ويحتوي الشكل البيضاوي الذي يهاجمه الطائر على خطين مائلين من الواضح أنهما علامة لنخن "Nekhen" أو هيراكنوبولس، الموقع الخاص بالفترة المتأخرة لما قبل التاريخ، الموقع الذي قدم إلى حد كبير الدليل على صعود الفراعنة المصريين. (آدمز: المرجع السابق:67) (Bonnet:2003: 22) .

    أما الدليل الثالث من المقبرة "L19" فهو سلطانية كبيرة أصغر إلى حد ما من تلك التي وجدت في المقبرة "L23" وهناك رسوم على جوانبها مجموعات ثابتة رائدة مكونة من زرافتين تواجهان شجرة، وهناك على الأقل حيوان أمامهم وخلفهم.

      إن المجموعات التي من هذا النوع معروفة جيداً من لوحتين تذكاريتين، إحداهما تصور مجموعة مبكرة لصيد الحيوانات، والأخرى من سلسلة تاريخية متأخرة ويشير كلا الشكلين، الزرافات وجذوع الأشجار إلى أن هذا التمثيل يخص المجموعة الأولى، ويبدو أن الرسم قد وضع بعد الحرق، إذ أن كثير منها قد أزيل وما بقي معرض للفساد بمجرد ملامسته الماء. ونسبة لأن الرسم حساس جداً فمن الصعب القول إن الرسم وضع في أي مكان آخر خلاف المنطقة المجاورة لقسطل مباشرة إذ أنه لا يتحمل قسوة السفر.

   وفي الحقيقة فإن كثيراً من الرسم قد اختفي وأصبح من الصعب تتبع التصميم إذ أن الخلفية التي كانت حول المنطقة المرسومة قد بهتت تاركة ظلاً يمكن تتبعه فيما يختص بالتصميم الأصلي.

    إن أكثر الأشكال سحراً في الزخارف هي قمة النخلة التي بين الزرافتين بما فيها النسر المألوف الآن. ونجد هنا أن الطائر لا يمزق ثعباناً أو رمزاً، ولكن إنساناً ساقطاً، المجموعة التي تشاهد بمكان آخر في" لوحة الأسد " في إنجلترا، إحدى اللوحات المتأخرة التي توضح أحداثا تاريخية. ونجد في السلطانية "L19"أن الرجل الساقط تم تمييزه تحت ركبته بعلامة الأرض البيضاوية المألوفة دون العلامتين المنحرفتين. وبدلاً من ذلك هنالك نبات يمتد في زاوية غربية من الطرف الشمالي للشكل البيضاوي، ربما بسبب إزاحته من الوضع الراسي بجذع الرجل الذي لم يعد يرى، وللنبتة ثلاثة أزواج متقابلة من أوراق "طمست الآن جزئياً "وساق عريضة تقوست بحدة عن قصد. وبالرغم من أن الأوراق قصيرة والساق عريضة فإن النبتة من الواضح أنها شكل مبكر للرمز لمصر العليا . إن النبتة أو الشجرة ، معا على الأرض البيضاوية يمكن ظاهرياً قراءتها بطريقة واحدة فقط ، فالعدو الساقط قد تم تمييزه على أنه تا - شمو أو مصر العليا. وبالرغم من أن المجموعة الباقية عل هذه السلطانية باهتة أكثر من الأولى فيمكننا أن نرى أن العدو قد سقط على ظهرت بدلاً من سقوطه على وجهه. إن العلامة الطويلة المسطحة "الأرض" تمتد من ركبة العدو ، والعلامة الرأسية المميزة غير المعترضة تبدو وكأنها تصنع نوعاً من علامة الاستفهام، وأن هذه العلامة_ بكل الاحتمالات_ هي علامة تا-جمح Ta-Tjemeh  أو ليبيا.

     وتشكل كل هذه الأجزاء المعقدة التراث العظيم للمقبرة في قسطل، البقايا الفصيحة للحضارة الرائعة التي هي منشأ ميراث كل من الحضارتين المصرية والنوبية والتي كانت لها صلات وعلاقات مع مناطق بعيدة جداً مثل ليبيا وغرب آسيا. ولمدة تسعة أجيال أو أكثر، طبقاً لنتيجة مقابر الجبانة "L" فإن اثني عشر ملكاً في قسطل قد اشتركوا مع ملوك آخرين في مصر العليا في خلق ثقافة متحدة. كما ساعدوا بالنسبة لمصر في نمط الحضارة الفرعونية، ومن ثم تراثاً للأسرة الأولى التي أدهشت العالم لمدة ألف عام. أما بالنسبة للنوبة فإنهم أسسوا وحدة سياسية مبكرة كما قادوا تلك الدولة نحو أول تميز ثقافي، وعند غربلة وتمحيص الإنتاج الصناعي للأفراد يمكن للمرء إعادة تكوين سلسلة ضخمة للأحداث من الشظايا المحطمة(النور: المرجع السابق: 69).

    إننا نجد في الجيل الأول والثاني ختماً من سيالي Siali  يظهر ملكاً يحكم تا - ستي حتى من قبل أن تتوحد مصر العليا، وأن الملك الفعلي الذي يظهر في الجيل الثالث والذي يظهر علي مبخر قسطل، وهو الصلة في النصب التذكارية الملكية المتعاقبة في النوبة ومصر، والذي يبلغ الذروة عند صعود الأسرة الأولي كما ظهر في لوحة نارمر.

   إن المادة الباهتة المطبوعة بالحبر لجرة التخزين من قسطل بتصويرها النزاع مع هيراكونبولس في مصر، تأخذنا إلى الجيل الرابع والأكثر أهمية، أقدم تسجيل معروف لحدث تاريخي. وفي الجيل الخامس يشتد هذا النزاع بشكل ينذر بسوء ليشمل احتمالية مصر العليا المتحدة الآن. وفي الوقت نفسه تقريباً، يبدو أن النصب التذكاري لجيل الشيخ سليمان، يحدد الأماكن أو الشعب ضد من حاربهم فراعنة تا - ستي. وسواء كانت تشير الأحداث حقيقية أو أنها مجرد دعاية فان سجلات انتصاراتهم قد تم تأكيدها باستمرار، وأن مقابر المجموعة الأولى بما في تلك مقبرة في حجم وتصميم ملكي قد وجدت في هيراكونبولس نفسها. وفي الجيل السادس، ربما بسبب الهزائم في المعارك فإن مقابر قسطل قد نقصت بحدة في الحجم بدرجة تعكس انخفاضاً في مقام أولئك الذين دفنوا فيها.

 وأخيراً، يبدو أن الجيل الثاني كان معاصراً مع أول المقابر الملكية في أبيدوس، وآخر فراعنة مصر قبل الأسرة الأولى، وفي قسطل فإن الجبانة الملكية استمرت لمدة جيلين آخرين مع مقابر تصغر باستمرار إلى أن تختفي.

    إن مواضع الآثار المقدسة قد نهبت وأحرقت، وظاهرياً فإن توريث العرش عن طريق الوفاة أو التنازل عن العرش في قسطل تزامن مع حملة (عحا Aha) في النوبة وهو أول ملوك الأسرة الأولى المصرية الذي سجل ضربته القوية لتا- سيتي. وتوقفت فيما حضارة المجموعة الأولى عن التواجد في النوبة السفلى. وربما تكون تلك المغامرة غير العادية في التنظيم السياسي الذي بدأ في قسطل والتي كان لها هذه النتائج الحاسمة للتاريخ البشري قد انتهت في هذا التاريخ. ولكن التشابه اللافت للنظر بين الجبانة الملكية في كرمة فيما بعد ، إلى الجنوب بالقرب من الشلال الثالث، وبين الجبانة "L" تظهر احتمالية أخرى: ربما رحل من بقي حياً من المجموعة الأولى جنوباً إلى ما وراء متناول سطوة غزاة الأسرة الأولى إلى منطقة أبعد من جنوبي بحيرة ناصر الحالية، وبالرغم من الفجوة الكرونولوجية "الترتيب الزمني" بين المجموعة الأولى وكرمة فجوة كبيرة تحتاج إلى ملئها بالبحث الميداني المنظم، فإن عدم وجود الدليل في الوقت الحاضر يحتم بلا شك هذه الاحتمالية ، ومع ذلك فإن فكرة وجود مملكة في قسطل فكرة ليست مستحلية في ذلك الزمان وتلك البقعة، إن افتراض مثل هذه الافتراضات الفجائية التي تغلب تماماً وجود سبب للاعتقاد بأن المعرفة التي حققت الإنجازات ودعمت الحضارة المصرية قد تغلغلت في زمن مبكر حتى إلى الجنوب من قسطل.

 

 

المجموعة (ب)-B

عثر رايزنر على 21 موقعاً و415 قبراً تم تصنيفها للمجموعة (ب). إلا أنه خلال المسح الآثاري الثانى لم يتم تسجيل سوى ثلاثة مواقع وبعض المقابر. ولم تعثر أي بعثة بعد ذلك على أي آثار لهذه المجموعة. وبسبب الفراغ الزمني الذي يمكن أن يحدث بين المجموعتين (أ) و (ج) فقد استمر الباحثون يشيرون للمجموعة (ب) من حين لآخر بينما فشلوا في إثبات حقيقة وجودها. وقد كانت لهؤلاء الباحثين عدة آراء حول المجموعة (ب) منها:

  1. في حوالي 1919 اقترح الباحث يونكر (Junker) أن سكان المجموعة (ب) كانوا يمثلون الطبقة الفقيرة من المجموعة (أ) . وقد وجدت هذه الفكرة رواجاً كبيراً خلال حملة الإنقاذ الأخيرة.
  2. تحدث الباحث هاري سميث (Smith, H) عام 1966 بصورة مطولة عن دلائل رايزنر في مقال له نشر في مجلة (كوش) واكتشف أن أكثر من ربع مقابر المجموعة (ب) خالية من المخلفات، بينما حوالي 30 منها تحتوي على عظام حيوانية أكثر من العظام الإنسانية. أما في المقابر الأخرى التي تحتوي على أثاث جنائزي من نوع واحد فقد أوضح سميث أن بعضها يعود للمجموعة (أ)، وآخر يعود للمجموعة (ج)، بينما العدد الأكبر لا يمكن تحديده نظراً للسلب والسرقات المكثفة التى تعرضت لها المقابر. ولم يظهر في هذه المقابر أي مقياس مميز يمكن أن يشير للمجموعة (ب).

 

 

     وقد وصف سميث وسيلة فيرث لتصنيف المقابر بقوله إن الأسس التي استخدمها فيرث تتركز في :

  1. اصطلح تعبير المجموعة (ب) في مقابر المجموعة (أ) على أي قبر يبدو له على أساس نوع القبر أنه أقدم من المجموعة (ج) .(Reisner: Op.cit: 46)
  2. في جبانات المجموعة (أ) صُنِّف أي قبر للمجموعة (ب) بوصفه يحتوي على إشارات للتدهور.

وبهذا يعد سميث أن المجموعة (ب) تمثل الطبقة الفقيرة من المجموعة (أ) أو أنها مرحلة مبكرة من المجموعة (ج).

كتب هاري سميث مقالاً آخر عام 1991 بعنوان (تطور ثقافة المجموعة (أ) في بلاد النوبة السفلى الشمالية)–The Development of the A-Group Culture in Northern Lower Nubia- ير فيه أن المجموعة (ب) لم تكن متأخرة عن المجموعة (أ) ولكنها تمثل أقدم مراحلها التطورية وليس آخرها كما أشار في مقاله الأول.

بذلك يتضح لنا ان المجموعة (ب) كانت تمثل لكل من رايزنر وفيرث المجموعة التي تملأ الفراغ بين المجموعة (أ) والمجموعة (ج) وتمثل مصطلحاً جيداً للمقابر التي لا يمكن تصنيفها. ألا أن ذلك أصبح فيما بعد غير وارد بسبب الدراسة التي قام بها هاري سميث بعد بحث مطول للتصنيف الذي وضعه فيرث ورايزنر(النور: المرجع السابق:54-62).

 

 

 

المجموعة (ج)-C

المصادر

     مصادر المعلومات عن المجموعة الثالثة، كما هو حال التاريخ النوبي، يمكن تقسيمها إلى كتابية (مصرية) وآثارية (البحث الميداني). من بين النوعين فإن السجلات الكتابية ظلت متوافرة منذ مدة أطول، أنها وثائق تشهد على إرسال الحملات. تركت تلك الحملات بصمات عبورها في الرسوم الصخرية، وفي وجود موضوعات، قيمة وثمينة قدمت مبادلة بمنتجات محلية، في المدافن، والمعابد، وفوق ذلك في بقايا مواقع الإقامة.

     الوثائق يمكن أن تكون ملكية أو خاصة، لكن حتى الأخيرة تشير إلى حملات ينظمها القصر حتى وإن لم يكن لها هدف عسكري، لا بدَّ من تنظيمها بصورة جيدة ودعمها بقوات تؤمن سلامتها وسط شعوب غير معروفة.(النور: المرجع السابق: 56).

 

اكتشاف المجموعة (ج):

أول من قدم وصفاً للمجموعة (ج) كان العالم فايجل عام 1907 والذي يعد بحثه بمثابة الوصف الآثارى الأول للنوبة الشمالية . وقد قدم فايجل وصفاً متخصصاً لمدافن المجموعة الثالثةC-Group   التي لم تك قد عرفت بعد بذلك الاسم.  خلال عدة سنوات لاحقة واصل ريزنر عمل فايجل- 1907/1908 ومن ثم- مساعده س. فيرث وتم الكشف عن العديد من مواقع المجموعة ج. واكتملت صورة هذه المجموعة بالاكتشافات اللاحقة خلال حملة إنقاذ آثار النوبة الثانية والثالثة.

 

أصول المجموعة (ج):

ليس سهلاً تفسير أصل ثقافة "المجموعة (C)"، فقد طرح الباحثون العديد من النظريات، بما فى ذلك نظرية الهجرة والنظرية التطورية.

1. النظرية التطورية

تقول النظرية التطورية إن ثقافة "المجموعة (C)" تشتق جذورها من الثقافة الأقدم "المجموعة (A)". ألفت هذه الأخيرة جماعات صغيرة منظمة في إقامات زراعية/ زراعية-رعوية متواضعة. مع تقادم الزمن زاد زعماء الجماعات من سلطاتهم. كم كبير من المواد التى تم جمعها من مواقع في المنطقة المصرية، وهو ما يشير احتمالاً إلى وجود علاقات وثيقة بين القطرين.

        عنصر جديد وجد في مدافن "المجموعة (C)" تمثل في ظهور رسوم للأبقار. فعلى مدى حوالي 1000 سنة انحصر فنهم التخطيطي في تصوير الأبقار على الحجر، والمسلات الجنائزية، والفخار. أولئك الذين يقولون بفكرة الهجرة استخدموا هذا العنصر الجديد أساساً رئيساً لأطروحتهم، يقول الادعاء، إنه فى حين اعتمد اقتصاد "المجموعة (A)" في الأساس على الزراعة، فإن اقتصاد "المجموعة (C)" اعتمد على تربية القطعان. وتجري المجادلة لتقول إن هذا يعني أن أهل "المجموعة (A)" كانوا فلاحين مستقرين، في حين أن أهل "المجموعة (C)" كانوا رعاة مرتحلين، وبالتالي فإن المجموعتين مثلتا شعبين مختلفين.

        البينة المأخوذة من البقايا العظمية تشير _على أية حال_ إلى قصة مغايرة. يشير اكتشاف عظام الأبقار، وجلودها، مقابرها في العديد من مواقع "المجموعة أ" إلى أن الرعي، كان يمثل في الواقع جزءاً مهماً في اقتصادهم خلافاً للاعتقاد السائد سابقاُ حول عدم ممارستهم الرعي.

 

2.  نظرية الهجرة

  أما فيما يتعلق بنظرية الهجرة، فإن بعض الباحثين يجدون في هذه الثقافة الجديدة عناصر كانت مفقودة في ثقافة المجموعة (A)، ومن ثم يفترضون أن التجديدات جلبت إلى النوبة بفعل هجرة وافدة. وبالنسبة للمنطقة التي قدمت منها الهجرة فقد طرحت العديد من النظريات (النور: المرجع السابق:63).

1_ طابق مردوخ "المجموعة (C)" بالبجة سكان الصحراء الشرقية ورأى أن سكان النوبة السابقين كانوا قد أخذوا تربية الحيوانات من المصريين ونقلوها بدورهم إلى جماعات أخرى قامت هذه الأخيرة بنقلها إلى غرب أفريقيا.

2_ تقبل يونكر نظرية الأصل الحامي، الشرقي للمجموعة (C).

3_ يؤيد كل من بيتس، وكيروان، وإيمري فكرة الأصل الغربي، تحديداً الليبي للمجموعة (C). إلا أن العناصر الثقافية المشتركة بين المجموعة (C) والليبيين تتكون من عناصر منتشرة بصورة واسعة في شمال أفريقيا، بالتالي فإنها لا تقدم برهاناً على أصل مشترك للثقافتين. فبعض السمات المشتركة تتمثل في : عبادة الأبقار، واستخدام التنورات النسائية التي تصل إلى الركبة مع ثنيات واسعة، والشبه التشريحي، والتشابهات في أوضاع الدفن (النور: المرجع السابق: 65).

4 _أشار آركل إلى التشابهات بين المجموعة (C) وثقافة خور أبو عنجة في أمدرمان، على أساس الفخار الأسود المنقوش. و أظهر آركل العلاقة بين مصنوعات وادي هور الفخارية، في الصحراء الغربية، مع المصنوعات الفخارية النوبية. واكتشف شو بعض الرسوم الصخرية في وادي حسين؛ وأعطت المنطقة نفسها صور أبقار نقشت بخطوط عمودية في الجسم، شبيهة بتلك المصورة في الرسوم الصخرية وفي جدران الأواني الفخارية في النوبة السفلى. بالمثل هناك الكثير من التشابهات بين ثقافتي المجموعة (C) ومدافن البان، وقد تأصلت الأخيرة في الصحراء الشرقية.

   حاول آركل تفسير التشابهات بين تلك الثقافات بوصفها نتاجاً لسلسلة من الهجرات. وافترض آركل، منطلقاً من تكهن بأن أصل الثقافات النوبية الوسيطة يقع في مكان إلى الغرب من النيل، وأن الجفاف المتزايد دفع بأولئك الناس إلى وادي النيل.(Arkell:op.cit:35-46).

5_ وفقاً لفيرث، تحركت الهجرة من الصحراء الشرقية أو من منطقة نهر عطبرة.

 

 

تاريخ المجموعة (ج):

تبعاً للبحث الآثاري الذى أجري في العقود الأخيرة، قسم المتخصصون ثقافة المجموعة (ج) إلى أربعة أطوار.

  • الطور الأول، أو النوبى الأوسط 1، المطابق للملكة المصرية القديمة والمرحلة الانتقالية الأولى (حوالي 2626-2040 ق.م.).
  • الطور الثاني، أو النوبي الأوسط 2، معاصر للملكة المصرية الوسطى (1040-1674 ق.م.).
  • الطور الثالث يتطابق مع المرحلة الانتقالية الثانية (1674-1553).
  • النوبي الأوسط 4 هو الثقافة التي ظلت باقية في عصر الدولة المصرية الحديثة (1552-1096 ق.م.) (النور: المرجع السابق: 57 -62).

 

 

السمات التشخيصية والمدى الجغرافي  للمجموعة (ج):

 المراكز الاستيطانية:

   من أهم ما تركته المجموعة (ج) بجانب المقابر مجموعة من المراكز الاستيطانية في السيالة وعنيبة تعود للفترة المبكرة من تاريخها. وأهم ما يميز هذه المراكز هو استخدام الطوب اللبن لأول مرة في تاريخ النوبة السفلى. كما تم العثور على دلائل قوية تشير إلى الحياة الحضرية التي عاشتها المجموعة (ج) ويتمثل ذلك في مجموعة من القرى المسورة تعود إلى نهايات المجموعة (ج) في وادي السبوعة. وهي محصنة بسور من ألواح حجرية يبلغ سمكه حوالى المتر وارتفاعه حوالى المترين في بعض الأجزاء ويحيط بالجزء الغربى من القرية بجوف ينحدر مباشرة نحو النهر . وهناك ثلاثة مداخل لهذه القرية أكبرها في الجانب الغربي.

 

الفخار:

الابتكار الجديد لهذه الفترة هو صناعة أواني سوداء تزخرف سطوحها الخارجية بالتصاميم الهندسية والتي تغطى بعد ذلك باللون الأبيض مما يؤدى إلى ظهور خطوط بيضاء على سطح أسود . وهناك أواني زخرفت سطوحها بزخارف بشرية وحيوانية خاصة الأبقار. مع ذلك كان الفخار لا يزال يدوياً.

جغرافياً تمتد مواقع المجموعة (ج) من النوبة السفلى وحتى المنطقة الزراعية الغنية شرق النيل جنوب دنقلا. كما تم العثور علىأدوات مماثلة لهذه المجموعة بالصحراء الغربية بالقرب من وادي هوار والصحراء النوبية الشرقية.

 

اقتصاد المجموعة (ج):

أهم مظهر اقتصادي في المجموعة (ج) هو الاهتمام الواضح بالأبقار حتى رسموها على الفخار وجدران المنازل وفي ألواح حجرية توضع بالقرب من المقابر. ومن هذه الدلائل يعتقد أن سكان المجموعة (ج) كانوا رعاة في الأساس. ويعتقد آدمز أن الأبقار كانت مقياساً للثروة والمكانة الاجتماعية. ولكن القرى العديدة وكميات الفخار والمقابر كلها تدل على حياة مستقرة لا تتوافق والحياة الرعوية. ولذلك يعتقد آدمز أنهم مارسوا الزراعة أيضاً وربما كانت تمثل الأساس الاقتصادي الرئيس للنوبيين آنذاك. وبذلك يرى آدمز أن سكان المجموعة (ج) يشبهون الشلك الذين يقيسون ثرواتهم بالأبقار ولكنهم يقضون معظم حياتهم في الزراعة. (آدمز: المرجع السابق: 57 -66).

 

جبانات المجموعة (ج)

أهم ما يميز مقابر المجموعة (ج) هو ما يعرف بالبناء الفوقي (Super-Structure). حيث يبنى بناءً دائرياً من الحجر حول القبر يصل ارتفاعه إلى حوالي 5 أقدام وقطره حوالي 500 قدماً. ومن أهم ما يميز المقابر في هذه الفترة:

كانت المقابر في البداية شبيهة بمقابر المجموعة (أ) (الحفرة الدائرية والكوم). ومع مرور الوقت اتسع هذا الكوم وكانت الأواني الفخارية والأثاث الجنائزي يوضع في أسفل الكوم بدلاً عن داخل القبر نفسه. وفي الفترة المتأخرة بنيت غرفة مستطيلة من الطوب اللبن بالجزء الشرقي من البناء الفوقي وذلك لوضع الأثاث الجنائزي. كما تغير شكل القبر من الشكل الدائري إلى المستطيل.

  1. كان القبر يحدد في بعض الأحيان بألواح حجرية أو الطوب اللبن ثم يغطى بعد ذلك بالأخشاب أو بألواح حجرية . (بونيه:1997: 28)

 

ومن أهم ما تعكسه مقابر المجموعة (ج):

1_تم العثور عل ملابس من الجلد وقلائد في بعض مقابر المجموعة (ج) وكانت معظم القلائد من الصدف أو الحجر . ولم تكن هناك سوى القليل من الأسلحة المعدنية.

2_شهدت مقابر المجموعة (ج) في الفترة المتأخرة وضع الضحايا الحيوانية خاصة الضأن والماعز والغزلان والكلاب وغيرها. وكانت توضع كقرابين تدفن مع الميت مباشرة أو تحفر لها مقابر صغيرة بالقرب من القبر الرئيس. كما وضعت جماجم الماشية والتي يدل عددها على أهمية الميت.

تم العثور على دلائل لاستخدام العنقريب في الدفن . وقد انتشرت هذه العادة فيما بعد في زمن المجموعة (ج).

 

 

 

المصادر والمراجع:

-آدامز، وليام- النوبة رواق أفريقيا- النوبة رواق أفريقيا- ترجمة محجوب التجاني-القاهرة - 2004م

-النور، أسامة عبدالرحمن-دراسات في تاريخ السودان القديم-مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي – الخرطوم -2006م

-بونيه، شارلس وحاكم-كرمة مملكة النوبة"تراث أفريقي من عهد الفراعنة"-دار الخرطوم للطباعة والنشر والتوزيع-1997.

-Adams, w.y    1977:Nubia Corridor to Africa-London.

-Arkell, A.J     1955: Archaeology South of Khartoum, In, R.h Hamilton(ed, History and archaeology in Africa. Report of conference Held in July 1953 at the school of Oriental and African studies, London.

-Bonnet, CH    2003: Kerma Culture. Sudan:Ancient Treasures. The British Museum.

-Trigger, B.G    1965: History and Settlement in lower Nubian,New Haven.

-Wendorf, F   1968: Prehistory of Nubia, S.M.U.Press Dallas Texas.

أضف تعليقاً

0 تعليقات