إنهيار مدينة سواكن القديمة

التاسع بعد العشرين من شهر أغسطس عام 2017م



 

أ.د. عبده عثمان دياب

 

المستخلص:

هذه هي الورقة المكملة لورقتين سابقتين، حيث تناولت الورقة الأولي نشأة المدينة، والجغرافية والسكان وكيف أن أهمية موقع البحر الأحمر من العالم القديم قد مكن للمدن القائمة عليه كسواكن أن ترتبط  بالتجارة العابرة من خلاله في أوقات رواجها وكسادها كذلك. وكيف أن أهمية هذا الممر البحري هي التى دفعت الطامعين ليتنافسوا عليه دافعهم في ذلك التحكم فيه والسيطرة علي التجارة فيه وإحتكار النقل عبره. كما أن الورقة الثانية تناولت مباني المدينة، معددة التباين في أساليب البناء وطرزه الجميلة وأعمال التجميل التي إشتملت علي أعمال الخشب من رواشن وأبواب وأعمال نقش الجص وغيرها والتي تحلت بها العمارة المدنية والدينية علي السواء.

أما هذه الورقة الثالثة فمعنية بسرد الجانب المحزن في تاريخ هذه المدينة الفريدة، ألا وهو إنهيارها وفقدانها نهائياً. فقد تضافرت عدة أسباب وغشيتها ظروف نسجت وأسدلت ستآرة سوداء عليها، لتُنهي قصة مدينة سادت في زمانها. ومن أهم تلك الأسباب هيمنة القوي العظمي التي تسعي للسيطرة علي ممر البحر الأحمر وهو الاول والأهم من بين الثلاثة طرق التجارة العالمية قديماً ومنذ القرون الوسطي. فعن طريقه وصلها الفراعنة في مصر ( وبالبر كذلك) لإقتصاب خيراتها. كذلك فعل الرومان والإغريق والخلافة الإسلامية

بتعاقبها جميعاً إنتهاءاً بالعثمانية. لكن كانت فترة محمد علي باشا وأولاده من بعده (محمد سعيد وإسماعيل) تسببت في أضرار جسيمة علي تجارة مدن ممر البحر الأحمر، خاصة سواكن، بإحتكارها للنقل فيه مع عدم قدرتها، والمغالاة فيه، وفرض ضرائب عالية،خاصة لسواكن، ثم إعادة تصدير تلك التجارة خارج البجر الأحمر لتكسب هي وحدها. كما ان هناك فوارق عديدة في طرق البناء أدخلها المحافظ ممتاز باشا تختلف عن مباني جدة وتركيا عجلت مع أسباب أخري بإسدال الستار علي تاريخ وجمال وإرث أمة كاملة.  والان تحسب سواكن في عداد  المدن المندثرة ، فقد إختفي دون رجعة مظهرها  الحضاري الراقي ( شكل رقم 1) الذي  كانت قد تضمنته كمدينة عربية إسلامية وحيدة ولا توأم  لها في كل السودان. ومع ذلك فقد ذهبت  وتحت أبصارنا، بغير رجعة.

 

المقدمة

 تكالبت  ظروف وأسباب  عديدة  لتعمل معا لايصال مدينة سواكن إلى مرحلة الانهيار. والبداية قديمة قدم الاطماع  التي صاحبت  حركة الملاحة  التجارية  في البحر الاحمر وما  تبعها من إستغلال  لموارد البلاد التي  تقع علي شاطئيه. فقد شهدت منطقة  البجا  - شرق السودان –  تعاقب  المنجذبين إليها  بدءاً من  حملات الفراعنة  والإغريق  والبطالسة  والأتراك  فقد كانت أسباب علاقتهم بتلك المنطقة لإمتلاك خيراتها  وسلبها لمصلحة  ورفاهية  بلادهم .  ومثل هذا السلوك  لا يترك وراءه ثقافة ينتفع بها  أهل الاقليم المسلوب حتي وإن  إضطر هؤلاء المنجذبين  للإقامة لفترة تمكنهم  من إنجاز مهمتهم الأساسية . عدا  إنجذاب المجموعة العربية ،  سواء  تلك التي جاءت قبل الإسلام أو بعده ،  فرغم أن وراء إنجذابها  للسودان ككل وإقليم شرق السودان بصورة أخص ، شئ من أغراض من سبقوهم ، إلا أن إستقرارهم فيه جعل أمر إنجذابهم  إليه يختلف تماما  في سماته ونتائجه  خاصة بعد الإسلام .  فالذي  يستقر يرسب  في بيئته  موروثة  الفكري والثقافي  فيعرضه سلعة قابلة للرفض  والقبول  بحكم التاثير الإيجابي والعملي والأخلاقي  لهذا الموروث . فالعرب البلويت ومن بعدهم الحداربة كان لهم السبق في وضع اللبنات الأولي للمركز التجاري في شرق  السودان  فجذب أليه كل  منتجات السودان  والحبشة وبعض البلدان الأفريقية. كما عمل ذلك المركز علي تزويد  كل تلك الجهات  بما تحتاجه  من  العالم الخارجي، إلي جانب الدور الكبير الذي لعبه  ذلك المركز في نشر الدين الإسلامي  والثقافة العربية الإسلامية  إلي  داخل السودان . لكن  الظروف  السياسية والإقتصادية  التي صاحبت  حركة التجارة في البحر الأحمر والتي كان  طابعها الإحتكار والسيطرة  من قبل  القوي المتحكمة سياسيا  علي المنطقة بما فيها سواكن، ثم من بعد كل السودان، أفرزت حالة إقتصادية  متذبذبة  إنعكس أثرها علي التجارة ، وبالتالي علي القدرات المالية  لأصحابها. فتلك  السياسيات كان لها  الأثر المباشر علي  الدوام في إنتعاش  مواني البحر الاحمر  أو إنكماشها .  فينعكس ذلك الإنتعاش أو الإنكماش أو الموت علي مباني تلك  المواني  . وقد كان ذلك أهم الأسباب وأقواها، وسارع بالخطي إلي نهاية  ميناء سواكن ومبانيها بطريقة غير مباشرة.

 

سياسات الخديوية في سواكن:

لقد فطن  محمد علي باشا  وأبنائه  من بعده سعيد باشا (1854-1863) وإسماعيل باشا (1863/1879) لأهمية  التجارة مع أوربا  وإحتكارها  لأنفسهم  دون سواهم  خاصة  وأن تجربة  العرب  كانت واضحة  للباشا،  إذ كانوا سادة  للبحار  الجنوبية (  المحيط  الهندي ) والخليج  العربي والبحر الأحمر دون  منازعة، وأن الأوربيين إعتمدوا عليهم  في جلب سلع  الشرق إليهم  كإعتمادهم  لتوصيل  سلعهم  الأوربية  لأهل الشرق الأدني[i]. لذلك سيطر محمد علي  وأبنائه  علي التجارة  بضم البلدان  الواقعة علي الشواطي البحرية  لإدارتهم بقصد إحتكار السلع التجارية  وتجميعها في القاهرة والعمل علي  إعادة تصديرها إلي أوربا باضعاف  أسعارها ولايعود إلا القليل من الربح لاأصحابها . وتلك  الإجراءات  تطلبت  القيام بخطوة  أخري مكملة ، الا وهي  إحتكار النقل في البحر  الاحمر وحرمان كل السفن  الأجنبية  الأخري  من نقل  التجارة والسلع من وإلي  البحر الأحمر، ومن جانب آخر  وضح ضعف الأسطول التجاري  العثمانى والخديوى مقارنة بالبلدان الأخري وعدم مقدرتهما علي الإيفاء بإستيعاب  حركة التجارة  الواسعة  من نقطتي سواكن ومصوع مقارنة بالسفن الأوربية المقتدرة والمحرومة منها برغم ذلك إذ لا يسمح لها بالرسوء علي مواني البحر الاحمر بتاتاً. فهذه الشركات الخديوية المتعاقبة إلي جانب أنها  لاتملك  ما يكفي من وابورات (ثمانية  فقط في كل ممر البحر  الاحمر) فإنها  تأثرت ماليا  بدخول  إسماعيل  باشا مناصراً إستانبول  في حروبها  المتباعدة جغرافيا[ii]، فعجزت عن إدارة  سفنها، لدرجة  أن تَصدر  قراراً في شوال 1277هـ (أبريل1861م)  بأن  لا تستخدم سفنها الفحم كوقود في الرحلة  إلي جده أو أي ميناء آخر في إبحارها في حركتها لهذه المواني ذهاباً وإياباً،  وإنما تعتمد علي الأشرعة  ما دامت  الرياح  مواتية ، فلا  تستخدم  الماكينة  الا في حالات إنعدام  الرياح كلياً، بل وجهت سفنها تلك بأن لا مانع أو مسآءلة إن تاخرت  السفينة  عن الوصول[iii]. وبالضرورة أن إنعكس ذلك الموقف سلبا علي التجار والتجارة  في التوكيلات  التجارية  فتسبب ذلك بأضار كثيرة .ومن الغريب أن ذلك  القرار تزامن مع دخول  الشركات الأجنبية المنافسة  بغزارة قدرتها  الملاحية والتي يفوق عدد سفنه مئات المرات بالنسبة للشركة المصرية. ومن ناحية أُخري أظهر دخول  تلك الشركات  الأجنبية ضعف  البحرية  التجارية المصرية وعدم  إستطاعتها  الوقوف  أمام  هذه المنافسة  وأمام  هذا النشاط  الكاسح  للسفن الأجنبية.  فلم يكن  بيد  الادارة  الخديوية منذ عهد محمد سعيد باشا غير كرت  الاحتكار الذي لوحت به معتمدة علي حماية إستانب والمسيطرة أصلاً علي هذه الجهات فأبعدت البحرية  التجارية كل السفن الأوربية وحرمتها من الرسوء في أيٍ من مواني البحر.

يضاف إلي ذلك أن تعامل الشركات  الخديوية البحرية مع التجار  يتم بنظام  الاقترامة (الاقطرامة) الذي يعني  المبادلة  البحرية  للبضائع إذ ما رأت الشركات الخديوية أن تغير السفينة أو وجهتها أو تعود أدراجها، فتقوم بإعدة تحميل البضاعة المحمولة علي ظهرها لسفينة أخري متجهة لذات الوجهة أو تقوم بتفريغها وتركها علي رصيف أقرب المواني وتبلغ أصحابها بذلك. كما أشتهرت هذه الشركات بفرض الرسوم الجمركية الباهظة وإرتفاع قيمة النولون البحرى، إلى جانب عدم إنتظام حركة السفن  الخديوية في البحر الاحمر.  وكثيراً ما تم تقليص السفن المتجهة للبحر الأحمر أو الغائها حتي من المرور علي بعض المواني  في البحر الاحمر. ويضاف إلي ذلك الإخفاقات المالية والادارية في تسديد إلتزاماتها تجاه عملائها.  ومع أن إفتتاح قناة  السويس صحبته قوانين جديدة، فرضت  نفسها، وساعدت علي إنسياب الحركة البحرية  الدولية في البحر  الاحمر, وفتحت باب التنافس الحر إلا أن البحرية الخديوية لم  تقو بطبيعة  الحال  علي مجاراة هذه المنافسة  حيث  وضح  أن تفوقها  في النقل  في فترات معينة  في مواني البحر الاحمر كان  يمكن  أن لايتحقق  لها لولا هذا  الإحتكار  الذي أستطاعت به  أن تمليه بحكم  الحماية  والقوة  السياسية  للخديوية المحمية اصلا براية  الدولة  العلية في استانبول.

      فالاحصاءات توضح أنه فى عام 1877 كان عدد السفن التجارية فى العالم باجمعه 5471 سفيه تجارية توزعت ملكيتها كالاتى : 30133 انجليزية، 272 فرنسيه، 145 روسية، 110 ايطالية، 74 نمساوية، 33 سفينه فقط عثمانية وخديوية معاً ، 12 يونانية،  وماتبقى لدول أخرى.  يضاف لتلك السفن المذكورة سالفاً  السفن الأخري الشراعية العاملة فى نفس فترة الاحصائات، وهي حسب ذلك الإحصاء قد بلغت 51912 سفينه شراعية فى العالم، للإنجليز منها 17765،  440 لإيطاليا، 3350 لفرنسا، 2024 لليونان،  1802 لروسيا، 652 للنمسا، أما لتركيا 300 سفينه والبقية للدول الأخرى.   ونتيجة لذلك إستحوزت بريطانيا وحدها ولأربع سنوات متتالية من عام 1874 على 96.20 % من تجارة مصر.لكن ليس من مواني البحر الأحمر كسواكن ومصوع لكن تلك السلع التجارية التي تنتهي في الايادي الخديوية والتي تجمع في السويس والأسكندرية بإعتبارهما مينائي إحتكار وإعادة تصدير تلك السلع لكل من آسيا وأوروبا لفائدة الخديوية. ثم تليها فرنسا 13.28%، ثم النمسا والمجر 24.6% [iv]. جدير بالملاحظة أن الاسطول التجارى الخديوى فى عهد العزيزية عام 1865 قد بلغ 23 سفينه فقط،  تجرى منها ثمان سفن لتغطي الحركة التجارية في مواني البحر الاحمر ، وحينما وصلت سفن الخديوية إلى 28 سفينه فى عهد إسماعيل باشا يعتبر هذا إنجازاً هائلاً وطفرةً كبيرةً بلغتها البحرية التجارية الخديوية[v].

     لذلك فقد كان تقليص دورالشركات الأجنبية الأخري المقتدرة في البحر  الأحمر قد شدد الخناق علي رواج  العائد من التجارة  للشاطئ الإفريقي ، بسبب  الإحتكار المفروض، ونتيجة  لذلك  يتضح  أن هم  السلطة  الخديوية  في مصرهو إستغلال هذه الوضع للإنتفاع وحدها بعائدات تلك التجارة  الهائلة قبل أهلها، وبالتالي الناي عن تطويرها وتنميتها لتلك المناطق  وأهلها وهي القيم عليها[vi].

       لقد كان واضحا  ومنذ  فقدان  السيطرة علي البحار في أخريات  الحروب الصليبية، والتي كان المؤشر لها دوران البرتغال حول أفريقيا  للوصول إلي تجارة الشرق، (والتي إستمرت  تصلهم فيها بأسعار هائلة ومبالغ فيها)، لم تسعف أوروبا هذه الغلبة البحرية  في مقابل التدهورالمتتابع من جانب الدول الإسلامية  في إستانبول ومصر. وهذا يبرر السياسة  المتذبذبة  والغير مستقرة  للوكالات الخديوية المفتوحة علي البحرالأحمر والتي تأثرت بها سلباً معظم  مواني  البحر الأحمر بما فيها سواكن.  لكن  السياسات الخديوية  وسياسة  الباب  العالي إضطرت  لفتح  حركة  التجارة في البحر الأحمر بموجب  فتح  الإمتيازات  مقرون بإلغاء  الإحتكارات ، كما  أن هناك شئ  أخر  لم تعمل به شركة  البحرية  التجارية  الخديوية  حتى عام 1866م  أسوة بما كان متبعاً عالميا وهو التأمين  علي المنقولات[vii].

 فمن الواضح ان عدد السفن البخارية والشراعية الخديوية الداخلة للموانى سواءً فى البحر الأبيض المتوسط او تلك فى البحر الأحمر على وجه الخصوص لايتناسب وهذه الأعداد الضخمة من السفن الأوروبية . وعلى سبيل المثال لم تحظ إنجلترا برغم ضخامة أُسطولها الخرافى الإ بسفينتين شراعيتين فقط لدخول ميناء سواكن فى السنتين 1879 – 1871 ثم فرنسا باربعة وواحدة إيطالية  وأربعة يونانية. كما أن هنالك مفارقة أخرى فى نسبة حمولات السفن بالتونيلاطه (اللفظ المستخدم في التركية للطن البحري) من سواكن فى هذه الموانى فى الأعوام 79 – 1877 فعلى سبيل المثال كانت نسبة نقل التجارة من سواكن بالسفن الخديوية 75 .80% ، بينما تنعكس المسالة تماماً فى الاسكندرية والسويس، حيث يعاد تصدير ذات البضاعة، فتحمل السفن الأجنبية من الاسكندرية إلي أُوربا  ما يعادل 93.8% بينما  تحمل السفن المصرية 2 .6 % فقط.  وأما من السويس فتحمل السفن الأجنبية 96.2% بينما نصيب المصرية 8 .3% فقط .

     فهذه الحمولات التجارية الضخمة المتجمعة فى الاسكندرية والسويس يعاد شحنها مرة أخرى إلى أوروبا وبأسعار مضاعفة من أسعارها فى موانى البحر الاحمر ( فالسفن الأوروبية مسموح لها باستلام هذه البضائع فقط من هذيـن المينائين رغم أنها تمر بها في غدوها ورواحها المكثف عبر الحر الاحمر ولا تستطيع التوقف فيها) . علما بأن البضائع  المنقولة  بين الولايات العثمانية  حتى 1879 معفاة  من الجمارك  عدا سواكن  التي فرضت عليها  8%  ولم تخفض إلا لإلتماس  من حكمدار السودان  بمعاملتها  أسوة بجمرك أسكندرية  فخفضت  الي 01 %[viii]. فالاحتكار أضر بهذه المدن، ومن بينها سواكن ، إذ لا تدخلها السفن الاجنبية إلا تلك التي تجبرها سوء الاحوال الجوية[ix]. لذلك  ليس مستغربا  أن تسوء أحوال التجار  في سواكن، وينعكس ذلك بصورة واضحة علي  إضمحلال  مبانيها منذ غزو محمد علي باشا  للسودان  وفترة الإستعمار الإنجليزي كذلك.

 

    لابد من الإشارة هنا للدور المهم  الذي  جلبه قدوم الاسلام  لتجارة  الحجاز  ومنذ أيام  الرسول (ص)[x]، إذ إستفاد  البحارة العرب من معرفتهم بعلم الفلك في إباحرهم، عكسا لموقف العباسيين حينما إتجهوا لوقف  نشاط  التجارة في البحر الاحمر ، في القرن الثالث  الهجري ، بحجة  محارب الثوار في الحجاز. حينها قام اليهود  الرازنية  بإستخدام  الدواب بطول البحرالاحمر من عدن إلي السويس لنقل  تجارة  الشرق والغرب[xi].  وتسبب ذلك في بطء حركة  المنقولات  فتاثرت  سواكن والمواني  الأخري  في سرعة  إمداد  جدة  و عدن  بالسلع كما  أن أثر الحرب الصليبية  كان واضحا  في تعثر  التجارة  في البحر الاحمر منذ عام 577هـ،  وذلك  عقب الخطوة  التي قام بمحاولتها الامير (رينو دي شاتيون) وآلي الكرك  لللإستيلاء  علي المناطق  المقدسة  في مكة والمدينة،  فيستطيع  بذلك  من تحويل  تجارة  البحرالأحمر إلي خليج العقبة  وإلي المواني الصليبية  في الشام[xii]،  حينها  تقدم  بسفنه جنوبا  لينفذ خطته  لكنه  فشل  في المرتين التي حاول الإستيلاء  فيها علي مكة والمدينة  فعاد الي  امارته مهزوما[xiii]. كما أن فترة المماليك إتصفت  بسوء الأدارة  والتدهور والضعف  الذي أضاع طريق  البحر  الأحمر الحيوي عندما أجبرت سفن أوروبا  للإلتفاف حول أفريقيا  لموقع  تجارة الشرق  بسبب ضرائبهم الباهظة. كما كان متعارف في  الفترات التي يساء فيها معاملة التجار من سلطات المواني في تجارة البحر الاحمر كثيراً ما تتجنب السفن بقدرما تستطيع الرسوء في تلك  المواني. وأكثر ما يدفع  التجار إلي ذلك تجنبهم  لدفع  كثير من المكوس  والتي كان  في بعض الفترات  يغالي  في فرضها  وتستخدم  فيها أساليب غير لائقة  لتحصيلها  من التجار[xiv].

      يضاف الي ذلك أن تجارة  البحر الأحمر  تعرضت لخطرالقرصنة  في الفترات التي لم يستقيم  فيها الأمن  في الخلافة الاسلامية، عند  أوقات ضعفها. وقد  أوضحت  العديد  من الرسائل  المتبادلة  بين التجار وذويهم  ووكلائهم هذا الخطر. الشي الذي جعل  التجار ينتظمون  في إبحارهم في شكل قوافل  بسفنهم  وفي مجموعات  متقاربة  في مياه البحر الاحمر تجنباً  لمداهمة  القراصنة[xv]. الي جانب الخطورة الناتجة من الشعاب المرجانية  المنتشرة والتيارات البحرية و الهوائية[xvi].

 

سياسات الأنجليز في سواكن:

    رغم أن سواكن كانت المعبر الأساسي لحركة الجيوش المصرية بمعاونة الإنجليز القادمة لإخماد ثورة المهدي ، إلا أنها وطول سنين الحرب هذه، لم تنل حظها من الإهتمام والرعاية. بل أصبحت كالقاعدة العسكرية ، فأصاب حياتها الإهمال وماتت تجارتها إلا من القليل المتباعد من القوافل إذ أن الإنجليز أوقفوها في تلك الفترة وخلت المدينة تقريباً من السكان للدرجة التي أُلغيت فيها صلوات الجمعة والعيدين في كلا المسجدين بالجزيرة. وعندما هدأت الحرب ووقع كل السودان في أيدي المستعمرين الإنجليز، إنتبهوا لتحقيق أهدافهم، وفي مقدمتها الأهداف الاقتصادية. وكان لا بد من أن يفكر الإنجليز في ربط ميناء سواكن بوسيلة نقل عصرية تواكب العصر بديلاً عن نقل القوافل لمناطق السودان المترامية، وبذلك يضمنوا السرعة في النقل علاوة على كمياته المضاعفة. لذلك كانت فكرة إنشاء خط السكة حديد من سواكن وحتى بربر وبدأ العمل على هذا الأساس وحدد موقعاً لهذه المحطة الجديدة في نقطة جراهام  داخل جزيرة سواكن عام 1902 على أن تستوعب كذلك الحي البريطاني لسكانه من الإنجليز.  وقرر أن تستقبل هذه النقطة المعدات الجديدة للسكة حديد وأجريت المسوحات والاستطلاعات لمدة عامين 1901-1903 بواسطة ملازمين هما (لونقفيلد) (ونيو كمبي) حيث أكدت النتائج سلامة نقطة بداية هذا الخط من سواكن. وتحمس مدير السكة حديد وبدأ بهمة في العمل على تنفيذ هذا المقترح خاصة وأن التقرير أشار باعادة تأهيل الميناء أولاً[xvii]. وبدأ العمل بالفعل. لكن وفجأة ولأسباب إستراتيجية اقتصادية جديدة، Description: C:UsersDell-PcDesktopصور لسواكن معالجةس1.jpg وبعد أربع سنوات من العمل الذي سوف ينعش الميناء والتجارة أوقف الأنجليز خططهم هذه وتقرر نقل الميناء إلى مرسى (الشيخ برغوث)  (بورت سودان حالياً) فيبدأ العمل في ميناء جديداً للسودان في يناير[xviii]. ومن الغريب أن يقدم الإنجليز على هذه الخطوة وسواكن تشهد بوادر الازدهار قبل سنتين من هذا التاريخ (1903) فقد إزداد الطلب

                    البنك المصري     

  للأيدي العاملة لمد خط السكة حديد لسواكن، كما أن المنازل الخالية شُغلت ، وقام بنكان مصريان بإنشاء وكالتيهما بالجزيرة، وفتحت شركة جلاتلى هانكي فرعها بسواكن ولأول مرة ومنذ عشرون عاماً من التعطيل بدأ محلج القطن يعمل بانتظام. ونتيجة لهذا الازدهار إزداد سكان سواكن الدائمين في عام 1905م إلى 10.500 شخص كما أن حركة الحجيج قد نمت سريعاً فقد إرتفعت من 1227 حاجاً متوجهين إلى جده في عام 1905 إلى أكثر من 4000 في السنة التي تليها. وكان معتاداً أن تقوم القرى المؤقتة (ثلاثة في هذا العام) خارج القيـف في الثلاثة أشهر التي تسبــق الحــج، ويقول المهندس رودن وهكذا شهد العام 1905 قمة أهمية سواكن لكن الخطط التي سوف تقود إلى اضمحلالها[xix]. في آخر الأمر قد صنعت بالفعل ففي هذا العام بدأ العمل في ميناء جديد في مرسى الشيخ برغوث[xx]، فإنشاء ميناء جديد للسودان يعني إهمال الميناء القديم في سواكن كما أفرز ذلك الوضع الضغوط على التجار لإخلاء المدينة حتى يحيا الميناء الجديد الشيء الذي قاد لإنهيار مبانيها في نهاية الأمر ولكن إستمر تجار سواكن في الصمود ومقاومة إجبارهم على ترك المدينة فنقلت المديرية عنها لبورتسودان عام 1908 ومما أدهش الإنجليز أن سواكن استمرت تحافظ على مركزها التجاري حتى عام 1910 حيث لا يزال التجار يصرون على تصدير تجارتهم عن طريق سواكن وليس بورتسودان. وعند زيارة الملك جورج الخامس، ملك بريطانيا ، لإفتتاح الميناء الجديد نقلت إليها بواخر نقل الحديد والفحم وجميع السلع الواردة للسودان. فبدأت تتضاءل حركة التجارة في سواكن. وأستمرت محاولات الإنجليز في تجريد سواكن من معيناتها وما إن حل عام 1925 إلا وأكملت الإدارة الإنجليزية نقل كل المؤسسات الإدارية والاقتصادية إلى بورتسودان وكان آخرها المدرسة الأميرية فلم يبق ما يشجع القلة من التجار الذين صمدوا أمام هذه الإجراءات لفترة إلا اللحاق بمن سبقوهم إلى بورتسودان تاركين منازلهم لعوامل وظروف عديدة متباينة تكالبت على المباني المتهالكة أصلاً.

       وترتب على ذلك الوضع بعض الإجراءات ، كان من ضمنها إجراء بعض الصيانات التي لفت الانتباه إليها حاكم بورتسودان عندما أبدى إهتمامه بالقلاع الخارجية فوجه مهندس الأقاليم برفع تقريرعنها ووضع تقديرات حتى ترجع كما كانت بحالة جيدة وكان باعثة في ذلك قيمتها التاريخية والعسكرية [xxi]، ويبدو أن هناك إهتمام بمظهر المدينة الجمالي والتاريخي للإستفادة منه في مشاريع سياحية قادمة. فقد ورد هذا المعنى في العديد من الخطابات الدائرة بين حاكم بورتسودان ومامورسواكن ومهندس الأشغال العامة والسكرتير الإداري. فقد تبلورت فكرة الحفاظ عليها من قبل حاكم البحر الأحمر حين خاطب مهندس الأشغال في 12/4/1927 بأن يهتم بتوجيه عمل الصيانة لجدران المباني الخارجية والشبابيك وليس الأرضيات والسقوفات المنهارة وذلك بالقدر الذي تسمح به إمكانياتهم وطبيعي أن تنهار الأرضيات والسقوفات لمباني الفترة المصرية[xxii]. بسلبياتها الفنية المتعارف عليها، وبديهي أن تكون تكلفة إعادة ذلك عالية لا تقو ميزانياتهم عليها خاصة وأن الغالبية العظمى من أصحاب المباني لم يقدموا على عمل هذه الصيانات إما لعدم رغبتهم أو لعدم قدرتهم ويظهر ذلك في العديد من مخاطبات أولئك المباشرة لحاكم بورتسودان .

    وربما هذا ما دعى حاكم بورتسودان لتوجيه مهندس الأشغال بالحفاظ على شكل المبنى من الخارج حتى وإن فقدت أرضيات الطوابق أو السقوفات والإهتمام بمظهره الخارجي عن طريق الصيانات الدورية للمباني المختارة، ويبدو أن إهتمامه هذا لم يجد القبول من الإدارة الإنجليزية في الخرطوم إذ أوصى مهندس الأشغال بذلك ثم كتب إليهم مرة أخرى بعد أن تأخر ردهم على مقترحه مدة عام كامل ، فأرسل في 4/4/1928م خطاباً عبر فيه عن عنايته بأمر صيانة المدينة القديمة فأورد " أنه وفي إعتقاده أن سواكن كمركز له خيره التاريخي في تمثيل الجمال الطبيعي وعتاقة العمارة العربية القديمة وهي تتفوق على أي شيء آخر يمكن أن نبرزه في السودان . فموجه التطور التجاري سريعة وتترك المكان القديم في بؤس وحتى محلج القطن يبدو متعطلاً في هذه الايام ولا تتوفر أي فرص تخديم للطبقات الفقيرة . والأمل في إحياء التجارة بعيد وسنة بعد أخرى يتضاءل عدد السكان. وأما الخراب والحطام فيتقدمان بسرعة وأنا أشعر أن الواجب يقع على عاتق حكومة السودان للقيام بالصيانة هنا وهناك لميزات تلك المدينة العربية وتلك الأعمال المتتوعة التي ترجع إلى زمن الرومانسية العربية في الثمانينات. وقسم الأشغال العامة يجب أن يُسال ليبلغ سنوياً عن حالة المباني والتي أضيفت لحسابهم وإلا أخشى الإنهيار والإهمال سوف يحطمان المتبقي ، وبذلك سوف نعرض أنفسنا فقط للوم"[xxiii]. كما أشار في جزء من خطابه " وهل من الممكن سؤال أصحاب المباني المهمين كالسيد على ومحمد به احمد ليتعاونوا مع الحكومة للحفاظ على ممتلكاتهم في شكل لائق من الصيانة. وأتمنى أن يأتي الوقت عندما تكون مصلحة وجمال سواكن أن يعملان كنداء واسع للزوار بطريقة ما. فترجع لها عجلة الحظ ". وبالفعل إستطاع حاكم بورتسودان بعد عام أن ينزع إستجابة السكرتير الإداري حينما خاطبه السكرتير المالي في 12/4/1928 والذي رد بالموافقة على هذه الميزانية في 8/4/1928[xxiv]. وذلك بتخصيص المبلغ المطلوب من قبل حاكم بورتسودان (وهو 673 جنيه و¼ مصري) لتغطية صيانة بعض التحصينات والقلاع الخارجية وثلاثة جوامع تعتبر حكومية[xxv]، لكنه بالنسبة لصراي شناوي (الحنفي ، الشافعي، المجيدي) فاعتبرت كالسؤال الصعب فهو من الممتلكات الخاصة ولا يمكن أن تصرف عليها الحكومة ويبدو أن مهندس الأشغال ليس متحمساً للفكرة التي طرحها حاكم البحر الأحمر ولم يقدر حالة البؤس التي لحقت بالتجار. فهم الآن لا يستطيعون صيانة منازلهم ومع إن الإدارة تعلم تلك الأوضاع إلا أنها استخدمت سلطاتها القانونية لتفرض الترميم بالقوة لكنه كان بطيئاً فوضعت خيارات صعبة للسواكنيين بأنه من لا يستطيع إجراء الصيانة   : إما أن تهدم مبانيهم أو تقوم الحكومة بذلك علماً بأن هذا لا يعفيهم من دفع قيمة التكلفة. أو أخذ المباني كبديل عن هدمها[xxvi]. وكان حاكم البحر الأحمر يرى من الضروري أن تنالها الحكومة إذا كانت سوف تنفق عليها، وفي نفس تاريخ كتابتة لحاكم بورتسودان أرسل خطاباً آخراً لمدير عام السكة حديد والبواخر (وبصورة لحاكم بورتسودان) يخطره بموافقته على مقترح الحاكم الخاص بالصيانة المختارة للمباني التاريخية أو تلك ذات الفائدة في سواكن ومن رأيه أن المسافرين العابرين على السفن في بورتسودان لأكثر من اثني عشر ساعة يجب دعوتهم لزيارة المدينة القديمة المتفردة ووضع صورتها الرائعة وتداعياتها الرومانسية . إذ تخلق في تقديري تأثيراً مقدراً على أكثر المناطق المتخمة سياحياً ويمكنك اعتباراً هذا عملياً بطبيعة الحال لتضمين سواكن كميناء هامة في برامج الزوار الشتوي[xxvii]. ويبدو أن مدير عام السكة حديد والبواخر قد أخذ بتوجيه السكرتير الإداري. فقد قام بعمل مطبق وزع على وكالات السياحة وشركات الملاحة لاستمالة وإغراء المسافرين في السفن العابرة ببورتسودان وذلك بتنظيم مجموعات لزيارة سواكن[xxviii]. أما هيئة الآثار والمتاحف فلم تكن أيضاً بذات حماس مفوض البحر الأحمر ولم تخف عجزها عندما قررت أن القليل في سواكن يرقى لعمل الصيانة وكان واضحاً استمرارعدم مبالاة مفوض الآثار تجاه مصير المدينة، حتى أنه لم يقم بزيارة لسواكن (حقيقة) وبناء على ذلك فشل أن يعجب ويقدرأن كثيراً من البيوت لا بد من صيانتها.

 كان ذلك حظ سواكن من المسؤولين المباشرين، لكن كان سوء حظها كثيراً فيما غير العادة عندما هاجمتها العواصف المطرية الشديدة خاصة ما بين عامي 1937 و 1940 فاتمت ما بقي وقدر الهدم في تلك السنوات بأربعين إلى خمسين منزلاً في العام وبعد هدوء هذه الأحوال عين مفوض آثار جديد يتصف بنظرة مرنة لكن حينها كان قد فات الأوان لعمل شيء للميناء القديم. ولم يبق من البيوت المصانة عام 1946 مسكوناً إلا ثمانية عشرة منزلاً ولم يتجاوز سكان الجزيرة 330 شخصاً . وسارع مهندس أقسام الصيانة بتصنيف البيوت إلى أربع أنواع:-

  1. مشغولة ومحفوظة بطريقة مقبولة من الصيانة منازل السادة: عمر الصافي، شيخ صالح نصيب ، احمد أفندي سحلول ، عبدالله صالح الخدري.
  2. مشغولة ولكنها يري أنها معالجة بصورة كافية كمنزل محمد محمد عوض الكريم شناوي، مختار أفندي محمد خورشيد.
  3. غير مشغولة لكنها أو هيئتها معقولة كمنزل محمد أفندي على عبيد، الشريفة مريم الميرغنية ، عمر محمد صالح بازرعة ، سيد البربري احمد شمس،أرملة محمد به حمد[xxix].
  4. غير مشغولة لكنها خطرة .

كما ذكر أن هناك آخرين غير أولئك يقومون بصيانة منازلهم وأنه يجب أن تكون سياسة قسم الأشغال مشجعة لذلك وتبتكر مشروعاً مناسب لهذه المسألة.

    ويؤكد المهندس أن المالكين مسئولين قانونياً بإجراء صيانة بالقدر الكافي للتأكد من رسوخ وثبات المباني أو هدم الذي يعتبر خطراً. والحقيقة التي تجعل الحكومة راغبة في صيانة مباني محددة لا تعفي المالكين من مسئوليتهم، ويمكننا على أي حال أن نعتبر أخذ المباني كبديل عن هدمها[xxx]. وأن لا يكون هناك اتجاه لاعطاء أي مساعدات مالية غير مشروطة لملاك المباني الخاصة. ويجب تشجيع الذين يعملون والمساعدة يمكن أن تكون في الصيانة وتجميل الشبابيك والأبواب الخشبية لتلك المباني. وتضمن خطاب المهندس أيضاً بعض المباني الخالية الواردة في القائمة يمكن إستلامها على أن يفهم المالك أنه يمكن شرائها مرة أخرى في أي وقت خلال العشر سنوات وذلك بدفعه قيمة الصيانة التي دفعناها كاملة ومن الناحية الأخرى لنا الحق في هدمها دون أي تعويض للمالك إذا صار ضرورياً عمل ذلك[xxxi].

مسائل فنية أثرت سلبا على المبانى ( بطريق غير مباشر)

معظم  المنازل في سواكن، خاصة البيوت الفسيحة، كانت  قد إنشئت  منذ قدوم المستوطنين الأوائل إلى الجزيرة، وهو تاريخ غير مدون ثم تليه سيطرة الاتراك علي الجزيرة عن طريق مناديب إمارة والنموذج  هو بيت الباشا رقم  182 . وهذه من البيوت الأولي التي بنيت  بالحجارة المرجانية. كان قد صممت أساسات  بعضها ليحتمل  بناء طابق أو اكثر أعلاه. فممتاز  باشا عندما قدم لسواكن عام  1866 وسع في مباني المحافظة التي كانت  أصلا موجودة وربما  كانت مقر حكم  الباشوات  قبله. ثم أضاف إليها طابقا علويا واحداً. وممتاز باشا هو نفسه الذي قاد  مشروع  تطوير المدينة عمرانيا ، وهو المشروع الذي أصاب معظم  مباني سواكن بمقتل، لان إسلوب البناء الذي رافق ذلك المشروع لم يصب مباني تلك الحقبة الجديدة فحسب، وإنما  تسبب في هدم  القديم من المباني ذات الاسلوب الجداوى التركى المتين والجميل، لتحل مكانها تلك الجديدة. علما بأن تلك القديمة كانت تعالج باسلوب بناء سليم جعلها تقاوم الزمن وتظل  واقفة متماسكة ومأهولة  لقرون عديدة مقارنة  بتلك التي  أُقيمت في زمن ممتاز باشا. والدليل على إختلاف إسلوب المبانى الذى أدخله المحافظ نجد له برهانا فى مبانى جدة وهى المبنية بالطريقة التركية ، فلا زالت وحتى اليوم ( مشاهدة البحث الميدانى ) مأهولة بالسكان وتستوعب الحركة اليومية مع أنها أقدم عمراً من سواكن، فإذا حسبنا  عمرا للمباني   التي ظهرت في رسم  دي كاسترو  عند حصار الإسطول البرتغالي لسواكن  ( وهي جميعها من طابق واحد تقريبا )  حتي وقت المسح الذي اجراه  المستر " قرينلو" لا تقل عن أربعمائة  وخمسون عاما .  فذلك المسح  سجل بيوتا" ربما تحسب من تلك الفترة وقد يزيد عمرها كبيت الباشا وخورشيد  افندي وغيرها. مع أن مشروع العمران الذي تبناه ممتاز باشا بعد تعيينه حاكما  لسواكن عام  1866م لم يتجاوز عمر منازل المشروع التي شهدت  نفس  فترة  المسح المشار اليها سوي  أربعا وثمانين عاما ، وفي الواقع  ليس هذا عمر منازل ذلك المشروع

الحقيقية فهي أقصر من ذلك بكثير اذ أن معظمها  بدأ يتساقط  قبل الثلاثينات  من القرن  العشرين.

 

 
     من الواضح أن هناك فرق  كبير بين  البيوت المبنية علي الطراز الجداوي (وبمعنى آخر التركى) عندما كانت سواكن تتبع وتدار  بتعيين باشا من  جدة ( ويتبع هو الآخر لأستنبول)، وبين مباني الفترة التي آلت فهيا  تبعية سواكن للخديوية في مصر، وأصبح تعيين  حكامها من مسئولية القاهرة وذلك منذ عام  1865 م .

     وواضح  أن مباني الفترة الثانية هذه لم يتبع فيها نفس أسلوب البناء القديم  المستعار من مباني جدة، وهو أسلوب تركي. فقد إستخدم ممتاز باشا لمشروعه بناءون من مصر ( وهم حقيقة من جنود حامية سواكن المصرييين ممن له سابق معرفة بالبناء والنقش )  وهؤلاء إستخدموا  إسلوب  بناء الإهرامات  لهذه  البيوت الجديدة .  فالاهرام   بجدرانه  المائلة علي بعضها  يترك  فراغا  في جوفه  ليملأ  بالحجارة  الصغيرة و"التراب". ويظل  البناء متماسكا إلي أن يحدث  خلل  في رأس الهرم سواء بكسره عنوة - كما حدث في إهرامات البجراوية  - أو لظروف  طبيعية، وفي كلا الحالتين  تنفذ مياه الأمطار إلي الداخل  وتحدث خلخلة بين الصخور  


الصغيرة الداخلية فتغسل التراب من  بينها من خلال   فتحات الكتل الصخرية الضخمة، وبتكرار ذلك لتعاقب السنين يداوم التراب علي إستمرار تدفقه إلي الخارج مع المياه،  فتتجه الحجارة الي الاسفل مشكلةً ضغطا متزايداً علي أسفل الهرم، فتنشأ  حركة وخلخلة للحجارة الخارجية. و بمرور الزمن وإستمرار تلك الظروف  تتكون الشقوق  فتسقط  أجزاء  من الجدار الخارجي. وذلك ما حدث لمباني تلك الفترة المصرية في سواكن . فالجدار السابق الذي كان مصمتا ( قطعة مترابطة من الصخور بسمك الحائط قد تبدل ليحل جداران مكانه مع ترك فراغ بينهما يملأ عادة بحجارة صغيرة مخلوطة بالطين غير مربوطة  بالمولاط  (المونة) إنما بمونة ترابية، كما أن الحجارة  المرجانية التي  أُستخدمت للجدارين التوأمين كانت صغيرة الحجم، وليست بالحجم  الذي كان متبعا في المباني القديمة. ومع أنه  أُستخدمت  الدعامات الخشبية  العرضية  داخل الجدران إلا أنها مربعة الشكل وليست مدورة كما في  المباني السابقة، وفي كثير من الاحيان  ليست من خشب القندال المعروف  بصموده أمام الرطوبة والتسوس. فخان الشناوى أو الوكالة إكمل بناؤها عام 1881 – وينطبق علي إسلوب بنائها ذلك الإسلوب الذى

 
ضريح ومسجد السيد تاج السر ..عندما يسقط الحائط الخارجي لا يقوي الحائط الداخلي علي ثقل السقف فينهار    أُتبع فى مشروع تعمير ممتاز باشا – وغالبا ما يكون قد قام الجنود ببنائها كما حدث لغالب مبانى تلك الفترة

 أما السرعة التى تصدعت بها وكالة الشناوي فلم تتعد الخمسين عاما.  وهي بكشفها للعيوب الإنشائية لدليل على فشل الأساليب الإنشائية التى أدخلها ممتاز باشا  لمبانى سواكن، بعد عام  1865 ، فأصابت سواكن بمقتل. ويمكن حصرهذه العيوب فى الاتى: 

اولا : الجدار الذي يحوي  فراغا  في وسطه ،ومملؤة بالحجارة  الصغيرة ليس كالجدار المصمت الواحد إذ لا يجعل من نفسه وحدة متماسكة ليتوزع عليها الوزن الضاغط من البناء.

ثانيا :  خاصة وأن حجارة الحائط نفسها صغيرة الحجم فيكثر، بالتالي عدد العراميس بينها في الجدار، بعكس إستخدام الحجارة الكبيرة التي يقل فيها عدد العراميس. وكثرة العراميس تتسبب 

في توزيع قوة  الضغط الي  تحت باتجاهات غير متزنة، وتحت الظروف هذه، تتهيا فرص أكبر لحدوث  الشقوق  في الحائط .

 ثالثا : إذا ما إنسابت مياه الأمطارمن أعلي سطوح المنازل والسقوف  إلي داخل الجدار، بسبب فتوحات  في السطح أو أعالي الجدران، تقوم المياه  المنحدرة حينها بتحريك الطين وغسله من بين الحجارة  الصغيرة  في الفراغ بين الجدارين فتخترقه الي أسفل. أو ينفذ  مع المياه المندفعة خارج الغرفة، أو داخلها، من خلال  الفتحات التي  تحدث في الجدار. وبتكرار ذلك  تتسرب كل المونة الطينية من بين حجارة الدبش بين الجدارين، فيقف الجداران منفصلين عن بعضهما ( رغم أن الحائط يظهر متماسكا" من الخارج).حينها  تشكل الحجارة الصغيرة أثناء تحركها وتراكمها في الأسفل قوة تعمل علي دفع الجدارين عن بعضهما وغالبا ما يسقط  الجدار الخارجي اولاً .

 رابعا:  الدعامات العرضية الفرعية (في التقليلات) التي  تربط  بين الدعامات الطولية الأساسية،  تغير شكلها من المستدير إلي المربع، كما أن النوع الخاص القديم أُستبدل  بخشب آخر لا يحتمل الرطوبة ، فينتفخ  ويزيد حجمه بين الحجارة خاصة وأن أصبح الماء سهل الوصول إليه من خلال  الشقوق  والفتحات، زائدا  بما يتشبع به الجو اصلا  من تلك الرطوبة، فيظل  هذا الخشب  في حركة متعاقبة  بين الانتفتاخ  والانكماش. وبديهي أن يحدث ذلك خلخلة بسيطة للحجارة  حول هذه الدعامات فتتفتت  المواد الرابطة بينها، خاصة وهذه الحجارة أصبحت أصغر حجماً عما كانت عليه. وبطول الزمن وتكرارهذه الخلخلة  تنشأ الشقوق في الجدران   فتتسبب  في دخول مزيد من الأمطار للفراغ داخل الجدار، فتجرف مزيداً من الطين الداخلي الي الخارج .

  خامسا:   يعتبر  السفلي الخارجي  حول البناء من أهم الأجزاء  في المبني وأخطرها، لهذه المباني الجديدة  متعددة الطوابق ( وحتي لتلك القديمة) . فمياه الأمطار الساقطة وتلك التي تنحدر بقوة من السقف الي أسفل  ترتطم  بالأرض بالقرب من الحائط  ثم ترتد مرة أخري الي أعلي مرتطمة بمنطقة أسفل الجدار، لكنها هذه المرة  تحمل معها أملاح  الارض التي تكون قد دابت عند وجه الارض مع المياه المتجمعة،  وربما تحمل أيضاٌ أحماضاٌ معها من الجو فتضرب بها سفلي الجدار فتقوم تلك الاملاح، وبتعاقب السنين وتكرار ذلك، بتعرية  المونة  الطينية  من بين الحجارة ،  إذ تفقدها  ترابطها، وعند أوقات الجفاف تتحول هذه المونة الطينية  إلي بدرة  تتدحرج  خارجا لأبسط الأسباب من بين الحجارة، ومن تلقاء نفسها أو بفعل الجاذبية أو بفعل الحشرات. وبتكرار ذلك وتعرية  مساحات كبيرة من  السفلي من المونة الساندة للحجارة،  ونتيجة لضغط البناء المستم من الأعلي، تنشأ شقوق كبيرة خاصة تلك الافقية، وفي الأعلي والوسط ، وهي أكثر خطرا لمثل جدران تلك الحقبة .

سادسا: السقف  في كل طابق دعامة للحائط  طالما هو حائط  مسمط واحد،  ففي أي عمق من سمك الحائط يغرز خشب السقف، يظل  داعما لكل الجدار المسمط . أما في حالة الجدار الذي يحوي فراغا داخله وتحت الظروف السابقة التي تحدث من الشقوق  للحائط الخارجي ، فان وزن  السقف  يتجه للارتكاز علي شق الحائط الداخلي .  وباستمرار تلك الظروف  يسقط  الجدار الخارجي أو جزء منه. وبالتالي  يكون السقف عبئا ثقيلا علي  الجدار الداخلي وحده  فلا يصمد علي حمله كثيراً فينهار هو الآخر الي الداخل.

 لم تكن الاضافات  العليا للمباني من طوابق لتشكل  كبير خطر علي الأساسات الاولي . فهي تبدا بسمك  ثمانين سنتمتر،  ككتلة واحدة متماسكة  لكنها  بالإسلوب  الجديد  في البناء  وتحت الظروف  التي بدأت تحدث ،  للبناء أصبحت المبانى ذا ت الطوابق المتعددة عبئا علي الجدران تحتها .

 

سابعاً: تحتاج  الحجارة المرجانية بحكم تكوينها  إلي حماية ومنذ البداية ، ثم  بصيانة منتظمة

ومن وقت لآخر، و هذا يجعل عمرها طويلا . فسطوحها الخشنة كانت تزيد من تماسك البياض وإحكام إلتصاقه عليها ، وعند الحاجة تقوم التقليلات الأفقية بتسهيل  إستبدال  التالف من الحجارة بين المداميك  بآخر سالم  دون أن يتأثر الجدار بذلك. لكن تنعيم وجهي  الحجارة من الداخل والخارج  في إسلوب البناء الجديد  قلل من عمر البياض في وجه الحائط ، فينكشف المبني للظروف السابقة فتتعرض  الحجارة المرجانية  للتآكل  والجدران للظروف السابقة الذكر.

السلبيات المباشرة :

  1-         لم يكن  في مقدور أصحاب  المباني المهجورة  وهم بعيداً عنها الإستمرار في عمل الصيانة لممتلكاتهم هذه بل لم تكن لهم الرغبة، إذ لم يعد  هناك دافع أو حافز لذلك بعد أن هجروها. فإرتباطهم الوثيق بها كان متصلا بدوام أعمالهم التجارية الرائجة وعلاقتهم الخارجية والداخلية . فاي مبرر الآن بالنسبة لهم وقد ضاع  ذلك من بين أيديهم  يحملهم، وهم علي بعد ، من الإستماتة وراء صيانة  منازلهم والإبقاء عليها كما كانت في السابق ؟ وما هو الحافز علي الصرف عليها وإن توفرت القدرات المالية لذلك ؟  فإخلاء المباني بسبب إحياء  ميناء  جديد أصاب مدينة سواكن بمقتل .

 2-  كان يمكن أن يكون عمر المدينة أطول  من ذلك  حتي مع تلك الظروف السابقة، إن إعتبرناها العامل السلبي الوحيدة الذي يهدم مباني المدينة . ولربما  كانت الطبيعة أرحم علي سواكن من إنسان المنطقة ، فقد كان الانسان أشرس وأكثر ضراوة علي المباني من سواها  . فقد نهش جسمها وخلع عظمها وأودعهما النار.  فبني مسكنه  - كوخه -  من الالواح التي إنتزعها من أرضيات المباني التي تجاوره  وأعتقد بجهله أنه قد نجح   في تأسيس فبرايقه لصناعة الجير من جسم  المباني المهملة، وسعد كثيرا لانه قد وجد حلا في متناول يده  لمشكلته المستعصية ، وهي الطاقة التي يحتاجها لاغراضه  المنزلية، فالتهمت ناره المستعرة المشربيات الجميلة وحشوات الابواب والشبابيك والأقواس والتقيليلات الخشبية. ذلك علاوة علي الإستفادة من كثيرمن الأحجار وأخشاب القندال في المباني التي قامت حديثا خارج الجزيرة في (القيف).

     وقد إستوى، في هذا الفعل كل من الأفراد والجهات الحكومية في القيف ولقد كان ممكنا حتى عام 2000 مشاهدة عربة  حكومية  بها أفراد من جهات بعينها يقومون بخلع الأخشاب  من بقايا  الجدران  المتداعية أو من سقف المحافظة الذي أُقتلع إقتلاعا، وهو آخر المباني التي ظلت متماسكة، ورغم أنه يستخدم  كاستراحة رسمية إلا أن ذلك لم يكن بمنجيه من تلك الايدي.

3 - لم تقم مصلحة الآثار الوطنية  بدورها كاملاً  حيال سواكن منذ الإستقلال  وحتي ضياع المدينة  تماما. وليس المقصود  هنا توفير الإعتمادات للصون والمحافظة  من ميزانيتها الخاصة، لأنها لا تقو علي ذلك ، ولكن ماذا فعلت بالشأن السواكني برمته  بجوانبه المختلفة :

   أ-  فمن الناحية  الدولية كان يمكن العمل بهمة  ومسئولية أكبر في  الشأن السواكني وإعداد  المطلوب في الوقت المناسب  من وثائق  بشأنها حتي تصنف ضمن المدن  التاريخية - وهذا  التصنيف  لا يجعلها  في سجل  المدن التاريخية فحسب وإنما يوفر لها  الدعم الدولي كذلك حسب عهود  المنظمة اليونسكو الدولية.

      وعندما نال  السودان الإستقلال  كانت مقالات  ماثيوس وجهود قرينلو وغيرهما قد حركت المهتمين بالمدن التاريخية  الحية ومهدت أرضية صالحة لادارة الآثار الوطنية لتستقطب الدعم الدولي. وكان  يمكن لها أن تنجز  ذلك ببساطة  باكمال الوثائق  المطلوبة عن تلك المدينة التاريخية الحية التي لا يزال الكثير من مبانيها يقطنه ممثلوا  الاسر التي هجرت المدينة. وكونها لازالت حية بحركه سكانها  وكون الكثير من مبانيها لا يزال منتصبا هو الملفت والهام لتدوينها  في سجل  التراث العالمي. وقد يبدو  شاذاً بل وساخراً لابعد الحدود  أنه  وحتي الآن  لم تكمل وثائق سواكن لدي المنظمة الدولية  لتضمن  في هذه  السجل العالمي حتي أصبحت بغفلتنا المعهودة أنقاضاً وأكواماً من الحجارة. وهذا يرسم علامة إستفهام كبيرة.

ب - من ناحية  سـلامة المباني في الجزيرة والقيف  من هجمات الغزاة التي دكت المدينـة للانتفـاع منها، فالعم حسن خفير المدينة الوحيد  - لايسـتطيع  أن يصد مثل هذه الهجمـات وحدة ، لكنه نبــه عنهاالمسئــولين كثيرا[xxxii].  كان ذلك دور الهيئة في أن تثـير أمر حمايتــها علي المســتوي القومي والاقليمي وهي صاحبة العلم والمعرفة بأهميتها  التاريخية والثقافية والحضاريـة، وتحرض الدولة لأن تخصص لها قوة أمنية من رجال الشــرطة. والمطلوب ليس بمستحيل ، إذ لا نتحدث عن كتيبة عسـكرية  كاملة، رغم أن ذلك ليس بكثـيرعلي ســواكن،  إنما نتحديث عن نقطة  صغيرة دائمة من مجموعة رجال شرطة  يعكس وجودهم  إهتمام الدولة  ووعيها بإرث الامة.  وذلك ليس بمستحيل  فالجزيرة  أصلا مؤمنة بالمياه  من كل جوانبها عدا المدخل الـذي تنصب عنده نقطة الأمن هذه. ومع ذلك لم تعرف سواكن سلطة فعلية لحمايتها من التخريب الذي يتـم تحت سمع وبصر الهيئة القومية للاثار،  ومن مؤسسات الدولة الرسمية في (القيف).

     ج-  يمكن  أن يكون مفهوم الصون والحماية مختلفا عن الفهم الفني  التقليدي المعروف في مجال الآثـار فيتخطاه  ليشمل التوعية باهمية إبقاء المباني بحالتها دون أن تمسها يد عابثة وذلك بعمل توعية ثقافية إعلامية مكثفة ومنتظمة تستهدف فيها شرائح المنطقة المختلفة من الرسـميين بمختلف مؤسساتهم والتكوينات الشعبية والزوار وتلعب أجهزة الإعلام  خاصة المحليــة دوراً كبيـراً في نشر هذا الوعي الذي كان يمكن أن يجنب المدينة التاريخية كثيراً من التلف الذي لحق بها.        

د- الزيارات والاذونات  الميدانية السياحية  للأجانب أو المواطنيين  تتيح الفرصة للزائر الجاهل أن يفسد ما بقي  من أشلاء المدينة بسلوكه غير الواعي تجاه المباني  ويتمثـل ذلك السـلوك، مـنذ الاصرار بالدخول بالعربات وتجاوز الخط المسموح به.  ثم نجده في الكتابة علي الجدران أو إقامة الولائم  والحفلات تحت تلك الانقاض. ولا توجد تنبيهات بالمنع أو بعدم الإقتراب أوالإستخدام، في كل الجزيرة. كان يمكن لهذه  التوجيهات  والتي تمثل حضورا  نسبيا لصاحب الامر في الجزيرة  - وهي مصلحة الآثار- ،  أن تلعب دوراً  ولو قليلا  في حفظ وصون القليل من المدينة.

هـ -  أتاح قانون الحكم اللامركزي فرصة لحكام الأقاليم للاستقلال  بمواردهم، فيخشى أن يشمل ذلك حتي الأثار. وهو وضع ليس في مصلحة الآثار علماٌ بان هذه ا لأثار تجاوزت أن تكون حكرا قوميا إلي ملكا عالمياٌ، لكل الإنسانية حسب  مواثيق المنظمات  الدولية والتي لا ننضم إليها فحسب بل نزعن لسياستها الرامية الي الحفاظ علي تلك الكنوز الثقافية التى تحوي علي الإرث  الإنساني.  فلابد  من أن تدار هذه الممتلكات  الثقافية بواسطة  أدارة واحدة واعية بالهدف والغرض ومالكه للوسائل بما فيها الجوانب الفنية وهي بالضرورة إدارة قومية واحدة لا تقع باي حال من الأحوال في أيدي حكام الأقاليم بأى شكل من الأشكال الإدارية إذ  يُخشي  لعدم  معرفتهم  المتكاملة بأمر الآثار  أن تُستغل المناطق الأثرية بهذه الطريقة غير السليمة كموارد سياحية  ذات عائد لخزانتهم الإقليمية دون الإنتباه إلي المقتضيات والضوابط المطلوبة قوميا ودوليا في شأن الأثار حينما توظف سياحيا.

و/ درجت إدارة الأشغال ومنذ الثلاثينات، على تجميع الأجزاء الجميلة من عمارة سواكن، كالمشربيات والأبواب والنوافذ وحفظها داخل المحافظة فى الجزيرة، ثم جعلت منها متحفا لهذا الغرض وأستمر كذلك إلى أن خرج الانجليز من السودان. لكن هناك علامة إستفهام كبيرة حول هذه الممتلكات القيمة التى إختفت من المحافظة ولاتوجد معلومات عن كيفية إختفائها أو  أين أختفت ؟ أو لمن آلت؟

 
 

مجهودات الصيانة منذ إخلاء المدينة:

    ولما كانت الصيانة عبئاً ثقيلاً على مهندس أقسام الصيانة في الأشغال، فقد قام في عام 1933 بوضع تقريرعن حالة المنازل ووصف حالتها وما تحتاجه من صيانة، وإصدار إرشادات لسكان سواكن للكيفية التي تتخذ لتصليح المباني يشرف عليها باشمهندس أقسام الأشغال[xxxiii]. وهذه الإرشادات خاصة بالمونة والبياض وبياض السقف والأسافيل الخارجية وشقوق الحوائط إلى جانب الإرشادات الفنية عن كيفية إستخدام الإسمنت[xxxiv]. وإتجه مهندس الأشغال لقفل بعض الشوارع وهدم بعض الجدران الخطرة وتقليل إرتفاعات بعضها. وقد جاءت أفكاره غير مقبولة ومستغلة لسكان سواكن، فأما أن يقوموا بأعباء الصيانة وهم عاجزون عن ذلك وإلا يستولى على المنازل الآئلة للسقوط نظيرعدم مطالبتهم بقيمة تكلفة هدمها فتصبح ملكاً للدولة. أما المصانة من جانبه فتظل ملك للدولة لمدة عشرة سنوات ثم تعاد لصاحبها وإن أراد قبل ذلك عليه دفع التكلفة المستحقة. وكان وصف التقرير لحالة المنازل على النحو الآتي:-

1-  في عام 1933م إنتقت مصلحة مفوضية الآثار خمسة وعشرون مبناً وداومت على صيانتها دورياً.

2- صارت حالة المباني في عام 1937م خطيرة على المارة مما استدعى إغلاق بعض الشوارع.

  3-في الفترة من 1940 وحتى 1950 قام الجهد المشترك العظيم بين السيد (قرينلو) والسيد (ماثيوس) الخاص بأعمال التوثيق المميزة لمباني سواكن .

 
  4- رصدت تقديرات أعمال الترميم في عام 1942م ثلاثة وخمسين ألف جنيه لمدة عشرة  سنوات. أي بمعدل 5300 جنيه للسنة الواحدة  لمدة عشر سنوات ثم من بعد ذلك  والخراب شأنه وآحد...يطال كل شيئ              

حدد مبلغ خمسة آلاف جنيه سنوياً للصرف على أعمال الترميم.

5- انتقلت في عام 1 944م مهمة صيانة مباني سواكن المنتقاة لحاكم بورتسودان، وأقترحت لذلك مائة وخمسين ألف جنيه لكن لم يتم التصديق عليها.

6- منذ 1950م ولمدة خمس سنوات بدأ السيد (ماثيوس) مهندس الأشغال آنذاك بنشر بعض المقالات، تعرض فيها عن طراز الجزيرة المعماري مجموعات وتصنيف المباني لأربع، مجموعات موضحاً أهمية كل مجموعة وضرورة الحفاظ عليها وصونها.

7- في عام 1958م وعقب الإستقلال أطلق مفوض الآثار نداءاً لإنقاذ مدينة سواكن فاستجابت له منظمة اليونسكو وبعثت السيد (إسبنولد)، مستشار معماري، فقدر أعمال الصيانة بخمسة وسبعين ألف جنيه لم تمولها اليونسكو.

8- في عام 1968م وبتوجيه من مصلحة الآثار كُلف المهندس المعماري الألماني السيد (هينكل) برفع تقريرعن سواكن ضمنه مشروع ترميم إعتمد فيه على مقترحات (ماثيوس) السابقة.

9- في عام 1970م ناشدت مصلحة الآثار منظمة اليونسكو مرة أخرى بشأن سواكن، فاستجابت بإرسال المهندس المعماري (هانسن) والذي تبنى مشروع هينكل، وآضعاً في تقديراته إستمرارية تزايد التلف والخراب ، فكان تقديره لمشروع الصيانة بسبعين ألف جنيه ومرة أخرى لم تظهر أي استجابة للمشروع من قبل المنظمة. منبهاً إلى نشاط عوامل التلف وتآكل المباني في الجزيرة ونبه أن ذلك ربما يكون آخر تقرير ومن بعده لن يكون هناك ما يستحق الاهتمام به في الجزيرة.

10- في عام 1974م رفع المهندس المعماري السيد (محمد خالد يوسف) كأول مهندس وطني في مجال ترميم الآثار- تقريراً تضمن حالة المباني الإنشائية.

11- في عام 1976م كلفت مصلحة الآثار مرة أخرى المعماري (هينكل) لتقييم مباني سواكن وحينها كانت معظم المباني في حالة خراب ولم يهتم بأمر الصيانة في توصياته فركزعلى مقترح إنشاء مربع تاريخي بمعيار جديد في الركن الشمالي الشرقي من الجزيرة.

12- إستمرت مصلحة الآثار منذ الثمانينات وبما توفر لها من إمكانيات شحيحة مباشرة مسئوليتها تجاه الموقع بتركيزعلى الأبنية الرسمية.

13- في عام 1994م أصدر مجلس الوزراء أمراً بتكوين هيئة قومية لإحياء مدينة سواكن وبقيت اللجنة لعامين دون أن تفعل شيئاً لتنتهي صلاحيتها بتكوين لجنة أخرى ثلاثية لذات المشروع.

14- في نفس عام 1994م حضر الخبير الأجنبي السيد (مايكل باري لين) موفوداً من اليونسكو فاتصل بالجهات الرسمية وعمل مسحاً بالجزيرة ورفع (باري لين) على ضوء ذلك مشروعاً متكاملاً للترميم حدد أسلوبه وتكلفته لكن لم تكن هنالك إستجابة في نهاية الأمر فقد إحتوى على جوانب هامة وركز على الصيانة المتكاملة والتنمية الإجتماعية وأقترح أن يدار المشروع بواسطة طاقم وطني قادر على التنفيذ وأن يترك باباً للحوار مستمراً مع السكان إلى جانب إيجاد آلية تمويل يستند عليها المشروع. والذي يصل في نهايته إلى مدينة تاريخية حية بنيت بالأسلوب القديم ولم يغفل مشروعة الغاية المستقبلية من الإفرازات السلبية للتطور من حول المدينة القديمة.   طرأت عدة محاولات لإحياء المدينة المفقودة، حيث شكلت عدة لجان قومية، وآحدة تلو الأخري لكنها لم تتمكن من الخروج بنتيجة. يضاف إلي ذلك المقترح الذي قدمه كاتب هذا المقال ( موضوع دراسته لنيل الدكتوراه من قسم الآثار بجامعة الخرطوم عن مدينة سواكن

 
 

              مجسم لكل الجزيرة نفذه " قرين لو " بدقة وحرفية عالية وهو صورة حقيقية لما كانت عليه ومعمارها وزخارفها) حيث أفرد جزءاً كاملاً لكيفية إحياء المدينة علي أسس سياحية لكن كلذلك ذهب أدراج الريح...  وهكذا..   فقدنا المدينة التاريخية الأكثر أهمية والوحيدة بالنسبة لن يُبَرئ التاريخ كل المواقف السالبة ولن ينسي تسجي  ل غفلتنا عن تراث عزيز صاغ وجداننا.  لكن.. والأكثر حزناً بالنسبة إلي شخصياً ( وأراه أمام خاطري الآن ) ملامة وإدانة أجيالنا  القادمة فيما فعلناه بمدينة سواكن. تلك الأجيال التي سوف تكون أكثر تفهماً ووعياً بقيمة التراث في حياتها.  لهويتنا المرتبطة بجذور الحضارة والثقافة الاسلامية،... وسمعنا وبصرنا يشهد بذلك.

 

 

 

                 وهذا ما آلت إليه سواكن في نهاية مطاف قصتها الحزينة  

النتائج والتوصيات:

أولاً: النتائج

     إنهارت سواكن نتيجة للأسباب الآتية:

   1- الأطماع والهيمنة الهسكرية التي مورست علي مدن شواطي البحر الأحمر بدءاً من الفراعنة والرومان والخلافة الإسلامية بتعاقب مسمياتها في سدة الحكم،ههي التي سلبت ثروات تلك المدن - وسواكن ضمنها – لمصلحة شعوبها.

  1. أما فترة الخديوية بشكل أخص فسياساتها قد تلخصه نوايا عرابهم محمد علي باشا والذي قدم للسودان من أجل العبيد والذهب. لكن أبناءه من بعده وجدوا فرصتهم في ثروات سواكن وداخلية السودان وأفريقيا.
  2. بدأت أطماع الإنجليز بسواكن لكنها إبتلعت كل السودان.
  3. هناك أسباب فنية مباشرة ناتجة من إسلوب البناء الخاطئ الذي فرضه ممتاز باشا ونفذه بناءون من جنود حاميته العسكرية وشمل ذلك  كل المباني التي قامت بعد بعد عام 1866 في سواكن.
  4. هناك أسباب مباشرة تمثلت في التعدي علي المباني بهدمها للإستفادة من مواد البناء لإستخدامها مرة أحري. مارس ذلك الأفراد ومؤسسات الدولة علي السواء.
  5. قامت عدة محاولات لترميم المدينة لكنها لم تنجح.
  6. قامت عدة محاولات قومية لإحياء مدينة سواكن ولم تخرج   بنتيجة.
  7. آخر مشاريع إحياء سواكن مقدم من صاحب هذه الورقة، (مستخلص من دراسته للدكتوراه عن سواكن)، علماً بأن المشروع يقوم علي أساس شراكة أستثمارية  قاعدتها سياحية في المقام الأول، وله كيفياته الشاملة  لشئون المدينة المختلفة القائمة علي وجود مجتمع حقيقي يدير مرافق المدينة المختارة المتنوعة لزوار المدينة المتجدد من السياح.

 

ثانياً: التوصيات:

1-    أن يعمل التعليم كآلية لنشر وترسيخ  الثقافة المرتبطة بالتراث وتقوية هوية النشء المرتبطة بتنوع إرثهم الثقافي.       

2-    تدريس قيم وجماليات العمارة الإسلامية، في البرامج التعليمية لكليات العمارة والتصميم الداخلي، لما لها من دور كبير في ترسيخ قيم وجماليات ذلك التراث.

3-   الترويج لمشروع إحياء مدينة سواكن بالكيفية وطرق المعالجات التي تضمنتها الدراسات العلمية التي اجريت حول المدينة، ومن بينها اطروحة الدكتوراه التي أعدها كاتب هذه الورقة البحثية.                                    

 

 

المراجـــــــــــــــع

 

 

[i] فاروق عثمان اباظة   (د.ت.) : عدن والسياسة البريطانية فى البحر  الأحمر 1939، القاهرة ، ص 18.

[ii] خلف عبد العظيم  سيد الميرى 1992:  تاريخ البحرية التجارية المصرية ، 1854 – 1879، الهيئة المصرية العامة  للكتاب، القاهرة، ص32.

[iii] المصدر السابق، ص  363-367.

[iv] المصدر نفسه، ص  543.

[v] المصدر نفسه، ص 363-364 -365.

[vi] المصدر نفسه، ص 543.

[vii] المصدرنفسه، الصفحة نفسها.

[viii]  المصدر نفسه، ص 591.

[ix] جون لويس  بوركهارت،  د. ت:  رحلات بوركهارت فى بلاد النوبة والسودان، ترجمة فؤاد أندراوس. ص: 250.

[x] (ابن تيمة 318هـ :17)

[xi] عطية القوصي،  د.ت. : تجارة مصر فى البحر الأحمر، منذ فجر الإسلام حتى سقوط الخلافة العباسية، بدون دار نشر. ص /55/56/61

[xii] المصدر السابق، ص153.

[xiii] أبو الحسن عز الدين ابن الاثير (1290 هـ) : الكامل فى التاريخ، مصر. ص 470.

[xiv] القوصي ، مصدر مذكور، ص 90.

[xv] المصدر السابق، ص 89.

[xvi] محمد بن عبد الله الإدريسي، د. ت.: نزهة المشتاق فى ذكر والبلدان والجزر والمدائن والآفاق، مكتبة جامعة القاهرة تحت الرقم 9782. ص 57.

[xvii] عبدالجليل الشيخ عطا الفضيل - 1999: تاريخ مدينة بورتسودان، بحث  دكتوراة ، كلية الآداب - قسم التاريخ، جامعة الخرطوم. ص 27/28.

[xviii] المصدر السابق، ص 26

 

[xix] David Roden - 1970: Decline  of The Twentieth Century Suakin. S.N.R   Vol. Li. -1-22 p.7 

[xx] المرجع السابق ص 8

[xxi] ملحق رقم 2- حافظة 12 ورقات 1-2 - دار الوثائق القومية

[xxii] ملحق رقم 3- حافظة 1/4/12 ورقة 27- دار الوثائق القومية

[xxiii] حافظة 1/4/12 ورقة 30 - دار الوثائق القومية

[xxiv] حافظة/12 ورقة 34 - دار الوثائق القومية

[xxv] حافظة /12 ورقة 31 - دار الوثائق القومية

[xxvi] حافظة 1/4/12 ورقة 96 - دار الوثائق القومية

[xxvii] ملحق رقم 8 ب - حافظة 1/4/12 ورقة 32 - دار الوثائق القومية

[xxviii] ملحق رقم 9 – حافظة 1/4/12 ورقة 36 - دار الوثائق القومية

[xxix] ملحق رقم 5أ-حافظة 1/4/12 ورقة 7 - دار الوثائق القومية

[xxx] ملحق رقم 7 أ - حافظة 1/4/12 ورقة 95 - دار الوثائق القومية

[xxxi] ملحق رقم 7ب حافظة 1/4/12 ورقة 96 - دار الوثائق القومية

[xxxii] العم حسين  1998 خفير جزيرة سواكن – سواكن- مقابلة.

[xxxiii] ملحق رقم 5أ/ب/ج -  حافظة 1/4/12 ورقة رقم 97/98/99 – بورتسودان - دار الوثائق القومية.

[xxxiv] ملحق رقم 6أ - 1/4/12 بورتسودان: ورقة 120/121- بورتسودان- دار الوثائق القومية.

أضف تعليقاً

0 تعليقات