نشأة وتطوَر الموسيقى الحديثة لوسط السودان مُنذ مطلع القرن العشرين

الثامن من شهر مايو عام 2018م



 

د. كمال يوسف على

المستخلص:

   الورقة عبارة عن سرد تاريخي لمسيرة الموسيقى في أواسط السودان، في المدن على وجه الدقة، منذ نشأتها وحتى أيامنا هذه. وتربط الورقة بذلك بين المنتج الموسيقي والظروف والسياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي واكبت مولده.

استخدمت الورقة المنهج التاريخي، الوصفي التحليلي، واعتمدت على عدة مصادر، بعضها أولي يرجع لمشاهدات ومقابلات، والآخر ثانوي أخذ من الكتابات والدراسات السابقة التي تناولت هذا الموضوع.

أبانت الورقة الملامح الرئيسة لهذا النمط من الموسيقي والتي رغم استفادتها من التقنيات والمعاف الموسيقية العامة، إلا أنها ارتكز على الموروث بصورة اساسية سمحت بنعتها بالسودانية.

خلصت الورقة إلى أهمية النظر للموسيقى ودراستها في سياقها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، إذا أردنا أن نستوعب كنهها ومعناها ونخرجها من دائرة التجريد الصوتي.

المقدمة:

        لم تحظ دراسة تاريخ الموسيقى السودانية بشكل عام بالاهتمام الذي حظيت به المظاهر الثقافية الأخرى. ولا يتعدى الأمر في وسط السودان بعض الشذرات التي حفلت بها بعض المخطوطات مثل كتاب الطبقات لود ضيف الله والذي أرّخ فيه للأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان في عهد مملكة الفونج الإسلامية(1).  وقد إنتهي عهد الفونج والممالك الإسلامية الأخرى في مختلف مناطق السودان سياسياً بدخول جيوش الأتراك في عام 1821م، إلا أن ذلك لا يشير إلي تحول اجتماعي وثقافي بذات القدر الذي تحوّل به النظام السياسي الحاكم. فاستمرت الكثير من آثار تلك الممالك الثقافية وإلي وقتنا الراهن. لكن لا شك أيضاً أن هنالك العديد من التحولات الاجتماعية والثقافية التي تركت آثارها علي الحياة السودانية.

وارتكزت أبرز الدراسات التي رصدت تاريخ الموسيقى السودانية في وسط السودان علي التحول السياسي المناوئ لعهد الحكم التركي في السودان في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر ،حيث تتحدث تلك الدراسة عن تطور ثقافة السودان الموسيقية خلال القرن العشرين موجهة جل اهتمامها للوضع في عاصمة البلاد، الخرطوم، التي برزت فيها أكثر الاتجاهات والمدارس تأثيراً علي خصوصية الموسيقي السودانية. (2)

وويمكن الناظر إلي تاريخ السودان الحديث والمتتبع لتطور الموسيقي في القرن العشرين من حيث الشكل والمضمون  أن يركن إلي أن الفترة التي حددتها تلك الدراسة هي الفترة التي يمكنها أن تحتوي على الجذور الحية لثقافة وسط السودان الموسيقية الراهنة، مع ضرورة الوضع في الاعتبار ما مثلته تلك الحقبة من جمع للعديد من العناصر الاجتماعية والثقافية من شتي بقاع السودان والتي أعادت بدورها تشكيل هذا الوسط اجتماعياً وثقافياً وفقاً لمختلف المتغيرات الداخلية والخارجية.

ترتكز هذه الدراسة في بحثها عن مكونات ومقومات موسيقى وسط السودان على ذلك الحد التاريخي العائد إلي مطلع القرن العشرين، مع الاخذ في الاعتبار كل ما يمت إليه بصلة من عمق حضاري وانتشار ثقافي أفضي إلي تلك المرحلة التي يمكن اعتبارها نقطة تحول رئيسة ومادة ملموسة في تاريخ الثقافة السودانية والموسيقية منها على وجه الخاصص. وذلك بعد توفر ما لم يكن متاحاً قبل ذلك من أدوات الرصد والتسجيل للموسيقي باعتبارها مادة أثيرية لم يتوفر لها الكثير قبل ذلك حتى علي مستوي التسجيل الأدبي، فضلاً عن عدم وجود أي أساليب للتدوين الموسيقى .

        قياساً علي ما كان قد أشار إليه (جورج فارمر) من أن: "معرفة فنون وعلوم الموسيقى العربية تتطلب اختبار كتب التاريخ والتراجم والشريعة والفقه والآداب والموسوعات اختباراً دقيقاً لمعرفة تطور الفن الموسيقى في كثير من مظاهره" (3)، فإن دراسة أي جانب من جوانب موسيقى وسط السودان تتطلب ذات القدر من الاهتمام بدراسة السياقات التاريخية والاجتماعية المرتبطة بها. ويؤكد (جوليوس بورتنوي) علي ذات المعني بقوله: "إن الموسيقى لا يمكن أن تفهم وتقدر إلا في سياقها التاريخي، فالعوامل الدينية والدنيوية والاتجاهات السياسية للعصر والمعتقدات الاجتماعية للشعب كلها عناصر ضرورية في تناول الموضوعات الموسيقية بالدراسة"(4).

موسيقى وسط السودان:

        الموسيقى المعنية بالدراسة في هذا المقال هيّ الموسيقي الدنيوية التي نشأت وتبلورت في العاصمة المثلثة للسودان علي مدى سنين القرن العشرين. ووسط السودان المقصود هو الوسط الثقافي الذي كوّنه تلاقح العديد من المصادر التاريخية والجغرافية والثقافية في العاصمة المثلثة (الخرطوم، الخرطوم بحري وأمدرمان) فصار يمثل مركزاً حضرياً وملتقاً لموارد السودان البشرية والمادية من مختلف بقاعة الأخرى. فأصبح مركزاً ثقافياً على المستويين الشعبي والرسمي، إذ أن تمركز أجهزة الثقافة والإعلام إلي جانب أجهزة إدارة الدولة قد جعل من الخرطوم العاصمة مورداً للتيارات الفنية المختلفة ومعبراً للبث والانتشار.

التغيرات الاجتماعية والثقافية في وسط السودان مطلع القرن العشرين:

        شهد السودان في نهاية القرن التاسع عشر تغيرات اجتماعية سياسية مهمة، تمثلت في الثورة المهدية والتي تركت أثراً كبيراً على الشعب السوداني بمختلف أعراقه، إذ أحس بالحاجة إلي ثقافة روحية واحدة تمكنه من مجابهة الدخلاء من الأجانب والتخلص مما يوقعونه على عاتقه من عنت وإذلال.(5) وبدأ الأمام محمد أحمد المهدي دعوته إلي الثورة المهدية في عام 1881م، وكانت تلك البداية بكتابة الرسائل إلي كل من عرف من الفقهاء والقضاة والأعيان ومشايخ الطرق الصوفية وزعماء القبائل، طالباً منهم الانضواء تحت رايته ومبايعته بالمهدية.(6) وقد كان للمهدي ما أراد، إذ عضده في ثورته الفقهاء في كل مكان، في الشمال وفي الشرق، في الغرب وفي الوسط، وهم الذين أثاروا الحماس للجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته ومهديته ومحاربة الترك الذين كفروا بالمهدية(7). وكان أن كُتب النصر للثورة المهدية، بعد أن أسقطت مدينة الخرطوم عاصمة الحكم التركي في يناير 1885م، مقيمة لدولتها وعاصمتها أمدرمان علي الضفة الغربية لنهر النيل واستمر حكمها الوطني.

عاد الحكم الأجنبي مرة أخرى في عام 1898م ممثلاً في الحكم الثنائي الإنجليزي المصري والذي صار يرسم حدود الحياة السياسية الاجتماعية الاقتصادية والثقافية في السودان، باعتباره مصدراً للمواد الخام الزراعية لبريطانيا، فأنتقل بذلك السودان إلي الاتصال بالسوق الرأسمالية العالمية وبدأ تحوله من أنظمة الأعراف والتقاليد المكونة عبر تاريخ طويل إلي الارتباط بنموذج التطور القائم علي خبرات الدول الأوروبية.

وتبعاً لكل ذلك أعيد تشكيل البنية الاجتماعية، فنتج عن ذلك التغير الاجتماعي الاقتصادي، ونشوء المدن الكبيرة التي جذبت سكان القرى والمدن الصغيرة، فأصبحت مدن الخرطوم، وأمدرمان، وود مدني، والأبيض، وعطبرة، وبورتسودان وغيرها، مراكز إدارية تجارية ومحطات لشبكات السكك الحديدية(8). ومن ثمَّ أصبحت تلك المدن تمثل مهداً للمظاهر الثقافية الإبداعية وبخاصة العاصمة المثلثة والتي أصبحت مركزاً للحياة الثقافية يتسم بالطابع القومي.

لكن اختلف طابع الحياة الثقافية وتباين ما بين الخرطوم وأمدرمان، إذ كانت الخرطوم هي المركز الإداري ومركز الجاليات الأجنبية من عربية وأوروبية والتي كانت لها أنشطتها الثقافية التي تقدمها في مدارسها وأنديتها، وكانت الموسيقى ضمن هذه الأنشطة، حيث كان بعض أفراد هذه الجاليات يمتلكون الآلات الموسيقية. ترك هذا الأمر أثره على بعض الأسر الميسورة، فامتلكت آلة البيانو كشكل من أشكال نقل الحضارة الأوروبية.

وكانت أمدر مان على النقيض من الخرطوم؛ كانت  تأخذ طابع القرية أكثر من طابع المدينة، وقد تحولت أبان الثورة المهدية إلي مركز روحي ورمز لوعي الذات القومي، إذ لا زال يطلق عليها مسمى (العاصمة الوطنية). وفق تشكلت فيها مقدمات إدراك الهوية الحضارية وبناء التقاليد الثقافية القومية التي تتوحد حولها مختلف القوميات، وكانت الموسيقى جزءاً لا يتجزأ من هذه التقاليد والمظاهر الثقافية لمختلف القوميات التي نزحت إلي أمدرمان واستوطنتها(9).

مظاهر الثقافة الموسيقية في العاصمة في مطلع القرن العشرين:

        كانت الجاليات في الخرطوم هي التي تشكل قوام الحياة الثقافية بما فيها الموسيقي، وساد الطابع القومي حياة أمدرمان وتجانست مختلف الأعراق والانتماءات القبلية وانعكس ذلك في الحياة الموسيقية في الاحتفالات بالأعياد الدينية والطقوس الاجتماعية. وكان موكب الزفة الذي يقام بمناسبة عيد الفطر والمولد النبوي أهم حدث في حياة أمدرمان وقد كان بمثابة مهرجان شعبي(10). وإن كان موكب الزفة مناسبة موسمية، فقد كان النشاط الموسيقي الشعبي متصلاً في الاحتفالات التقليدية من زواج وختان وغير ذلك من مناسبات الأفراح.

ومثلت حلقات الذكر شكلاً آخراً من أشكال تواصل النشاط الموسيقي، وكانت المدائح الدينية من أهم الأشكال التقليدية للذكر. وكانت العناصر الموسيقية لحلقات الذكر مأخوذة من أساليب الموسيقي التقليدية وتعتمد على مختلف التيارات الثقافية التي تتباين وفقاً لاختلاف قبائل من كونوا هذه المدينة(11). وتمثل حلقات الذكر مظاهر احتفالية تتسم بالحركة الصاخبة، حيث الطار والنوبة والأجراس والرقص العنيف والألوان البراقة التي تتسم بها (الجبة المرقعة) والطاقية (أم قرينات)(12).

وعادة ما تبدأ موسيقى حلقات الذكر بإلقاء إنشادي لحني Melogenic  ينمو ويتفاعل على نحو درامي، فتدخل عليه عناصر الانفعال العاطفي Pathogenic  فيختلط فيه الصياح بأصوات المنشدين، وتتداخل الأصوات وتأخذ الهتروفونية hetrophoney حيزاً في هذا الأداء الجماعي المصاحب بالإيقاعات الصاخبة والمتنوعة. ويمكن ملاحظة ذلك في مختلف حلقات الذكر الصوفي التي تعم مختلف أرجاء وسط السودان خاصة، والتي منها ما يعقد بشكل دوري منتظم، مثل حلقة ضريح الشيخ حمد النيل بأمدرمان والتي تعقد عصر كل جمعة حتى الآن.

        وعرفت أمدرمان، المدينة النامية، بجانب الغناء والموسيقي الدينية أنماطاً من غناء احتفالات المناسبات، وتشكلت البنية الأساسية لها في أربعة أنواع هي: أغاني الدلوكة ، والسيرة، والدوبيت وأغاني الطنابرة، إلي جانب بعض الأنماط الأخرى.

أغنيات الدلوكة:

        الدلوكة هي عبارة عن طبل مصنوع من الطين المحروق ويغطي الجلد أحد جانبيه، وهي آلة نسائية تستخدمها المغنيات في نوعين من الغناء لكل منهما خصائصه المميزة، الأول هو غناء (العرضة) ويتكون من أغاني ترمز كلماتها إلي الشجاعة والفروسية والحماس، ومن أمثلتها:

الكوراك إن ضرب   صاحب المروة إنشاف

الخيل روقوهن       وشجعوا الخواف(13)

 أغنيات السيرة:

        والنوع الثاني هو غناء (السيرة). والسيرة عبارة عن طقس احتفالي يتمثل في موكب يسير في صحبة العروسين إلي النيل لأجراء طقوس مباركة الزواج المتوارثة عبر حضارات السودان العديدة، حيث تغني الفتيات في مدح الشجاعة والخصال النبيلة، وتسجل هذه الأغنيات هذا الطقس الشعبي وتعبر عنه. ومن أمثلة ذلك:

عريسنا ورد البحر يا عديلة

قطّع جرايد النخل يا عديلة(14)

وتتميز هذه الأنواع من الاغاني بخفة الإيقاع وسرعة اللحن وبساطته وخلوه من التعقيدات، إذ غالباً ما يكون اللحن علي وتيرة واحدة وطابعه التكرار، وهو مبني على النظام الخماسي الخالي من أنصاف الأبعاد الصوتية.

الدوبيت:

        هو شكل من الإلقاء الحر الذي يأخذ طابع المباراة والمجاراة في الجرس والوزن بين المؤدين، ويعتمد على قدرة المؤدي على ارتجال الشعر الرباعي، وغالباً ما يكون المؤدي هو الشاعر نفسه(15) ومن أمثلته:

                      ست البنات         يا أغلي من عينيَّ

                      ممشوقة القوام        الخاتية من اللية

                      شعرك تبة الليل       الما بتبلو ترية

                      وثغرك فجة البرق   اللساحبة أم دية

وهو نوع من الأداء الموسيقي الخاص بالرجال المعتمد على الصوت البشري منتشر في مختلف الثقافات الموسيقية السودانية. وقد أوردته مختلف الدراسات التي أجريت علي مختلف الثقافات في شرق وشمال السودان، وهو مبني على نظام نغمي مكون من خمس نغمات بشكل أساس وتظهر في ختام دورة لحنه نغمة امتدادية مضافة .

أغاني الطنبور:

        الطنبرة، الكرير، والحمبي كلها مسميات تشير إلي طريقة معينة في إصدار أصوات من الحلق ـ الحنجرة ـ يؤديها الرجال في شكل جماعي وهم مطربون غير محترفون. يبدأ هذا النوع من الغناء بمقدمة تمهيدية إلقائية Recitative  تُعرف بالرمية يعقبها الكرير المنتظم إيقاعياً والمبني على إيقاع الصفقة بالأيادي والضرب على الأرض بالأرجل، و يكون مصحوباً برقص الفتيات على هذا الإيقاع. وعادة ما تكون الرمية قصيرة من حيث النص الشعري، بسيطة في معانيها ومرنة في إيقاعها ومبنية من مفردات اللهجة العامية. ومن أمثلتها:

                      سامعة الدعا           أم روبة مودعة

                       لبينة رخيصة          وارثة الجمال ما هو ادعا

                       في القودة متفدعة      لكن قليبي مصدعا(16)

بعض الأنماط الأخرى:

        توجد إلى جانب ما ذكر بعض الأنماط التي تتسم بطابع تلقائي في أدائها وترتبط بعاطفة إنسانية تخرجها من نطاق العمل الفني الذي تقصد فيه الأبعاد الفنية بوعي وأدراك المؤدين ـ سواء كانوا محترفين أو من الهواة أو زمرة المشاركين من الحضور ـ وتدخلها في دائرة التعبير الإنساني عن عاطفة معينة. ومن أمثلة ذلك أغاني المناحة والتي تؤدي في حالات الوفاة، وهي عبارة عن رثاء وسرد لمآثر المتوفى في سجع ونظم إيقاعي منغم. وقد يتطور الأمر إلي حد استخدام بعض الآلات الموسيقية الإيقاعية كالطبول الكبيرة المعروفة باسم (النحاس) والتي ترتبط باسم القبيلة أو المجموعة المعينة، مثل نحاس الجموعية في الريف الجنوبي لمدينة أمدرمان. كما أن هنالك أغاني (الهدهدة واللولاي) والتي تؤديها المرأة لمولودها الرضيع بغرض تهدئته ومساعدته علي الاسترخاء والاستسلام للنوم. وهي أغنيات مؤلفه من مفردات بسيطة عبارة عن ثلاث أو أربع درجات صوتية خالية من نصف الدرجة. ومن أمثلتها:

النوم النوم    النوم النوم

النوم تعال     سكت الجهال

النوم تعال    بكريك بريال(17)

لا شك أنه لا يمكن إغفال هذه النماذج من الأداء الموسيقي كعناصر أساسية في تكوين الثقافة الموسيقية لوسط السودان، وبنفس القدر  لا يمكن إغفال دور العديد من الأنشطة الموسيقية العفوية، كنداءات الباعة المتجولين في الأحياء أو مراكز البيع في الأسواق، إلي جانب بعض أساليب التسول التي تأخذ طابعاً لحنياً موقعاً ومنتظماً. كما لا يمكن تجاوز الدور الذي تلعبه الأنشطة الدينية، كتلاوة القرآن والأدعية والأوراد المختلفة والأساليب المختلفة في رفع الآذان، والتي عادة ما تكون كالمرآة التي تعكس ثقافة مؤديها من حيث اللهجة والنطق والنبر والتنغيم الموسيقي.

ولا شك أن مثل هذه العناصر العديدة قد أسهمت بشكل أو بآخر، إلي جانب الأنماط المباشرة للأداء الموسيقي، في تكوين وبناء ثقافة وسط السودان الموسيقية وكل ما تحتويه من تفاصيل فنية في البني اللحنية والإيقاعية والأداء والنظام النغمي لتلك الحقبة، والتي تعتبر أساساً قامت عليه هذه الثقافة ونمت وتطورت إلي ما هي عليه في وقتنا الراهن.

        قد حدثت تطورات عديدة، إلي جانب نماء وتفاعل مختلف الأساليب الشعبية في التأسيس لثقافة الوسط الموسيقية، على المستويين التعليمي والثقافي في العقود الأولي من القرن العشرين، يرصدها الفاتح الطاهر ويذكر منها: افتتاح كلية غردون التذكارية عام 1902، والمعهد العلمي 1912م، ثم كلية المعلمات بأمدرمان في 1921م. وعلي المستوي الثقافي كان إنشاء نادي الخريجين في 1918م بأمدرمان، وصدور صحيفة حضارة السودان 1919م، وافتتاح مكتبة البازار السوداني والتي كانت من أولي المكتبات التي تبيع الكتب والصحف العربية. أدى كل ذلك إلى رفع المستوي التعليمي والثقافي، الأمر الذي ساعد على تعميق الشعور القومي، فاتسع نطاق المثقفين الوطنيين الذين كانوا يتناولون القضايا الاجتماعية والثقافية والسياسية، إلي جانب الأنشطة الإبداعية ككتابة الشعر، فمهد كل ذلك لظهور مرحلة جديدة في الثقافة الموسيقية السودانية(18).

أغنية الحقيبة:

        بعد أن استقر شكل الحياة الجديدة في العاصمة بمختلف سياقاتها السياسية والاجتماعية، وبعد أن تنامي عدد سكانها من مختلف جهات السودان، ظهر نوع جديد من الغناء في مطلع العقد الثالث من القرن العشرين مزج بين مختلف التيارات الحديثة التي اتسمت بها مدينة الخرطوم والتيارات القومية في مدينة أمدرمان والتي مثلت بوتقة انصهرت فيها مختلف ثقافات الأعراق والسلالات التي التقت فيها نتيجة للتحولات السياسية المرتبطة بالثورة المهدية. وتبع ذلك توسع في خارطة المدينة الاجتماعية.

واعتمد هذا النوع الجديد من الغناء على الكلمات المنظومة في قالب شعري في شكل القصيدة التقليدية، ولغتها هي اللغة العربية الدارجة لأهل وسط السودان، وموضوعها في معظم الأحيان هو الغزل ووصف الفتاة التي لم تكن رؤيتها أمراً ميسوراً في ذلك الوقت. ومن أمثلة ذلك:

           حاول يخفي نفسه      وهل يخفي القمر في سماه

            أبداً وطبعاً لا لا       شفناه شفناه

واكبت تلك الاغنية التحولات الاجتماعية والواقع الثوري المعادي للاستعمار فأصبح الوطن والنضال من موضوعاتها:

          يا أم ضفاير قودي الرسن

           واهتفي فليحيا الوطن

ويري على شمو أن ذاك النوع من الغناء يدفع الإنسان للتأمل في كثير من المعاني وهي بصفة عامة تصور التباين في عواطف ومشاعر الإنسان في لحظات قوته وضعفه، شجاعته ورقته، ويجسد ذلك قول الشاعر:

          بنخوض الرماح       لو كان تزيد أو تقل

           بنخاف من ضمير     الأهيف المنهدل(19)

وفي وقت لاحق وبعد مضي أكثر من ثلاثة عقود أطلقت تسمية (الحقيبة) على هذا النوع من الغناء، وكان ذلك بعد أن خصصت الإذاعة السودانية برنامجاً لبث هذا النوع من الغناء في العام ،1954 وكان اسمه (من حقيبة الفن)(20). ويطلق الفاتح الطاهر على تلك المرحلة اسم (المدرسة الفنية الأولي) باعتبار أنها قد أرست تقاليد الأغنية الفنية القومية من حيث صياغة الشكل وتوظيف الآلات وأساليب الأداء التي تنزع إلي الفردية في التعبير بعيداً عن الإرث الجماعي الذي انبثقت عنه. ومثلت بذلك ـ وفقاً للفاتح الطاهر ـ (نقطة ارتكاز لمنعطف جديد في الثقافة الموسيقية السودانية والذي نسميه بالمدرسة الفنية الأولي)(21). ويؤرخ الفاتح الطاهر لبدايتها بالعام 1923 ولنهايتها بتاريخ وفاة المطرب عبد الكريم عبد الله مختار (كرومة) في يناير 1947م وهو أحد الذين أثروا تلك المدرسة بألحانهم وأدائهم المتميز(22) .

        تمثلت الصيغة الشائعة لأغنية الحقيبة في مطلع يؤديه المطرب ويردده الكورس ثم مقاطع يؤديها المطرب، ثم يعيد الكورس المطلع في كل مرة، كما أنها حافظت على (الرمية) أو التمهيد الإلقائي في كثير من الأحيان. وهي عادة ما تختتم (بالكسرة) وهي عبارة عن تنويعات وارتجالات وأداء حر بغرض كسر الرتابة اللحنية، إلى جانب استعراض القدرات الأدائية للمطرب.

استخدمت أغنية الحقيبة في الأداء الموسيقي كل ما كان متاحاً من آلات موسيقية، أياً كان تصنيفها، حيث إستُخدم المثلث وأكورديون الأزرار، والرق، والكمان، والقربة Bagpipe ، والبيانو والفلوت. فأدى ذلك إلي إدخال المقدمة الموسيقية التي تؤديها هذه الآلات أحياناً في شكل فردي، كأغنية (صباح النور) للمطرب محمد أحمد سرور والتي استهلها بمقدمة موسيقية للحن الأساس من آلة الكمان بمصاحبة إيقاع الرِق. أو إدخالها في أداء جماعي كأغنية (الهلال) للمطرب كرومة والتي تؤدي مقدمتها آلات الفلوت، الكمان والآلات الإيقاعية. هذا وقد شارك البيانو في العديد من الأغنيات ووظف في مقدمتها، كأغنية (دمعة الشوق) لكرومة، كما سجلت بعض الأغنيات بمصاحبة فرقة تخت شرقي مصرية، مثل أغنية (رسائل الشوق) للمطرب إبراهيم عبد الجليل والتي برزت فيها آلة القانون بشكل واضح(23).

مثّلت أغنية الحقيبة أساساً فنياً بنيت عليه موسيقى وسط السودان المتعارف عليها الآن، سواء كان ذلك في الشكل ممثلاً في الصياغة اللحنية التي تطورت عن صيغة أغنية الحقيبة، أو في الآلات المستخدمة التي تطورت وازداد عددها وتقنيات الأداء عليها ، أو كان ذلك في المضمون متمثلاً في اعتماد ذات أسس بناء النصوص الشعرية واللحنية واعتماد ذات النظام النغمي الذي انبثقت منه ألحان الحقيبة بشكل أساسي أيضاً.

 ما زالت أغنيات الحقيبة تمثل إرثاً حياً ومستودعاً يعود إليه كل مطرب ناشئ في وسط السودان، بل يعتمد الكثير من المطربين في نجاحهم على أغنيات الحقيبة، لما لها من وقع في وجدان المستمعين، وما تجده منهم من تجاوب. وهي مدرسة متنامية وبمثابة العمود الفقري لثقافة وسط السودان الغنائية الموسيقية.

 فبالإضافة إلي جيل روادها ممن أرسوا قواعدها، أمثال محمد أحمد سرور، وخليل فرح، وكرومة، والأمين برهان وغيرهم ، فقد تغني بها رواد المدرسة الوترية الحديثة مثل حسن عطية، وإبراهيم الكاشف، وأحمد المصطفي، وعثمان حسين وغيرهم، ثم تلاهم جيل الرواد الثاني مثل محمد وردي، وعبد الكريم الكابلي، ومحمد الأمين وغيرهم.

وبدأ أوركسترا وكورال معهد الموسيقي والمسرح تقديم أعماله عام 1974 بذات الأغنيات، حيث تناول الخبراء الكوريون أغنيات (عازه في هواك، ودمعة الشوق، وأنا ما معيون، وفلق الصباح) وغيرها بالتوزيع الموسيقي. ويري بعض الباحثين أن ألحان أغاني الحقيبة تمثّل امتداداً للإنشاد الديني (المديح) كتراث شعبي يقوم على إيقاع (الطار) و (العصاة) والذي كان سائداً في مجتمع وسط السودان ومن رواده أحمد سعد، ود أبشريعة. وكان أدائهم إنشاداً غنائياً ويصفهم بعض الباحثين بأنهم مطربين من الطراز الأول(24).

ويعيد صلاح الدين محمد حسن الإنشاد الديني والمديح الإسلامي إلي أصول تاريخية ضاربة في القدم، إذ يعتبره امتداداً لنوع من المديح كان يمارس في ممالك السودان القديمة في مختلف الحقب. وبمجيء الإسلام تحوَّل إلى مدح الرسول محمد صلي الله عليه وسلم(25). وبذات القدر الذي يمكن أن تمتد به جذور أغنية الحقيبة إلى ذاك العمق التاريخي، فمن المقبول منطقاً أن تكون قد نهلت من مختلف مؤثرات التيارات الخارجية التي أسهمت في تشكيل الثقافة السودانية في إطارها العام وثقافة وسط السودان التي نشأت فيها أغنية الحقيبة باعتبار خاص.

        تمثّل النظام النغمي الذي انبثقت عنه ألحان أغاني الحقيبة في ستة أنواع من المقامات الخماسية الخالية من أنصاف الدرجات والمبنية على الدرجات الخمس للنوع الخماسي المتعارف عليه، إضافة لنوع سادس تدخل فيه النغمة (فا) كنغمة إضافية على أربعة من الأنواع الخمسة التي المذكورة تم ذكرها.(26)

أغاني التم تم:

        إذا كانت أغنية الحقيبة بخصائصها وسماتها المميزة والجامعة لمختلف عناصر الموروث الثقافي لمنطقة وسط السودان قد مثلت أساساً انبنت عليه موسيقي وسط السودان وتطورت بدورها منتجة لما لم يكن سائداً في فترة الحقيبة، فهنالك أيضاً أغاني التم تم التي ظهرت في منتصف ثلاثينات القرن العشرين. وهي أغاني قام بنائها على كلمات وألحان وإيقاعات بسيطة، تؤديها الفتيات ولها مكانة خاصة في أوساطهن، إذ من خلالها استطاعت الفتاة أن تعبر عن معاناتها من الظروف الاجتماعية التي لم تكن تتيح لها قدراً من الحرية في المشاركة الاجتماعية، أو حتى على مستوى اتخاذ القرارات الشخصية والمتعلقة بالزواج وممارسة النشاط اليومي.

لقد صاغت المرأة أحلامها في أغاني التم تم وضمنتها أمانيها. وهذا النوع من الغناء تؤديه النساء مصاحباً بآلة (الدلوكة) الإيقاعية والتصفيق بالأيادي، وإيقاعها خفيف راقص وهو غالباً ما يكون في الميزان الثنائي المركب (  ¾ ) وفي الثلاثي البسيط (  6/8 ) أحياناً.

ويري الفاتح الطاهر أن عنصر الجذب الرئيس لهذا النوع من الغناء يكمن في إيقاعه الذي يدفع إلي الحركة والرقص(27). ويؤكد مختلف الباحثين على أن هذا النوع من الغناء قد ارتبط في نشأته وبداياته بالنساء سيئات السمعة، واللائي يعيشن على هامش المجتمع. كما يتفقون أيضاً على أن مصدره هو مدينة (كوستي) على النيل الأبيض، والتي تبعد عن الخرطوم مسافة (300) كيلومتر جنوباً.

 لقد انتقل هذا الضرب من الغناء إلي أمدرمان في حوالي عام 1935م. وترى أروى الربيع أن مدينة كوستي وبوصفها مدينة تجارية حديثة ـ في ذاك الوقت ـ وملتقي للطرق البرية والنهرية، قد استقبلت هذا الإيقاع والنوع من الغناء ضمن ما استقبلته من مجموعات كبيرة من تجار الريف من مختلف بقاع السودان، ثم صدّرته بعد ذلك إلى المدن الأخرى  عبر سائقي اللواري النجارية ومساعديهم، وخاصة مدينة أمدرمان(28) .

        بعد وصول أغاني التم تم إلي مدينة أمدرمان، ارتبطت أيضاً بالنساء سيئات السمعة وابتعد الرجال عن غنائها باستثناء قلة منهم، أمثال (أبو حراز، وإبراهيم زغرب، والطيب إبراهيم وفضل المولي زنقار)(29). ولما بدأ هذا النوع من الغناء في الذيوع والانتشار، نسبة لخفة إيقاعه وحلاوة ألحانه، أنتبه الشعراء والمغنون إلي بساطة كلماته وعدم جودة مضمونها أحياناً، فشرعوا في تأليف الأشعار والأغاني على إيقاع التم تم وعلي ألحانه، مع استبدال الكلمات الأصلية للأغنية، والغير مقبولة اجتماعياً، بأخرى ذات دلالات ومعاني واضحة. بل حملوها قيماً ومضامين وطنية أو عاطفية أكثر رقياً. ومن أمثلة ذلك كلمات عبد القادر تلودي التي تغني بها فضل المولي زنقار:

           سوداني الجوة وجداني بريدو

         والتي وضع كلماتها الشاعر لتحل محل أغنية تقول كلماتها:

          دو دو بي وأريتو كان طار بي اللوري(30)

تبني عد من شعراء أغنية الحقيبة هذا الاتجاه وساروا فيه، ومن أبرزهم عبد الرحمن الريح وسيد عبد العزيز. وساعد أداء المطرب فضل المولي زنقار (1915 ـ 1947م) لهذه الأغاني الجديدة ـ والتي أطلق عليها اسم (التم تم الراقي) ـ على انتشارها وإبراز إيقاع التم تم في شكله الظاهر، من خلال أدائه لهذه الأغاني بمصاحية ذات الآلة النسائية (الدلوكة)، ثم تغني بقية مطربو الحقيبة بالأغنيات الجديدة المبنية علي إيقاع ونسق أغاني التم تم.  وتري أروى الربيع أن ذلك كان بمثابة النقلة النوعية في تطور هذا النوع من الغناء واتسامه بطابع الجدية والرزانة(31).

تطورت أساليب التعامل مع إيقاع وأغاني التم تم على المستوي الموسيقى ـ وكما يورد الفاتح الطاهر - فقد لعب بعض الموسيقيين دوراً بارزاً في نشر أغاني التم تم. ومن أشهر هؤلاء إسماعيل عبد المعين· الذي كان يجيد العزف علي آلة العود ويحمل فكراً مستنيراً صقلته خبرات الدراسة في مصر وفرنسا. فأخذ يعزف ويلحن أغاني التم تم بطابع مختلف ومتميز. وكان يري أن هنالك ضرورة في ابتكار مضامين لحنية جديدة على أساس مقومات التم تم اللحنية والإيقاعية(32)،

ساعد ذلك على ترسيخ التفكير الجديد المتمثل في طابع وألحان التم تم، والتي ساعد علي انتشارها واتساع دائرة التعامل معها ظهور الفرق الموسيقية للهواة وانتشار الآلات الموسيقية وسط الشباب والمثقفين وطلبة كلية غردون. وكانت فرقة حسن عطية من أبرز هذه الفرق، فنال حسن عطية شهرة واسعة وتغني بأغنيات جديدة إلي جانب تناوله لأغنيات الحقيبة التي تقوم على إيقاع التم تم.

 لعب انتشار أجهزة الفونوغراف دوره في الترويج لأغاني التم تم وترسيخ إيقاعها وألحانها. ثم أتى بعد ذلك افتتاح الإذاعة في الثانى من مايو عام 1940 فوسع من دائرة الاستماع للموسيقى والغناء وزيادة عدد المطربين الذين اعتمدوا ألحان وإيقاع وطابع التم تم مصدراً أساسياً قدموا من خلاله إنتاجهم الجديد.(33)

وظهرت على إيقاع التم تم أغنيات كبيرة من حيث الشكل والتفكير، وهي لكبار المطربين أمثال التاج مصطفي، وعثمان حسين ومحمد وردي. وما زالت أغاني التم تم تمثّل مصدراً هاماً للمطربين من جيل الشباب، من حيث تناول أغاني النساء القديمة وتجديد مضامينها أو تناول أغاني الحقيبة القائمة على هذا الإيقاع بتركيز خاص.

وتري أروى الربيع في ذلك ما يؤكد على قوة أثر التم تم في الثقافة الموسيقية الغنائية في السودان واستمرارية اعتماده عنصراً أساسياً فيها.(34) وهي تؤكد علي ذلك بما أوردته من إحصائيات حول تأثير أغاني التم تم من حيث الكم على ثقافة وسط السودان الموسيقية، حيث بلغت نسبة هذا التأثير ما يربو على 50% تقريباً·.

وتشير هذه الدراسة إلي قوة الأثر الذي أسهمت به أغنية التم تم في بناء وتكوين عناصر الثقافة الموسيقية لوسط السودان بالقدر الذي يمكّن من النظر إليها كضلع ثانٍ، إلي جانب أغنية الحقيبة، قامت عليه موسيقي وسط السودان. وذلك نسبة لما أضفته هذه الأغنية من تأثيرات لونية على مستوي صيغة وأداء أغنية الوسط، من حيث خفة الإيقاع ورومانسية الجمل اللحنية، في مقابل التزام أغنية الحقيبة بالروح الكلاسيكية في جوانب الإيقاع، اللحن والأداء.

 وإن كانت أغنية الحقيبة قد مثّلت الأساس الذي قامت عليه أغنية وموسيقي الوسط من حيث الشكل والمضمون، فقد مثلت أغنية التم تم منفذاً جديداً أطل من خلاله التفكير الموسيقي لوسط السودان على ألوانٍ وصيغ لحنية تم توظيفها في تنمية وتطوير الشكل والمضمون الأساسيين لموسيقى وسط السودان .

        إن النظام النغمي لألحان أغاني التم تم هو ذات النظام الذي انبثقت عنه ألحان أغاني الحقيبة متمثلاً في الأنواع الخمسة من المقامات الخماسية المبنية على درجات السلم الخماسي الخمس إضافة إلى النوع السادس والذي تضاف فيه النغمة (فا) على أربعة من الأنواع الخمسة، ولكن بدور وظيفي محدود هو ذات الدور الذي لعبته في ألحان أغاني الحقيبة .

المدرسة الوترية:

        عرفت الثقافة الموسيقية لوسط السودان الآلات الموسيقية اللحنية منذ بدايات المدرسة الفنية الأولى، حيث توضح العديد من تسجيلات أغاني الحقيبة استخدام مختلف أنواع الآلات الموسيقية إلي جانب الغناء المصاحَب بالكورس (الشيالين) فقط. لكن بعد افتتاح الإذاعة في عام 1940م ثار الجدل بين هواة الاستماع للأغنية السودانية حول مدى ضرورة مرافقة الكورس للأغنية ـ وهي الصورة التي أوجدها رواد الحقيبة ـ في مقابل مرافقة الآلات الموسيقية. وبعد سماع التجربة الجديدة المتمثلة في مصاحبة الغناء بالآلات الموسيقية فقط دون كورس، قوبلت بحماس كبير وتم الاتفاق ضمنياً على ضرورة استمرارها، واعتبرت تلك المرحلة طوراً جديداً أدى إلى اعتماد أساليب جديدة في التلحين اعتمدت على طبيعة الآلة الموسيقية. فبادر العديد من الشعراء والملحنين إلى اقتناء الآلات الموسيقية وتعلم العزف عليها، ومن هؤلاء الشاعر الملحن عبد الرحمن الريح والمطرب فضل المولي زنقار.(35)

ويشير جمعة جابر إلى أن هذا الأسلوب المعتمد على الآلة الموسيقية في مصاحبة الغناء قد مثّل مرحلة جديدة في فن الموسيقى بالسودان عرفت باسم (الفن الحديث) والذي يعتمد على (العود والكمانات) إلي جانب (الآلات الإيقاعية). ذاكراً أن بداية هذا الاتجاه قد بدأت بغناء المطرب ومصاحبة آلة العود فقط، واصفاً آلة العود بأنها كانت بمثابة الساحر الذى يبهر الألباب، فوجدت على الفور قبولاً وانتشاراً.(36) ويُرجع الفاتح الطاهر الفضل في ذلك لإسماعيل عبد المعين والذي مزج بين آلتي العود والكمان، ما نتج عنه لونية نغمية غنائية جديدة تزامنت مع ظهور الإذاعة وتوسع صناعة العود محلياً. فتقدمت بذلك مهارات العزف على هذه الآلات وتنامى الثراء اللحني والنغمي لموسيقى وسط السودان.(37)

إعتمدت بداية تكوين الفرق الموسيقية المصاحبة للمطربين على الآلات الوترية، ما جعل البعض يطلقون على تلك المرحلة اسم (المدرسة الوترية الحديثة)، ويسميها جمعة جابر (فن الموسيقى الوترية). واصفاً إياها بأنها مرحلة تاريخية أحدثت نقلة اجتماعية كبيرة لما أسست له من رابطة بين أواسط السودان ومدنه الكبيرة، وخلقت نوعاً من الوحدة بين مختلف أبناء الأمة السودانية على نسق المدرسة الوترية الحديثة.(38)

تطور الفرقة الموسيقية:

        بعد أن اعتمدت مرحلة البث الإذاعى الشكل الجديد للغناء المصاحب بالآلات الموسيقية الوترية والإيقاعية، بدأ هذا الشكل في النمو والتطور مستوعباً لأنواع جديدة من الآلات الموسيقية تمثلت في آلات النفخ الخشبية والنحاسية والتي كانت قبل ذلك تؤدي دوراً محدوداً في نطاق الموسيقى العسكرية والتي لم يكن أفرادها يتصلون بالوسط الموسيقي المدني.

ونشأت في مطلع الخمسينات علاقات جديدة بين بعض موسيقيّ الموسيقى العسكرية والفرقة الموسيقية للإذاعة. ولما كانت مدرسة الموسيقى العسكرية تعتمد على دراسة النوتة الموسيقية وتقنية العزف على آلات النفخ الخشبية و النحاسية، في مقابل اعتماد أفراد الوسط الفني على الموهبة والخبرات الشخصية في تعلم العزف على الآلات الوترية، فقد شكل ورود الموسيقيين من العسكريين تياراً أثرى موسيقى وسط السودان بألوان صوتية جديدة وإمكانيات آلية أسهمت كثيراً في زيادة آفاق التأليف الموسيقي، وتشكيل اتجاهات جديدة للتفكير الموسيقي اعتمدت آلات النفخ الخشبية، خاصة البكلو، محوراً لها. هذا إلي جانب فضل هؤلاء الموسيقيين في تطوير الأداء من خلال ضبط الآلات وتأسيس فصول دراسة النوتة الموسيقية.(39)

أثر الدراسة في تطوير موسيقي وسط السودان:

        تواصلت جهود الموسيقيين من العسكريين في تدريس النوتة الموسيقية وتطوير القدرات الأدائية للعازفين في الوسط الفني على مستوي الفصول الدراسية، إلى أن توج الأمر بافتتاح أول معهد أهلي للموسيقى بأمدرمان في الخمسينات على يد الرائد أحمد مرجان وبعض زملائه من الموسيقي العسكرية. كما فتحت عدة فصول بالإذاعة لتدريس العزف على الأكورديون والكمان، وتطورت الفصول إلى ما عرف بمعهد الإذاعة والذي أسسه إسماعيل عبد المعين وتخرج فيه عدد من الموسيقيين.(40) 

كانت هنالك ، جانب هذه الفصول، جهود ذات فعالية عالية في تطوير العمل الموسيقي بذلها بعض الأفراد من غير السودانيين ممن عملوا في الفرقة الموسيقية للإذاعة أحدهما موسيقي مصري يدعي مصطفي كامل والثاني إيطالي ويدعي عزو مايسترلي. و ينسب إلي مصطفي كامل دور النهوض بالإشراف الفني على أوركسترا الإذاعة وتطوير قدراتها الأدائية وتدريس أفرادها، إلي جانب مشاركته بالعزف على آلة القانون وتدوين عدد كبير من الأغاني السودانية.(41) واستقر عزو مايسترولي في الخمسينات في الخرطوم وزاول مهنة تدريس العزف على الكمان لبعض أبناء السودانيين إلي أن تعرّف عليه الوسط الفني، فالتحق بفرقة الإذاعة وتابع مهنة التدريس، فنظم دورات تعليم العزف على الكمان والشيلو، وتتلمذ على يديه عدد كبير من الموسيقيين السودانيين.(42)

دور المعهد العالي للموسيقي والمسرح:

        تم إنشاء أول معهد عالٍ للموسيقى والمسرح في عام 1969م وسمي (معهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية) وكان تابعاً لوزارة الثقافة والإعلام. وتم ضمه إلي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في عام 1976 وغير اسمه إلى (المعهد العالي للموسيقى والمسرح). ثم تم إلحاقه بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا في عام 1992 وأصبح كلية في هذه الجامعة، وتغير اسمه إلى (كلية الموسيقى والدراما)، وكان ذلك في العام 1998.

لعبت هذه المؤسسة دوراً بارزاً في صقل الحياة الموسيقية في وسط السودان تحديداً بالطابع العلمي والأكاديمي، إذ ومع تخرج أول دفعة للمعهد في العام 1974 قدم المعهد عروضه الموسيقية في شكل جديد لم يكن معروفاً في الثقافة الموسيقية لوسط السودان. حيث ضمت الاوركسترا الموسيقية من حيث الشكل كل فصائل الآلات الموسيقية، وكان إلي جانبها الكورال المكون من عدد كبير من طلاب المعهد. وتناولت تلك الاوركسترا الأعمال الغنائية من التراث السوداني بالتوزيع الموسيقي وإدخال عناصر الهارموني والكاونتربونيت على أسس علمية دقيقة.

قامت تلك التجربة على عاتق خبراء من جمهورية كوريا الشمالية، والذين قدموا إلى السودان في العام 1972 وظلوا به حتى العام 1992م، يشرفون علي التدريس بهذه المؤسسة في مختلف التخصصات، من فنون وعلوم التأليف الموسيقي، وتقنيات العزف علي مختلف فصائل آلات الاوركسترا، والأداء الغنائي. فتخرجت على أيديهم أجيال من الموسيقيين السودانيين ممن عملوا بالمؤسسة بعد ذلك، ومنهم من نال الدراسات العليا والدرجات العلمية من مختلف أنحاء العالم. فاتسعت بذلك قاعدة المعرفة بالعلوم الموسيقية التي تنامي استخدامها وتوظيفها في المنتج الموسيقي لوسط السودان على المستوي التطبيقي في جوانب التأليف والتوزيع الموسيقي وتوظيف تقنيات الأداء الغربي علي الآلات الموسيقية وعلي مستوي الصوت البشري.

 كان لهذه المعرفة العلمية أثرها على الجوانب النظرية، من حيث تناول الأعمال الموسيقية بالنقد والتحليل على أساس ما تم اكتسابه من معارف في مجالات دراسة التحليل والتذوق الموسيقي ونظريات الموسيقي الغربية. شمل هذا الأمر مسألة تفسير النظام النغمي لموسيقي الوسط ومسمياته على أسس وقواعد الموسيقي الغربية. وما زالت كلية الموسيقي والدراما تمثل المؤسسة الأكاديمية الوحيدة المعنية بشئون العمل الموسيقي، خاصة بعد تأسيس قسم للدراسات العليا بها فى العام 2000م، والذي فتح أبواب البحث النظري والتطبيقي في قضايا ومشكلات الموسيقي السودانية. مما يرجى معه مزيد من التغيير والتطور في الكثير من مفاهيم العمل الموسيقي وتطبيقاته في السودان.

ارتباط تطور موسيقي الوسط بالحياة الاجتماعية:

        لقد تناولت أغنية الحقيبة قضايا النضال الوطني وجعلت منها واحداً من موضوعاتها الأساسية. وعبرت أغاني التم تم عن قضايا وهموم المرأة في إطارها الاجتماعي الكبير، استعارت آليات مراحلها الأولي للارتباط بشكل أقوى بالقضايا العامة ومشكلات الحياة الاجتماعية والسياسية بشكل عضوي. كذلك عبرت أيضاً أغنية المدرسة الوترية عما يحيط بها من قضايا، الأمر الذي انعكس بدوره على بنية هذه الموسيقي كواحد من مكونات نمائها وتطورها.

أتاح هذا الاتصال تفاعلاً فكرياً ووجدانياً أثرى حركة الإنتاج والتفكير الموسيقي، ووفر لها من المداخل الاجتماعية، السياسية، والوطنية، ما حفز أذهان المؤلفين الموسيقيين في مختلف الحقب، وأفرد أمامهم الخيارات المتنوعة في مسائل الصيغ والقوالب وأدوات التعبير اللحنية والإيقاعية.

مرحلة ما قبل الاستقلال:

        قبل بدء البث الإذاعي في العام 1940م، كانت مقاهي مدينة أمدرمان والسينما الوحيدة فيها بمثابة الأندية الثقافية، إذ كان يؤمها الوطنيون والمثقفون لمناقشة قضايا السياسة والحياة الثقافية. وكان موضوع نيل الاستقلال هو الهم الشاغل في تلك الجلسات التي كانت تنعقد على صدى أنغام أغاني خليل فرح، ومحمد أحمد سرور، وكرومه وغيرهم، والتي كانت تبثها أجهزة الفونوغراف في هذه المقاهي. وعندما افتتحت الإذاعة، كانت أول أغنية تغنى بها المطرب سرور هي أغنية وطنية تنادي بالوحدة ونبذ الانقسام(43)..

ويصف الفاتح الطاهر الموسيقار إسماعيل عبد المعين بالمواطن الثائر ضد الاستعمار. فهو ليس مجرد مؤلف موسيقي، ولكنه لحّن عدداً من الأغنيات الوطنية التي عرفت باسم (أناشيد المؤتمر).· وطاف بها على الأندية والمدارس، فحفظها التلاميذ وانتشرت بين الجماهير، ولعبت دوراً هاماً في نضال الشعب السوداني ضد الاستعمار.(44).

لا شك أن إبداع موسيقى تتناسب وعظمة محتوى هذه الأناشيد قد تطلب من هذا المؤلف استنطاق آليات عديدة لإيجاد المقابل المناسب من حيث الشكل والمضمون. وهو ذات الموسيقي الذي كان قد ركز اهتمامه قبل ذلك على تطوير ألحان أغاني التم تم المتسمة بالبساطة والطابع الشعبي. وجاءت أناشيد المؤتمر في سياق فكري مختلف تماماً عن الذي كان قد اختطه المؤلف إبان معالجته الموسيقية لألحان التم تم.

        لم يقتصر الهم الاجتماعي في ذاك الوقت على الشأن الداخلي فحسب، بل ارتبط أيضاً بالحرب العالمية الثانية وأصدائها العالمية. وواكبت الحركة الفنية هذا الاتجاه، فظهرت العديد من الأغنيات والارجوزات الشعبية التي تعبر عن تفاعل أفراد المجتمع السوداني مع مجريات أحداث الحرب، ووعيهم بخطورة الفكر النازي والفاشي، حيث سخرت العديد من تلك الأغنيات من هتلر وموسليني، وعبرت عن مساندتها لبريطانيا. من أمثلة ذلك:

           خطرية بريطانيا دولة قوية بحري وسما(45)

        وظهرت أغنيات، في جانب العمل الموسيقي الفني، مثل أغنية (الله ليّ، يجو عايدين) للمطربة عائشة الفلاتية، و(رجال الحدود) لحسن عطية، و(المتطوعات) لمحمد أحمد سرور، و(الزاهي في خدرو) لأحمد المصطفى، وغير. وهذه من الأغنيات التي تتصل بقضايا الحرب والجنود السودانيين المشاركين فيها. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل سافر هؤلاء المطربون في رحلات الترفيه عن الجنود ورفع روحهم المعنوية في ميدان المعركة.(46)

استمرت حركة النضال ضد الاستعمار، من جهة أخرى، حتى نال السودان استقلاله في يناير 1956م. وشكلّ هذا الأمر بدوره نقطة تحول جديدة في مسيرة الثقافة الموسيقية وتعبيرها عن قضايا النضال الوطني. فظهرت الأغنيات التي تحتفي بالاستقلال وتحكي أمجاد الشعب السوداني وتاريخه العريق، وتصور أحلامه في مستقبل أفضل. ومن أبرز أمثلة ذلك، نشيد الاستقلال الذي تغني به محمد وردي:

                 اليوم نرفع راية استقلالنا . . ويسطر التاريخ مولد شعبنا

ومن بين ما تحقق من نتائج إيجابية عقب نيل الاستقلال ـ وفقاً لجمعة جابر ـ بروز شخصيات فنية جديدة في ساحة الموسيقى والغناء أعطت لها أبعاد جديدة وتناولت من المعاني ما لم يتطرق إليه فن الشعر الغنائي من قبل. حيث انفتح الغناء السوداني على قضايا التحرر على مستوي العالم، وقدم عبد الكريم الكابلي أغنية (آسيا وأفريقيا) والتي تناولت مختلف قضايا الثورة في الجزائر وإندونيسيا، وغيرها من دول عدم الانحياز(47) .

نوفمبر 1958:

        بعد مضي أقل من ثلاث سنوات على أول حكم وطني بعد الاستقلال، انقلب الجيش على الحكومة المدنية في 17/11/1958م فيما عُرف بثورة (نوفمبر). فعكست الثقافة الموسيقية أصداء ذلك التغيير بصور مباشرة عديدة، من أبرز أمثلتها:

            في سبعتاشر نوفمبر هب الشعب طرد جلاده

ويري الفاتح الطاهر أن ظهور هذه الأغاني من المطربين الذين أيدوا الانقلاب العسكري قد أسهم في استقرار الوضع السياسي الجديد، والذي دام ست سنوات يُشهد له فيها بتنشيط الحياة الثقافية. فكان افتتاح المسرح القومي بمدينة أمدرمان من أهم العوامل التي ارتكز عليها النشاط الثقافي، إذ نظمت إدارة المسرح العروض الموسيقية الغنائية الشهرية للمطربين السودانيين، إلي جانب عروض الفرق الزائرة من المصريين والأجانب من أمريكا، وروسيا وألمانيا. كما نظم المسرح المسابقات والمنافسات لاختيار أفضل مطرب لكل موسم. ولعب المسرح بذلك دوراً كبيراً في إبراز عدد ممن أثروا حركة الإنتاج الموسيقي في وسط السودان. كما نظم المسرح في مطلع الستينات مهرجاناً للفنون الشعبية شاركت فيه مجموعات وفرق من جميع مناطق السودان وأصبح العديد ممن شاركوا فيها في ذاك الوقت من أعلام الموسيقى والغناء في ثقافة الوسط الموسيقية(48).

ثورة أكتوبر 1964:

        علي الرغم من نجاح نظام نوفمبر العسكري على صعيد النشاط الثقافي ودعم الحركة الموسيقية خاصة، إلا أنه كان قد فشل في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية. فثارت ضده جماهير الشعب السوداني في واحدة من أكبر الثورات الحديثة في تاريخ الشعب السوداني، عُرفت باسم أكتوبر، وذلك في 21/10/1964م.

مثلت تلك الثورة نقطة تحولٍ هامة في الحياة السودانية ومناهضتها للظلم وكبت الحريات ومعاداة الروح الديمقراطية. وبذات القدر كانت بمثابة نقطة تحول وانطلاق جديدة لموضوعات الثقافة الموسيقية لوسط السودان على مستوى نصوصها الشعرية واللحنية على السواء. فنمى نوع جديد من مشاعر التغني بالنضال وشهداء الثورة المعاصرة، وقيم وطموحات النهضة والتحرير. فظهر بذلك كم هائل من الأعمال الموسيقية التي يمكن اعتبارها فصلاً كاملاً من فصول تكوين ثقافة وسط السودان الموسيقية.

 أسهم في إيجاده هذا الانتاج الموسيقي الاكتوبري عدد كبير من رموزها الآتية من مختلف الموارد العرقية والبيئية في السودان. فتغني محمد وردي، ومحمد الأمين، وأبو عركي البخيت وغيرهم بما عُرف باسم (الأكتوبريات). وهي أعمال غنائية تعكس وبجلاء ما تطلبه تأليفها وإعدادها وأدائها من بحثٍ دقيق عن وسائل وأدوات جديدة، معنوية ومادية، بغرض إبرازها بما يتناسب وعظمة الحدث وتنامي مشاعر الانفعال به من قبل أفراد الشعب عامة، وأدبائه والشعراء بصفة خاصة.

نتج عن ذلك أغنيات وأناشيد ثورية لا يمكن النظر إليها إلا في ظل واقع تطور الحركة الموسيقية في وسط السودان تقنياً. ذلك التطور الذي كان قد بدأ بنمو الأوركسترا الوتري كماً ونوعاً، وبدخول العديد من عناصر التقنية الأدائية الجديدة التي حملها الموسيقيون من العسكريين، ومصطفي كامل، وعزو مايسترلي، متمثلة في ضبط الآلات والتدوين الموسيقي وتوظيف آلات النفخ الخشبية والنحاسية.

أتاح كل ذلك للمؤلف الموسيقي كماً من الأدوات مكنه من تلبية حاجات تلك المرحلة فكرياً ووجدانياً. فنتجت عن ذلك أشكال جديدة في التعبير الموسيقي الذي ينزع إلي الجماعية في الأداء، والحرص على تضخيم الصورة المسموعة بحشد الأعداد الكبيرة من المغنين والموسيقيين، وتمثل الملحمة أو (قصة ثورة)، والتي صاغ شعرها هاشم صديق ووضع ألحانها محمد الأمين وقام بالتدوين الموسيقي موسى محمد إبراهيم(49)[1] أبرز نموذج في هذا الاتجاه الجديد.

والملحمة هي عبارة عن عمل غنائي ثوري احتشدت فيه العديد من الأفكار والرؤى التي لم تألفها موسيقي وسط السودان قبل ذلك. حيث اشترك في أدائها عدد من كبار المطربين السودانيين والموسيقيين من الفرق العسكرية، ولعبت فيها آلات النفخ النحاسية دوراً بارزاً، واحتوي نصها اللحني على عناصر الهارمونية والكاونتربونيت التي تبادلت أدائها الاوركسترا مع كورس غنائي مصاحب، وتواجد إلي جانب ذلك المطربين المنفردين. فمثلت الملحمة بذلك محوراً هاماً في حركة ثقافة وسط السودان الموسيقية، وعبرت عن مدى إمكانية تفاعل العوامل الاقتصادية والسياسية والفنية في إنتاج نموذج موسيقي يجمع بين كل هذه السياقات.

مايو 1969:

        لم يدم الوضع الديمقراطي والحكم المدني الذي أوجدته ثورة أكتوبر وقتاً طويلاً. إذ تغير نظام الحكم مرة أخرى، في غضون خمس سنوات، إلي حكم عسكري، وتم ذلك في 25/5/1969م وعُرف باسم (ثورة مايو). ورغم أن ذلك التغيير لم يكن على قرار ثورة أكتوبر الشعبية، إلا أنه قد وجد من عبر عنه من المطربين والشعراء الثائرين الذين أنتجوا عدداً كبيراً من المصنفات الغنائية، خاصة في سنوات الثورة الأولي. ومثل ذلك نوعاً من الاستجابة لما طرحته من شعارات التغيير والرفاهية والنماء.

كانت احتفالات العيد السنوي لتلك الثورة بمثابة المهرجانات الثقافية التي أفرزت الأعمال والمجموعات الموسيقية والمطربين الجدد. لكن، مثلما فشل نظام نوفمبر العسكري في تحقيق الطموحات الاقتصادية للشعب السوداني، فشل نظام مايو وقضى الفترة من 1969 وحتى 1985 في شد وجذب مع مختلف جبهات النضال المناوئة له، الشعبية والعسكرية، والتي عبرت هي أيضاً عن قضاياها وشعاراتها من خلال العمل الموسيقي. بينما واصل مؤيدوا النظام إنتاج ما عُرف بأناشيد الثورة .

        لقد حقق نظام مايو العديد من النجاحات الملموسة على مستوي العمل الثقافي، ودعم البنيات الأساسية للعمل الموسيقي، وأوجد أخرى جديدة. فاستقدام الخبراء الموسيقيين من كوريا الشمالية لتأسيس أوركسترا وكورال معهد الموسيقى والمسرح وتطوير العمل الأكاديمي فيه، ثُم أتبعه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بعد أن كان قد تأسس تابعاً لوزارة الثقافة. واهتمت إدارة المعهد في ذاك العهد بابتعاث أعضاء هيئة تدريسها إلى مصر والدول الأوروبية المختلفة لنيل الدرجات العلمية العليا واكتساب المزيد من المعرفة والخبرات في مجال العمل الموسيقي.

في جانب آخر تأسس في عهد مايو (قصر الشباب والأطفال) بمدينة أمدرمان كصدى لعلاقات نظام مايو بدول المعسكر الاشتراكي، إذ أن الفكرة نبعت من جمهورية كوريا الشمالية والتي أسست المبني ودعمته بكل الإمكانيات المادية والبشرية المطلوبة لإقامة العمل الثقافي والفني. ووظفت ذلك لبث نظريات وفكر زعيمها "مايو" وسط الشباب والأطفال.

حظيت الموسيقي في ذلك القصر بتقدير كبير وأُسِسَت به أوركسترا كبيرة من الأطفال والشباب، عمل على تدريبهم وتأهيلهم الأساتذة الكوريون في مختلف التخصصات. ودفعت تلك المؤسسة بعدد كبير من الموسيقيين الشباب المؤهلين الذين لعبوا دوراً ملموساً في تطوير الأداء الموسيقي، إلي جانب خريجي المعهد العالي للموسيقى والمسرح، للاهتمام بمراكز الشباب المتفرقة في أنحاء العاصمة الخرطوم، وبما فيها من نشاط ثقافي وموسيقي. كما اتسمت تلك الحقبة بإقامة عدد من المهرجانات الموسيقية التي كانت بمثابة مساحة جيدة للإنتاج الموسيقي الجديد والتي هدفت إلى تقديم أجيال جديدة من المبدعين في مجال الغناء فيما عُرف بتجربة (الواعدين) والذين أسهم عدد كبير منهم في دفع عجلة الحركة الموسيقية ومازال.

انتفاضة مارس أبريل 1985:

        في الفترة من 27 مارس وحتى السادس من أبريل عام 1985م بلغ سخط جماهير الشعب السوداني ذروته ضد نظام مايو، فأطاح به فيما عُرف باسم (انتفاضة مارس - أبريل). وعاد الحكم الديمقراطي مرة أخرى وتغني خلاله الوسط الموسيقي بفضائل الديمقراطية وطموحاتها، وقدم الموسيقيون العديد من النماذج في هذا الصدد، أعراباً عن مدى سعادة الشعب السوداني بتغيير للنظام الشمولي والتحرر من سطوته. وتناول أعلام الغناء والموسيقى هذا التغيير وعبروا عنه بذات الحجم من الانفعال الذي كانوا قد تغنوا به لثورة أكتوبر 1964م. فقدم محمد الأمين أعمالاً ثورية بنيت على إيقاع المارش عبرت عن طموحات الشعب السوداني وأحلامه، فتغني بكلمات محجوب شريف:

            مارس حارس    ليس يخون

            الألف اللام      السين الواو

             الدال الألف      النون

              السودان الوطن الواحد

            ما قد كان وما سيكون

فأتاحت موسيقي نظم هذا الشعر أساليب مستحدثه في تنمية وتنويع ألحان الأغنية السودانية. ومن ناحيته قدم محمد وردي عدداً من الأغنيات الكبيرة التي حملت صور الانعتاق من أسر ضيق آفاق النظام الشمولي فتغني بكلمات محجوب شريف أيضاً:

       بلي وأنجلي     حمد الله ألف علي السلامة

             وأنهد كتف المقصلة

فصاغ لحنها على إيقاع التم تم الذي جعل منها عملاً سهل التناول لكل متغن به.

واتسمت تلك الفترة بالمهرجانات والاحتفالات الحاشدة التي قدمت فيها أعمال تلك الانتفاضة في ميادين جامعة الخرطوم، إلى جانب تسجيلها وبثها عبر أجهزة الإعلام. ويلاحظ أن في تلك الفترة  نمت ظاهرة غناء المجاميع الذي صار يعرف باسم (الكورال) في الجامعات وفي ملتقيات تجمع الشباب المختلفة.

        من أبرز نتائج النشاط الثقافي الطليق الذي شهدته تلك الفترة احتفال طلاب الجامعات وإقامة العروض الموسيقية داخلها، الأمر الذي تزامن مع تبلور كل من (مجموعة عقد الجلاد الغنائية) و(أوركسترا السمندل الموسيقية) في 87/1988م، واللتان شكلتا بعداً جديداً في فنون الغناء والموسيقي في وسط السودان. وكان مؤسسوا المجموعتين من خريجي المعهد العالي للموسيقى والمسرح، وكانت جامعة الخرطوم مسرحاً مهماً لانطلاقة هذين الكيانين. لكن، وفي أثناء مكابدة الحكم الديمقراطي لما ورثه من اقتصاد منهار وأوضاع اجتماعية متردية انقض العسكريون مرة أخرى على السلطة.

يونيو 1989:

        عاد الحكم العسكري مرة ثالثة في 30/6/1989م فيما عُرف باسم (ثورة الإنقاذ الوطني). وهو نظام عمل على تغيير أوجه الحياة الاجتماعية والثقافية في السودان، ولم يشجع الفنون عموماً، والموسيقى والغناء بصفة خاصة، من منطلقات أيديلوجية وعقدية. ونتج عن ذلك ركود في الحركة الموسيقية، إذ توقفت الإذاعة السودانية عن تسجيل الأعمال الغنائية العاطفية، وهي الجهاز الذي تمحورت حوله حركة نهوض الأداء الموسيقي منذ نشأته في عام 1940م. كما أوقف بث العديد من الأغنيات التي سجلت في حقب سابقة بسبب احتوائها علي مفردات الغزَّل والتغني بمعاني الحب والعواطف المتبادلة بين الرجل والمرأة.

ترتب على ذلك أن انهارت الفرقة الموسيقية للإذاعة، وتقلص عدد أعضائها ولم تستوعب أي كوادر جديدة لتطوير العمل بها، بعد أن كانت قد بلغت مدى عالياً من جودة الأداء عكسته تسجيلات الفترات السابقة منذ مطلع الخمسينات وحتى نهاية السبعينات تقريباً.

وتم إيجاد بدائله في الثقافة الغنائية للوسط تمثلت فيما عُرف (بالأدب الجهادي) الذي اقترن بحرب جنوب السودان والتي تأجج أوارها في هذا العهد كحرب مقدسة. فعبر هذا النوع من الأدب الموسيقي عن مضامين فداء الوطن ومقدراته، مقرونة بالعقيدة الدينية. فتركز الجهد الأدائي حول النصوص الشعرية ومحتواها بعيداً عن محاولات تطوير آليات التفكير الموسيقي، كما حدث في ثورات المجتمع السوداني السابقة والتي ركزت على شحذ طاقات المبدعين لمقابلة متطلباتها والتعبير عنها موسيقياً. بل على العكس من ذلك تم حاصر الوسط الموسيقي ووضعت أمامه الكثير من القيود التي حدّت من صلته بالأجهزة الإعلامية. وتقلص نشاط المطربين، حتى الكبار منهم، والذين أسهموا بجهد كبير في تأسيس الشكل الذي تبلورت فيه موسيقى وسط السودان، وهاجر بعضهم واغترب خارج السودان.

نزح في بداية مطلع التسعينيات المطرب محمد الأمين إلي مصر واستقر بها حتى العام 1993. واغترب محمد وردي بالقاهرة، ثم المملكة المتحدة، فالولايات المتحدة، على مدى أكثر من عقد من الزمان. وهاجر عدد كبير من الموسيقيين من خريجي المؤسسة الأكاديمية والعاملين في هيئة تدريسها. وظل من تبقى في داخل السودان يكابد عناء ومشكلات إنتاج العمل الموسيقى على كافة مستوياته، حيث تقلص نشاط العروض الموسيقية والغنائية، وانخفضت جودة الأداء والتسجيل، وافتقر العمل الموسيقي إلي كل عناصر تحفيذه وتطويره.

ولكن نشأت في مطلع التسعينيات مؤسسات التسجيل الصوتي وشركات الإنتاج الفني الخاصة والتي تضاعفت أعدادها وتضاعف إنتاجها مرات عديدة. فأصبحت تمثّل المصدر الأساس للإنتاج الموسيقي المسموع في وسط السودان. وهذه المؤسسات هي بنيات قامت على أساس تحقيق الربح التجاري، لذا لم يسلم إنتاجها من ضعف الجودة والذي يبلغ أحياناً كثيرة تقديم النشاذ وعدم الضبط الدقيق للآلات الموسيقية.

لذا انحسرت مساحة الصوت الموسيقي المسموع، وقل عدد الآلات الموسيقية المستخدمة، وزاد الاعتماد على آلة الأورغ الكهربائي لاعتبارات اقتصادية، وتدخلت تلك الآلة بقدر كبير في تنفيذ وتقديم العديد من صور النشاط الموسيقي بما تزخر به من إمكانيات تقنية عالية لا يستطيع أن يواكبها في كل الأحوال من يستخدمونها.

وتزامنت كل التعقيدات التي أحاطت بالعمل الموسيقي في هذه الفترة مع نماء ثورة الاتصالات العالمية وانتشار القنوات الفضائية، ما فتح العديد من المنافذ للمتفاعل مع موسيقي وسط السودان سواء كان منتجاً أو متلقياً، وما زالت آثار هذه المتغيرات في نماء وتزايد مضطرد .  

 الخاتمة:

        إن الفنون عموماً، والموسيقى على وجه التخصيص، كائن حي يتفاعل سلباً وإيجاباً بالسياقات والمناخات والبيئات التي يعيش فيها. حيث يتأثر منتجوا هذا الضرب الثقافي بما حولهم، ليس فقط على المستوى المحلي فحسب، وإنما أيضاً بكل ما يجري من احداث وتطورات حتى على المستوى الخارجي. ولا يتشكل منتوجهم الموسيقي بالافكار التي تتبلور في محيطهم وبئتهم الاجتماعية والطبيعية فحسب، ولكنه يتأثر أيضاً بتفاعلاتهم مع البيئة الواسعة، ومع التكنلوجيا والاحداث السياسية الجارية، والثقافة الشائعة أو المناخ الفكري والفلسفي المسيطر. وهذا ما ينطبق على نشأة وتطوَر موسيقى الحديثة لوسط السودان مُنذ مطلع القرن العشرين وحتى تاريخه.

المصادر والمراجع:

(1) الفاتح الطاهر،  أنا أمدرمان تاريخ الموسيقى في السودان، ماستر التجارية، الخرطوم، 1993م، ص 7.

(2) سليم الحلو،  تاريخ الموسيقى الشرقية ،  منشورات دار مكتبة الحياة ، بيروت1975، م، ص 180 .

(3) جوليوس بورتنوي،  الفيلسوف وفن الموسيقي، فؤاد زكريا (ترجمة)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1974م، ص 340 .

(4) الفاتح الطاهر ، (مرجع سابق) ص 20 .

(5) ضرار صالح ضرار،   تاريخ السودان الحديث ، الدار السودانية للكتب، الخرطوم 1968م، ص 116 .

(6) نفس المرجع،  ص 122 .

(7) الفاتح الطاهر، مرجع سابق، ص 20 .

(8) نفسه، ص 20 ـ 23 .

(9) نفسه، ص 23 .

(10) نفسه، ص 24 .

(11) جمعة جابر، الموسيقى السودانية: تاريخ ، تراث ، هوية ، نقد، شركة الفارابي للنشر والأدوات المكتبية المحدودة، الخرطوم، ب.ت، ص 247 .

(12) أروي أحمد الربيع، أغاني التم تم كظاهرة اجتماعية، بحث لنيل درجة الماجستير فى الموسيقى، جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، الخرطوم، 2003م، ص 21 .

(13) نفسه، ص 22 .

(14) نفسه.

(15) الفاتح الطاهر ، مرجع سابق، ص 27 .

(16) أروي أحمد الربيع ، مرجع سابق، ص 23 .

(17) الفاتح الطاهر ، مرجع سابق، ص 29 .

(18) كمال يوسف على، إمكانية الاستفادة من ألحان أغاني الحقيبة في  تدريس آلة الفلوت، بحث لنيل درجة الماجستير فى الموسيقى، جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، الخرطوم، 2001م، ص 46 .

(19) نفسه 49 .

(20) الفاتح الطاهر ، مرجع سابق، ص 33 .

(21) كمال يوسف على ، مرجع سابق، ص 47 .

(22) الفاتح الطاهر، مرجع سابق، ص51 وكمال يوسف على، مرجع سابق، ص48.

(23) كمال يوسف على ، مرجع سابق، ص 46 .

(24) كمال يوسف على، النظام النغمي لموسيقى وسط السودان، النظام النغمي لموسيقى وسط السودان ، (دراسة تحليلية مقارنة) بحث لنيل درجة الدكتوراة ، جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، الخرطوم، 2005م، ص63 .

(25) كمال يوسف على، مرجع سابق، ص56 ،57 .

(26) الفاتح الطاهر ، مرجع سابق، ص 55 .

(27) أروي أحمد الربيع ، مرجع سابق،  ص28 ، 29 .

(28) الفاتح الطاهر ، (مرجع سابق) ص 55 .

(29) أروي أحمد الربيع ، (مرجع سابق) ص30 .

(30) أروي أحمد الربيع ، (مرجع سابق) ص31 .

(31) الفاتح الطاهر ، مرجع سابق، ص 60 وأروي أحمد الربيع، مرجع سابق، ص31 .

(32) الفاتح الطاهر ، مرجع سابق، ص 57 وأروي أحمد الربيع، مرجع سابق،  ص31 ، 32.

(33) أروي أحمد الربيع، مرجع سابق،  ص 32 ، 33 .

(34) ـنفسه، ص 97 ، 98 .

(35) الفاتح الطاهر، مرجع سابق، ص 68 .

(36) جمعة جابر ، مرجع سابق، ص 90 .

(37) الفاتح الطاهر ، مرجع سابق، ص 71 .

(38) جمعة جابر ، مرجع سابق، ص 92 ، 93 .

(39) جمعة جابر ، ص 99 وكمال يوسف على، مرجع سابق،  2001، ص 25 .

(40) جمعة جابر ، مرجع سابق،  ص99 ، 100 .

(41) الفاتح الطاهر ، مرجع سابق، ص 93 ، 94 .

(42) نفسه، ص 111 .

(43) نفسه، ص 68 ، 70 .

(44) نفسه، ص 68 ، 70 .

(45) نفسه، ص 75 .

(46) نفسه، ص 75 ، 76 .

(47) جمعة جابر، مرجع سابق، ص 101 .

(48) الفاتح الطاهر ، مرجع سابق، ص 111 ، 114 .

 

 

 

 

 

أضف تعليقاً

0 تعليقات