مناخ السودان

العاشر من شهر مايو عام 2018م



    د. محمد كباشي عبد الله

المستخلص

         تناولت هذه الورقة موضوع مناخ السودان، وذلك لتأثير المناخ المباشر في كثير من نواحي الحياة. وتهدف الورقة لتوضيح العناصر والعوامل المناخية المؤثرة على مناخ السودان، بجانب توضيح أهمية المناخ على النشاط البشري وسبل كسب العيش، وأثره في كل البلاد. بالإضافة لذلك استعرضت الورقة الأعمال التي تمت لتصنيف مناخ السودان. وقد ركزت تلك الأعمال على أثر التصنيفات التجريبية لارتباط ذلك بأهم نشاط بشري في السودان (الزراعة).

       استخدم الباحث المنهج الإحصائي التحليلي والإحصائي الوصفي لتحليل المعلومات المناخية للفترة من 1981 – 2010م، حيث وضعت تلك المعلومات المناخية في جداول وخرط وأشكال بيانية لتوضيح أثر الحرارة في توزيع الضغط الجوي في المناطق داخل السودان وفي محيطه الإقليمي في قارة أفريقيا وما حولها.  ثم ناقش الباحث الرياح السائدة ـ الجافة منها والرطبة ـ المسببة للأمطار الصيفية في السودان. ركزت الورقة على أبرز خصائص المطر وتوزيعه الفصلي والسنوي، وارتباط ذلك بنجاح المواسم الزراعية في السودان وفشلها.

     كما تناول الباحث التصنيف المناخي من حيث: تعريفه، وأغراضه، وأهم أنواعه، واهتمام علماء المناخ بالتصنيف المناخي ـ بصفته آلية لتقسيم العالم لأقاليم مناخية ـ وأهم العناصر المناخية (المطر والحرارة) المستخدمة لذلك.  وتم استعراض بعض الأعمال التي طبقت أشهر التصنيفات المناخية لتقسيم السودان لأقاليم مناخية. أبدى الباحث ملاحظاته حول تلك الأعمال في نقاط توضح أبرز ما توصلت إليه تلك الأعمال التصنيفية لمناخ السودان.

 

المقدمه :

       الحديث عن مناخ السودان بعيداً عن المؤثرات فيه ـ وتلك المؤثرات قد تكون بعيدة عنه، وقد تكون قريبة في محيطه الإقليمي، أي قارته الأم إفريقيا ـ وأيضاً الحديث عن مناخ السودان والعوامل المؤثرة فيه تكتمل صورتها عندما تتضح العلاقة بين المناخ وصنوه الطقس، فهما وجهان لعملة واحدة.

         يُعد علم المناخ فرعاً من فروع الجغرافيا الطبيعية، ولكن يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعلم الأرصاد الجوي (الميترولوجيا Meotorology وذلك لأن كلا العلمين ـ المناخ والميترولوجيا ـ يعالجان الموضوعات التي تناقش حالة الجو عامة، إلا أنهما يختلفان في المنهج والهدف. بالإضافة إلى حقيقة أن الباحث في علم المناخ يعتمد اعتماداً كبيراً على معطيات قياسات الأرصاد الجوية. فكلا العلمين ـ المناخ والطقس ـ هدفهما تفسير التباينات المكانية والزمانية للأحوال الجوية، وتعليلها بفارق في طول المدة لكليهما.

          ولتتضح الصورة أكثر لا بد من تحديد مفهوم المناخ Climate لإظهار مجال دراسته، وكشف العوامل التي تتحكم فيه، وتأثيراته على البيئة، سواء أكانت طبيعية أم بشرية. وليس هناك أي اختلاف بين العلماء من: جغرافيين، وميترولوجيين، وغيرهم، حول تعريف المناخ. فالمناخ في نظر الجميع هو تمثيل للحالة الجوية السائدة في مكان ما خلال فترة زمنية معينة، تتردد خلالها الأحوال الجوية كافة ـ المنتظمة منها وغير المنتظمة (الشاذة). ولكن اختلف العلماء في طول هذه الفترة، فبعضهم عدها 35 سنة (دورة بروكنز) وبعضهم الآخر اكتفى ب 11 سنة (دورة البقع الشمسية 11.3) (موسى، 1992م). غير أن غالبية العلماء اليوم يعتمدون فترة 30 سنة في تحديدهم لطبيعة المناخ السائد. وقد سار هؤلاء على ما أقرته المنظمة العالمية للإرصاد الجوية (WMO ) التي عدت الفترات 1901 – 1930، 1931 -  1960، 1961 – 1990م فترات قياسية.

بالرجوع للوجه الآخر من العملة الطقس Weather فإنه يمثل الحالة الجوية العابرة على مكان ما، أي الحالة الجوية المترددة على مكان ما خلال فترة زمنية قصيرة، قد تكون يوماً أو جزءاً من يوم، ويمكن أن تصل لأكثر من يوم إذا كانت العوامل المتحكمة في إحداث ظروف جوية معينة ثابتة. وبناءً على توضيح الفرق بين المناخ والطقس يمكن القول: إن المناخ هو المتوسط الحسابي لكافة حالات الطقس المترددة على مكان ما خلال فترة زمنية معينة حُدِّد طولها ب30 عاماً.

     يركز علم المناخ Climatology اهتمامه على معالجة أنماط وحالات الجو وفق القوانين الفيزيائية المنظمة له، وما يتولد عن ذلك من نظم مناخية تختلف باختلاف حالات الجو السائد. وهو بالضرورة يهتم بدراسة طبيعة الجو، وكل العمليات التي تدخل في تشكيل الظواهر الجوية المختلفة من: سحب، وهطول، وعواصف.. .إلخ، التي تضفي محصلتها العامة مظهراً جوياً مميزاً فوق هذه المنطقة أو تلك.

    تجدر الإشارة هنا إلى أن الحالة الجوية في مكان ما لا يعبَّر عنها بعنصر واحد كالحرارة، أو الرياح، أو غير ذلك، لأن الحالة الجوية هي نتاج لتفاعل عناصر المناخ كافة، والتي تتمثل في: درجة الحرارة، والضغط الجوي، والرياح، والرطوبة الجوية، ومظاهر التكاثف، وأشكال الهطول. وكل عنصر من هذه العناصر وليد تفاعل مجموعة من العوامل، منها: الموقع حسب دائرة العرض، وتوزيع اليابسة والماء ـ أي القرب أو البعد عن المسطحات المائية ـ والارتفاع عن سطح البحر، والتيارات البحرية، والغطاء النباتي. محصلة التفاعل بين العناصر والعوامل المناخية هي نمط مناخي لإقليم أو منطقة ما.  

في الصفحات التالية نتابع التفاعل بين عناصر المناخ وعوامله المؤثرة على المناخ في السودان.

مناخ السودان:

   كما سبقت الإشارة فإن مناخ السودان ليس معزولاً عن الحالة الجوية العامة، وتأثرها بعوامل قد تكون بعيدة عنه، أو قريبة منه، كما سنرى في شرح العناصر والعوامل المناخية المحدَّدة لمناخ السودان.

    يوصف مناخ السودان بأنه مناخ مداري حار. أما مداري: فلأن السودان بأكمله يقع في نطاق العروض المدارية الشمالية: أي في نطاق المنطقة التي تتعامد عليها الشمس خلال فصل الصيف الشمالي ـ والذي تكون فيه حركة الشمس الظاهرية من خط الاستواء نحو مدار السرطان 23.5ْ درجة شمالاً ـ ومن مدار السرطان نحو الجنوب إلى خط الاستواء.  وأما حار: فلأنه كما ذكر باربر 1961 لا توجد منطقة في السودان لا تتعامد عليها الشمس مرتين في العام. يتضح من ذلك أن حركة الشمس الظاهرية وتعامدها في 21 مارس على خط الاستواء، وتعامدها ثانية على خط الاستواء في 21 سبتمبر، وخلال هذه الحركة الظاهرية للشمس فإنها تتعامد مرتين على أي منطقة في السودان. ونبدأ الحديث بعنصر الحرارة لأهميتها المناخية:

الحرارة:

    تعد الحرارة أهم عناصر المناخ، لتأثيرها الواضح والمباشر على العناصر الأخرى. فالحرارة تؤثر مباشرة على الضغط الجوي وتوزيعاته، وبالتالي على حركة الرياح، ولها أثر على التبخر والرطوبة والتكثف، وأثرها كبير ومباشر في توزيع أنواع الحياة المختلفة.

    سبقت الإشارة إلى أن مناخ السودان حار، فارتفاع الحرارة سمة مميِّزة  لكل مناطق السودان، مع اختلافات نسبية للحرارة زمانياً ومكانياً. يمكن إرجاعها جزئياً إلى اختلاف المواقع العروضية داخل السودان، وحركة الشمس الظاهرية بين المدارين.

    بالنظر إلى درجات الحرارة: القصوى، والدنيا، والمتوسطة ـ على المستوى اليومي والشهري والسنوي ـ فالواضح أن درجة الحرارة القصوى قد تصل إلى أكثر من 40ْ م. في شمال السودان تمثل شهور الصيف في دنقلا  أكثر الشهور حرارة (أبريل - مايو – يونيو – يوليو وأغسطس ) كما موضح في الجدول رقم (1) والشكل رقم (1) و (2). فيكون تدرج أو زحف منطقة الحرارة القصوى تدريجياً خلف الشمس ( التوم، 2010). أما أدنى درجة للحرارة فتتراوح بين 6 درجات في بعض أجزاء الولاية الشمالية وتتدرج حتى تصل 24.8 درجة في وسط وجنوب السودان.


جدول رقم(1):المتوسط الشهري  لأعلى وأدنى درجات في محطتي دنقلا وعطبرة  في الفترة 1981-  2010 م
 

المحطة/ الشهور

يناير

فبراير

مارس

أبريل

مايو

يونيو

يوليو

أغسطس

سبتمبر

أكتوبر

نوفمبر

ديسمبر

دنقلا

درجات العظمى

26.8

29.2

33.7

39.1

42.2

43.3

43

42.8

42.3

39.1

32.5

28.5

درجات الصغرى

9.3

10.8

14.7

19.6

23.9

25.3

26.5

26.8

26.1

22.6

15.6

11

عطبرة

درجات العظمى

30.9

33.8

37.2

41

43.4

43.9

41.7

41.6

42.1

40.2

35.7

32.4

درجات الصغرى

14.6

16.2

18.8

23

26.6

28.5

27.9

27.2

27.7

25.5

20.4

16.5


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر: هيئة الأرصاد الجوية : عمل الكاتب 2015م
شكل رقم (1) درجات الحرارة العظمى والصغرى في مدينة دنقلا في الفترة من 1981 – 2010م.

شكل رقم (2) درجات الحرارة العظمى والصغرى في مدينة عطبرة في الفترة من 1981 – 2010م.


المصدر :هيئة الأرصاد الجوية : عمل الكاتب، 2015م.

     ويشهد شهر أبريل في وسط السودان والجزء الشمالي الشرقي منه ارتفاعاً واضحاً في درجات الحرارة 36 – 41ْ م، يعزى ذلك لعدم وجود أي غطاءات من السحب تعكس أشعة الشمس وتقلل من وصولها لسطح الأرض، ولسيادة الرياح الشمالية الشرقية الجافة.

وعموماً يلاحظ ارتفاع درجات الحرارة في السودان، ويرجع ذلك لأكثر من عامل من العوامل التالية:

1 – عدم وجود الجبهات الباردة على السودان في الفصل الجاف.

2 – ضعف وزحزحة المرتفع الحراري فوق الصحراء الكبرى.

3 – التعمق والتمدد غرباً للمنخفض الحراري فوق الصحراء العربية.

4 – ظهور وتعمق منخفض السودان الحراري الذي يتصل بالمنخفضين الحراريين فوق الصحراء العربية والصحراء الكبرى.

5 – تراجع الفاصل المداري إلى خارج السودان، ما لا يسمح بوجود أي رياح رطبة وبالتالي تصبح السيادة كاملة للرياح الشمالية الشرقية الجافة، وينتج عن ذلك ارتفاع درجات الحرارة.

الضغط الجوي والرياح:

    إنَّ حركة الجو انعكاسٌ غير مباشر للتسخين غير المتكافئ لسطح الأرض، ولدوران الأرض حول نفسها. ولا بد من التمييز بين نوعين من الحركة: الحركة الأفقية المتمثلة في الرياح السطحية، والحركة الجوية الرأسية المتمثلة في حركة الصعود والهبوط الهوائية. نذكر هنا أن أمطار السودان أمطار تصاعدية Convective Rainfall. 

    وتجدر الإشارة إلى أن للحركة الجوية أهمية مناخية كبرى لما تسهم به من تحقيق التوازن الحراري الأرضي والجوي، ولا يمكن إغفال ما تقوم به من نقل الرطوبة والسحب من مكان لآخر.  وهكذا نرى أن الضغط الجوي والرياح ـ عليا وسطحية ـ يعملان ضمن منظومة متكافئة يحرك أحدهما الآخر.

أولاً : الضغط الجوي

     ويمثل الضغط الجوي القوة التي يمارسها الهواء المطبق على وحدة المساحة،  ويقدر وزن عمود من الهواء قاعدته سنتمتر مربع واحد يمتد من سطح البحر حتى سقف الغلاف الجوي  بحدود 1000 جرام.  ويمارس أسفل هذا الوزن ضغطاً على سطح الأرض يبلغ في الأحوال الجوية الوسطى القياسية 1013.2 ميليبار عند مستوى سطح البحر (موسى 2014، ص 65). يقاس الضغط الجوي بجهاز الباروميتر. ويتم تمثيل توزيعات الضغط الجوي على خرائط الطقس والمناخ بواسطة خطوط الضغط المتساوية (الايزوبار Isobars).  ومن المعروف أن هناك نموذجين أساسيين من الضغط، هما: الضغط المرتفع، والضغط المنخفض، والمحدد لهما خط الضغط المتساوي 1013.2 ميليبار  عند مستوى سطح البحر، ويبدو نموذجا الضغط الرئيسيين في خرائط الطقس والمناخ على شكل منطقة شبة دائرية، تتحلق فيها خطوط الضغط المتساوية حول قيمة مركزية قصوى في الضغط المرتفع، ودنيا في الضغط المنخفض. الشكل رقم (3)

الشكل (3) نماذج الضغط الجوي المرتفع والمنخفض


   
المصدر: موسى، 2014، ص 67.

ذلك عن الضغط الجوي وآلياته ووسائل قياسه وتمثيله على الخرائط. أما الحديث عن الضغط الجوي ـ بصفته عنصراً مناخياً ـ فالحديث يتم عن توزيعات الضغط الجوي في السودان.  ولما كان السودان يتأثر بما حوله من ظواهر طقسية بعيدة عنه وقريبة منه في ما يحيط به من يابس وماء. سنتناول توزيعات الضغط الجوي في السودان في شهري يناير ويوليو، وهذان يمثلان متوسط الحالة الجوية فوق إفريقيا.  

لأهمية تلك التوزيعات وما يرتبط بهما من حركة الرياح الهابة على السودان وما تحدثه تلك الرياح من ظواهر طقسية ومناخية.

توزيعات الضغط الجوي وحركة الرياح :

    لدراسة مناخ قطر ما لا بد من دراسة: نظم الضغط الجوي، وتوزيعاتها، والرياح التي يتأثر بها ذلك القطر، وذلك لتحديد أقاليم المصدر للرياح السائدة في مختلف فصول السنة، وهذا يقتضي دراسة مناطق واسعة حول ذلك القطر.

    لا يوجد تحديد دقيق ومقنع لفصول السنة يمكن تطبيقها في السودان بالوتر. فالوضع في السودان يختلف: من صحراء لا مطر فيها في الشمال، إلى حزام للمطر الصيفي الذي تزداد كميته باتجاه الجنوب.

في وسط السودان يمكن تقسيم فصول السنة حسب اختلاف خطوط العرض كما يلي:

  1. فصل الشتاء أو الفصل الجاف ( ديسمبر – فبراير).

  2. فصل تقدم الرياح الموسمية ( مارس – مايو).

  3. فصل الرياح الموسمية الممطرة ( يونيو – سبتمبر).

  4. فصل الرياح الموسمية المتقهقرة ( أكتوبر – نوفمبر).

توزيعات الضغط الجوي والرياح الموسمية يمكن مناقشتها في فصل على حدة. خرائط توزيعات الضغط الجوي المبنية على معلومات الأرصاد الجوية القديمة، ويمكن أن تعطي صورة تقريبية، ولكنها تمثل الملامح العامة للضغط والرياح في السودان.

ففي فصل الشتاء الجاف ـ ويمثله شهر يناير ـ تكون توزيعات الضغط كما موضح في الشكل رقم(4) والرياح السائدة يوضحها الشكل رقم (5).


الشكل رقم (4) توزيعات الضغط الجوي في القارة الأفريقية لشهر يناير



 المصدر محمد كباشي عبد الله، 1998م.


شكل رقم (5) الرياح السائدة في القارة الإفريقية في شهر يناير
 


المصدر: محمد كباشي عبد الله 1998م.

ففي الشكل (4) توزيعات الضغط الجوي لشهر يناير نجد الآتي:

1 – مرتفع الصحراء الجوي: وهو امتداد للمرتفع الجوي الأزوري ويمثل المرتفع الجوي دون المداري في نصف الكرة الشمالي.

2 – مرتفع الصحراء العربية: وهو أيضاً جزء من الضغط المرتفع  دون المداري في شمال الكرة الأرضية.

3 – مرتفع جوي فوق هضبة البلغان في وسط آسيا.

4 – منخفض جوي فوق وسط إفريقيا.

5 -  منخفض جوي فوق وسط وشرق البحر الأبيض المتوسط.

6 – الفاصل المداري الذي يفصل بين كتل هوائية تصحبها الرياح التجارية من أقاليم المصدر في شمال وجنوب خط الاستواء.

يمكن ملاحظة أن المرتفع الجوي فوق الصحراء الكبرى هو الذي يتحكم في حركة الرياح الهابة على السودان، حيث تسود الرياح التجارية الشمالية الشرقية فوق القطر كله ما عدا ساحل البحر الأحمر.

     هذا المرتفع الجوي ذو دينامكية حركية يمتد لارتفاعات كبيرة، ونتيجة لذلك يهبط الهواء الجاف الذي ترتفع حرارته ميكانيكياً. هذا يؤدي لسيادة الرياح الجافة التي ترتفع درجة حرارتها كلما تقدمت جنوباً.

المنخفض الحراري فوق البحر الأبيض المتوسط مجال لخلق موجات باردة قادمة من وسط آسيا إلى غرب أوروبا، ومنها تتحرك عبر البحر الأبيض المتوسط فوق صحراء العرب لتنتهي هذه الجبهات عند الخليج العربي. يتأثر طقس السودان بمرور هذه الجبهات الباردة فتنخفض درجات الحرارة في شمال البلاد وشمال الأواسط.

  في الفصل الذي تتقدم فيه الرياح الموسمية ـ مارس – مايو ـ هذا الفصل يمثل فصلاً انتقالياً بين فصل الشتاء الجاف وفصل المطر.  يعقبه فصل تقدم الرياح الموسمية الجنوبية الغربية الممطرة ـ يونيو – سبتمبر ـ ممثلاً في الأشكال (6) و(7).

    نلاحظ المنخفض الجوي فوق شمال شرق السودان، هذا المنخفض الجوي يعرف بمنخفض السودان الحراري.  ويتسبب هذا المنخفض في تقدم الرياح الموسمية الجنوبية الغربية، ومع تقدمها يتحرك الفاصل المداري في حركة مستمرة من الجنوب إلى الشمال، ويدخل السودان في شهر مارس، ثم يتوغل شمالاً في السودان خلال شهور يونيو ويوليو ليصل أقصى موقع له شمالاً في شهر أغسطس، وفي شهري أكتوبر ونوفمبر يتراجع الفاصل المداري سريعاً خلال هذه الفترة، ويختفي تماماً من السودان في شهر نوفمبر.

شكل رقم (6) توزيع الضغط الجوي في القارة الإفريقية لشهر يوليو.


 
      المصدر: محمد كباشي عبد الله 1998م.
شكل رقم(7) الرياح السائدة في قارة أفريقيا في شهر يوليو
 

   المصدر: محمد كباشي عبد الله 1998م

الأمطار في السودان:

      لا شك أن عنصر الحرارة ـ بصفته عنصراً مناخياً ـ له أهمية طبيعية، ولكن هذه الأهمية لا ترقى لمستوى أهمية عنصر المطر. فالمطر عنصر حاسم في كثير من مناحي الحياة في السودان. Amore Decisive factor .

     تمثل الأمطار الظاهرة المناخية الأكثر تأثيراً بالنسبة للإنسان في السودان، وهي المتحكم الرئيس في تحديد سبل كسب العيش، وتنظيم استخدام الأرض في مناطق السودان المختلفة. وتقترن بأهمية المطر في السودان أكبر وأهم حرفتين في السودان: الزراعة والرعي. حتى الحرف الأخرى تتأثر بدرجة ما بالأمطار وكميتها في السودان.

       لكي يهطل المطر لا بد من أن تتم عمليات فيزيائية على سطح الأرض والغلاف الجوي المحيط به، وهذه ضرورة  لا بد منها ليهطل المطر، في السودان أو في غيره من بقاع العالم. تلك العمليات تحكمها عوامل كثيرة تختلف من حيث الزمان والمكان. ولكن في كل الأحوال لكي ينهمر المطر لا بد من توافر كمية كبيرة من بخار الماء، وأن تتم عمليات تكثف لتتكون السحب، وبدون ذلك لا يهطل المطر. ونحن نتحدث عن المطر في السودان لا بد من استصحاب تلك العمليات الفيزيائية المهمة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الأمطار في السودان ترتبط بظاهرة جوية يطلق عليها اسم الفاصل المداري، وهو منطقة التقاء الرياح المدارية الهابة من نصفي الكرة الأرضية.  وأمطار السودان ماعدا منطقة البحر الأحمر أمطار صيفية، تسقط في شهور الصيف الشمالي (يونيو- سبتمبر) ولست أدري من أين أتي اللبس الذي نسمعه من كل السودانيين أن مطر السودان يهطل في فصل الخريف! فثقافة عامة السودانيين تربط هطول المطر في السودان بهذا الفصل. ولا ننسى ما درسناه في المرحلة الأولية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي:

حلَ الخريف حلا **   أهلا به وسهـــلا    

الزرع فيه أخضرْ ** والزهر فيه أنضرْ

     يذكر البروفسير مهدي أمين التوم 2005م أن الصورة العامة لتوزيع الأمطار في السودان تتميز بالبساطة والتدرج. ويفسر ذلك بأن لطبيعة أرض السودان السهلية، وخلوه من الموانع التضاريسية ساعدت على توغل الرياح الجنوبية الغربية الرطبة من أقصي جنوب البلاد إلى أقصي شمالها دون عائق جبلي يعترض مسيرها.

طبيعة المطر وتوزيعه في السودان:

طبيعة المطر وتوزيعه في السودان يمكن إجمالها في النقاط التالية:

  1. تتدرج الأمطار ـ من حيث طول فصل المطر وكميته ـ من الجنوب إلى الشمال، وسبب ذلك هو أن الرياح الرطبة المسببة للمطر تفقد حمولتها من الرطوبة كلما توغلت شمالاً. فطول فصل المطر وشدته كلاهما يختلفان باختلاف دائرة العرض. ففي أقصي جنوب السودان (قبل انفصال الجنوب 2011م) عند محطة جوبا الواقعة على دائرة عرض 5 درجة شمالاً يمتد فصل المطر حوالي تسعة أشهر  (مارس- نوفمبر). وعند محطة ملكال الواقعة على دائرة عرض 912  درجة شمالاً يمتد فصل المطر سبعة أشهر (أبريل- أكتوبر). وعند محطة كوستي الواقعة على دائرة العرض 13 درجة شمالاً يمتد فصل المطر أربعة أشهر (يونيو - سبتمبر). وعند مدينة الخرطوم الواقعة على دائرة عرض1512  درجة شمالاً يمتد فصل المطر ثلاثة أشهر (يوليو-سبتمبر). وعند مدينة عطبرة الواقعة على دائرة عرض 1734  درجة شمال يمتد فصل المطر حوالي شهرين (يوليو-أغسطس)، ولا يوجد فصل للمطر عند مدينة دنقلا الواقعة على دائرة عرض 19درجة شمالاً، ولا عند مدينة وادي حلفا الواقعة في الحدود الشمالية السودانية.
  2.  تتباين معدلات المطر من الشمال إلى الجنوب، فهي تتناقص كلما اتجهنا من جنوب السودان إلى شماله الشكل رقم (8) ففي شمال السودان (دنقلا - حلفا) قد لا تهطل أمطار لعدة سنوات وذلك لعاملين:
  • سيادة الرياح الشمالية الشرقية الجافة الهابة من اليابس.

لأن الرياح الجنوبية الغربية تصلها جافة لفقدانها حمولتها من الرطوبة في مسيرها من الجنوب إلى الشمال.

            شكل رقم (8) المعدلات السنوية للأمطار ( بالملليمترات)


      المصدر : عمل الباحث، بتصرف، التوم و عبد الله ،2010م. (ص 51)

 3- يمثل شهر أغسطس أكثر الشهور مطراً في كل السودان. ففي هذا الشهر يصل الفاصل المداري أقصي تقدمه شمالاً، وبالتالي يكون كل السودان واقع إلى الجنوب منه. كما يمثل الشكل (9) المتوسط السنوي للمطر في بعض المحطات المختارة، تمثل شرق السودان، وغربه، وشماله، ووسطه.

شكل رقم ( 9  ) متوسط المطر السنوي(ملم) في محطات مختارة في السودان
     للفترة 1981 – 2010م
 
المصدر: هيئة الأرصاد الجوية السودانية  - عمل الباحث 2015م.

 

4- أغزر الأمطار في السودان تهطل من السحب الركامية cu) ) والسحب الركامية المزنية (cb) القادمة من الشرق كما تبدو للناظر إليها. وتتميز هذه السحب بالعواصف الرعدية والبروق، والتي منها البرق المشهور لدي السودانيين بالبرق العبادي الذي لا يخيب كما يعتقدون، أي أن المطر بعده لا محالة هاطل.

5- تلعب مرتفعات الهضبة الإثيوبية دوراً مهماً في توزيع كمية المطر من الشرق إلى الغرب في السودان. ذلك لأن السحب الركامية الممطرة التي تنشأ فوق الهضبة الإثيوبية تتحرك بعد الظهر غرباً، فتسقط أمطار غزيرة في الأجزاء الشرقية من السودان، كما في محطتي الدمازين والقضارف مقارنة بمحطتي نيالا والأبيض في غربه. الشكل رقم (  9).

6- أمطار السودان كثيرة التذبذب من عام لآخر لموسمية الرياح المسببة لها، وزحزحة الضغط المرتفع الآزوري شمالاً وجنوباً مع حركة الشمس الظاهرية بين خط الاستواء ومدار السرطان. وفي حالة تذبذب المطر ونقص كميته من عام لآخر يتسبب ذلك في حدوث نوبات الجفاف التي تكررت على السودان في المواسم 1972م،1983م،2004م و2015م ما يؤدي إلى فشل الموسم الزراعي، وينتج عن ذلك قحط ومجاعة قد تكون عامة ـ تشمل كل السودان كما حدث عامي 1972م و1983م ـ وقد تكون جزئية كما حدث عام 2004م في شرق السودان.

 7- ترتبط بداية موسم المطر وتوزيعه خلال الفصل الممطر على حركة الفاصل المداري (ITCZ). فحركة الفاصل المداري تحدد كمية الأمطار التي تهطل جنوبه، فكلما تقدم شمالاً تقدماً متوازناً كان ذلك مدعاة للتوزيع الجيد للمطر على كل الموسم. وتجدر الإشارة هنا إلى أن تقدمه كثيراً إلى الشمال خارج الحدود السودانية يترتب عليه هطول أمطار غزيرة قد تسبب سيولاً وفيضانات، كما حدث في مدينة الخرطوم عام 1988م.

8- الأمطار في شرق السودان خلافاً لما في باقي أجزائه الأخرى تهطل في فصل الشتاء (نوفمبر- فبراير). تسببها آليات المطر الإعصاري. تنحصر هذه الأمطار في السهل الضيق بين البحر الأحمر وتلاله في السودان. ونشير هنا إلى أن السفوح الغربية للبحر الأحمر تشهد بعض الأمطار الصيفية التي تهطل في أجزاء السودان الأخرى.

التصنيف المناخي في السودان:

    عملية التصنيف المناخي هي عملية تهدف إلى الخروج بنطاقات مناخية متمايزة على سطح الأرض، بحيث يتميَّز كل نطاق مناخي بخاصية أو مجموعة من الخصائص المناخية المحددة التي تميزه عن غيره من النطاقات. لذلك اهتم الجغرافيون بقضية التصنيف المناخي.(عبد الوهاب، 2007.)

    يتوقف المناخ السائد في أي مكان على عوامل مختلفة يؤثر كل منها فيه بشكل خاص، ولكنها جميعاً تعمل متضامنة، بحيث يصعب في كثير من الأحيان أن نـفصل بين الآثار التي تنتج عن أي عامل منها، وبين الآثار التي تنتج عن غيره من العوامل. وهذه العوامل مجتمعة هي التي تجعل لكل مكان فوق سطح الأرض صفات مناخية خاصة، يختلف كثيراً أو قليلاً عن غيره من الأماكن. ويندر أن يوجد مكانان متشابهان في ظروفهما المناخية تمام التشابه من جميع الوجوه. فإن لم يكن هناك فرق في كمية الأمطار فقد يوجد فرق في درجة الحرارة. وإن لم يكن هناك فرق في المعدلين السنويين لهذين العنصرين فقد يكون هناك فرق في توزيعهما على أشهر السنة. فضلا عن الاختلاف في العناصر الأخرى: كالرطوبة، ومقدار الإشعاع الشمسي، واتجاه الريح، وسرعتها...إلخ. فقد تقع مدينتان على خط عرض واحد، ولكن يختلف المناخ فيهما اختلافا كبيراً، ومثالاً لذلك: مدينتا القاهرة وجالفستون، تقعان على خط عرض واحد تقريباً، الأولى على خط عرض 30o شمالاً وتقع الثانية على خط عرض 2914  درجة شمالاً، وعلى الرغم من ذلك فالمناخ في الأولى مناخ قاري لسيطرة اليابس حولها،  أما الثانية فمناخها يتأثر بموقعها الساحلي المتأثر بخليج المكسيك والرياح الرطبة الهابة عليه.

ما الجدوى من التصنيف المناخي؟  لماذا نقسم العالم إلى أقاليم مناخية؟

     اختلفت الآراء حول جدوى التقسيم المناخي، فذهبت مجموعة من الآراء إلى أنه لا فائدة ولا جدوى من التقسيم المناخي، مستندين إلى المقولة المتداولة أنه لا يوجد مكانان يتشابهان تمام التشابه في خصائصهما المناخية. بل ذهبوا لأبعد من ذلك بأنه لكل منزل بل لكل حجرة مناخها الخاص والذي قد يختلف كثيراً أو قليلاً عن غيرها من الحجرات.( التوم،2005).

     ولكن وعلى الرغم هذا الاختلاف والأفكار المعارضة أو المشككة في جدوى تقسيم العالم إلى أقاليم مناخية فإن هناك أسباباً أكاديمية وعملية كثيرة جداً تؤيد وتعضد فكرة التصنيف المناخي، وذلك لتسهيل دراسة المناخ، بجانب النواحي العملية من حيث تحديد: النشاط الزراعي، أو نوع الغَلّة، أو المحصول المعين في المنطقة المناسبة له. وبناء على هذه الأسباب الموضوعية قام كثير من العلماء بتقسيم العالم لأقاليم مناخية. وقد اختلفت المعايير التي استخدمت في التصنيفات المناخية المختلفة. فمن العلماء من اعتمد على متغيِّر واحد ـ مثل درجة الحرارة ـ معياراً أساساً في التفريق بين المناخات المختلفة. ومن أقدم التصنيفات المناخية المبنية على درجة الحرارة وحدها تصنيف الإغريق لنطاقات العالم الحرارية الكبرى (النطاق الحار، النطاق البارد، والنطاق المعتدل) وقد طُوِّر استخدام الحرارة معياراً للتصنيف باستخدام المعدلات الحرارية المختلفة: كالمعدلات السنوية، والمعدلات الشهرية، كما استخدم المدى الحراري السنوي. اعتمد تصنيف غرزنسكي (Gorczynski) على درجة القارية في تحديد الإقليم. ودرجة  القارية هي مقدار التفاوت الحراري السنوي بين أبرد شهور السنة وأكثرها دفئاً، فكلما زاد المدى الحراري السنوي دل ذلك  على معدل مرتفع للقارية، وأن المناخ أكثر تطرفاً، والعكس صحيح. وقد أدخل غرزنسكي بالإضافة للمدى الحراري السنوي درجة عرض المكان ووضع المعادلة التالية:


جدول رقم (2) : قيم حدود درجة قارية المناخ.
 

درجة القارية

طبيعة المناخ

أقل من 30

         بحري

30 – 40

         شبه بحري

40 – 50

         شبه قاري

60 فأكثر

         شديدة القارية


             

 

 

 

 

 

         

 

المصدر: عبد الوهاب، 2007م.
    

       وكذلك من العلماء من استخدم عامل التساقط فقط، أساساً للتقسيم  المناخي، لأن عنصر الحرارة تتشابه فيه أقاليم كثيرة كالمناطق المدارية التي تكون مستويات الحرارة فيها عالية عموماً، ولكن توافر الماء يمثل العامل الحاسم لنمو وازدهار النبات. ومع بروز فكرة استخدام التساقط ـ أساساً للتصنيفات المناخية ـ بدأ الاختلاف حول الأهمية النسبية لمعدلات التساقط، ومن ثم بُدئ باستخدام معدلات القيمة الفعلية للأمطار على أساس أن القيمة الفعلية هي التي تحدد كمية الماء المتوافرة فعلا لنمو النباتات وازدهارها. من أكثر الذين استخدموا ذلك العالم الأمريكي المشهور وثورنثويت الذي وضع تصنيفه المشهور  والذي استخدمه كثير من الباحثين.

    استخدم علماء آخرون متغيرين بدلاً عن متغير واحد، وأشهر هؤلاء  العالم الألماني فلادمير كوبن الذي جمع بين عنصري الحرارة والمطر للأهمية الحيوية لهما مجتمعين على النشاط الحيوي. وهناك مجموعة أخرى من الباحثين استخدمت الكتل الهوائية والرياح أساساً لتقسيم العالم إلى أقاليم مناخية، حيث إن اختلاف درجة حرارة الرياح ورطوبتها هي المسبب الأول لاختلافات الطقس، وبالتالي الاختلافات في المناخ.

وهنالك علماء استخدموا متغيرات أخرى لا يسع المجال لذكرها جميعاً.

    واجهت العلماء في الدراسات المناخية استحالة أن تدرس ظروف كل مكان على حدة دراسة تفصيلية. وكان لا بد من إيجاد تقسيم عام للعالم توضع فيه المناطق التي تتشابه في ظروفها المناخية بصفة عامة تحت قسم أو نوع مناخي واحد، بغض النظر عن الفوارق البسيطة التي تميَّز بعض هذه المناطق عن بعضها الآخر. وبذلك تمكَّن العلماء من تقسيم العالم إلى أقاليم مناخية يتميِّز كل إقليم منها بمظاهر معيَّنة، ويضم  جميع المناطق التي توجد فيها هذه المظاهر.

    هناك شبه إجماع بين علماء المناخ على أن أي تقسيم مناخي يجب أن يعتمد قبل كل شيء على العنصرين الرئيسين من عناصر المناخ وهما: درجة الحرارة، والأمطار وتوزيعها على شهور السنة. لأن هذين العنصرين هما اللذان يتحكمان بصفة عامة في توزيع الحياة النباتية والحيوانية فوق سطح الأرض، كما يتداخلان بطريق مباشر أو غير مباشر في تشكيل مظاهر السطح. فضلاً عن تأثيرهما على بقية عناصر المناخ الأخرى.

وضعت التصنيفات المناخية في ثلاث مجموعات رئيسة هي:

  1. التقسيمات التجريبية: Empirical classifications

وتعتمد هذه التقسيمات على الربط بين المناخ وبين توزيع الأشكال البيئية الرئيسة، مثل: النبات الطبيعي، والتربة، ومن أمثلتها تقسيم كوبن، ثورنثويت تريوراثا. المهم في هذه التقسيمات هو أن تتضمن أقساماً مناخية متشابهة في ظروفها البيئية المرتبطة بالمناخ دون الاهتمام كثيراً بالعوامل التي تتدخل في تشكيل مناخها نفسه (شريح،1967).  ومن أشهر هذه التصنيفات تصنيف كوبن 1900م وعدله 1918م ثم أدخل عليه تعديلات طفيفة سنة 1936م، وكذلك من أشهر هذه التصنيفات تصنيف ثورنثويت 1948م.

  1.  التقسيمات الأصولية: Genetic classifications

تراعي هذه التقسيمات العوامل التي تدخل في تشكيل المناخ نفسه، مثل: الموقع الفلكي، والموقع الجغرافي، ومناطق الضغط الجوي العامة، والكتل الهوائية. من هذه التقسيمات تقسيم تيرجونج Terjung وتقسيم أوليفر Oliver

  1. التقسيمات البشرية :  وفيها يراعى تأثير المناخ على حياة الإنسان ونشاطه، مثل شعوره  بالضيق، أو بالراحة، أو قدرته على العمل وبذل الجهد. هذه التقسيمات قليلة الاستخدام مقارنة بسابقتيها، وتستخدم على نطاق ضيق في مناطق معينة.

         كانت تلك صورة مجملة عن التصنيف المناخي: ماهيته، وأغراضه وأشهر أنواعه، كان لا بد من ذكرها،  لأنها تمثل الكل الذي منه يأتي الجزء وهو التصنيف المناخي لمناخ السودان. تجدر الإشارة إلى أن باحثين كثر حاولوا تصنيف السودان وتقسيمه لأقاليم مناخية. من أشهر التصنيفات المناخية التي طبقت على السودان: تصنيف فلادمير كوبن، وتصنيف ثورنثويت الذي أقترحه 1948. فقد نال هذان التصنيفان شهرة واسعة بين الباحثين، وطبقه كثير منهم على مستوى العالم، كما طبق في السودان.


الجدول رقم ( 3 ) أقاليم كوبن المناخية.


    المصدر : التوم ،  2005م.

ومن الباحثين الذين حاولوا تقسيم السودان لأقاليم مناخية مستخدمين معايير مختلفة، نذكر منهم:

  1. ايرلاند Ireland  1948 استخدم دوائر العرض لتقسيم السودان وقسمه لثلاثة أقاليم مناخية.

  2. باربر K.m Barbour 1961 طبق باربر تصنيف كوبن. وبناء على هذا التصنيف توصل إلى أن المناطق الجافة وشبه الجافة  تمثل ثلثي مساحة السودان. بجانب ذلك قسم باربر السودان لأقاليم مناخية حسب فصول السنة في السودان كما في الشكل(10).

شكل رقم (10) الأقاليم المناخية – باربر 1961
 
               المصدر : عمل الباحث بتصرف، باربر 1961م.

 
    قام يوسف فايد بتقسيم السودان لأقاليم مناخية مستنداً على نظام بيلي 1965 Bailey  وقسم السودان إلى خمسة أقاليم كما في الشكل رقم (11).


شكل رقم (11) أقاليم السودان المناخية حسب تصنيف حسب نظام بيلي 1965م.
 
المصدر: عمل الباحث بتصرف استناداً على تقسيم فايد 1965م.

    استخدم باباداكز 1971 معدلات الأمطار الشهرية والتبخر الأقصى (الموازنة المائية) وتوصل لتقسيم السودان لخمسة أقاليم مناخية كما في الشكل (12).


شكل رقم(12) : تقسيم السودان لأقاليم مناخية باستخدام الموازنة المائية
 
     المصدر : عمل الباحث بتصرف، باباداكز 1971م.

    حاول صديق أحمد عوض الله1981م تقسيم السودان لأقاليم مناخية مستخدماً معادلة بنمان Penman.  فقسم عوض الله السودان  لخمسة أقاليم مناخية كما في الشكل رقم(13).
شكل رقم (13) : أقاليم السودان المناخية حسب عوض الله 1981
 

    المصدر : عمل الباحث بتصرف، عوض الله 1981م.
    واستناداً على تصنيفي كوبن وثورنثويت أورد بروفسير مهدي أمين التوم 2005 تقسيم السودان لأقاليم مناخية كما في الشكل رقم (14).


شكل رقم (14) أقاليم السودان المناخية
 

                   (14-أ)

                   (14-ب)
المصدر: عمل الباحث، بتصرف، التوم، 2010م.
    في سنة 1978 قامت المنظمة العربية للتنمية الزراعية بتقسيم الوطن العربي لأقاليم مناخية وضمن ذلك التصنيف قسم السودان لأقاليم محددة. طوَّر حسين آدم 1990م ذلك التصنيف مستخدماً معامل سليانوف الروسي وقام بتعديل الحدود بين الأقاليم المناخية لتناسب ظروف السودان الحرارية.
معامل سليانوف =  ((ملم)السنوية الأمطار)/( م10 فوق السنوية المجتمعة الحرارة) 
وباستخدام هذه المعادلة قسم حسين آدم السودان إلى سبعة أقاليم مناخية كما في الشكل (15).
شكل رقم (15): أقاليم السودان المناخية – حسين آدم، 1978م.
 



المصدر: عمل الباحث بتصرف، آدم 1990.
     
بالنظر إلى تصنيف مناخ السودان وتقسيمه إلى أقاليم مناخية ـ حسب التصنيفات المشهورة المستخدمة عند الباحثين ـ يتضح لنا أن تلك الأقاليم المناخية تتفق في صفات عامة نوجزها في الآتي :
    الامتداد في شكل عرضي على نطاق السودان، وأن معظمها يمتد من الشرق إلى الغرب بشكل عام.
    الرطوبة تتناقص باتجاه الشمال، تبدأ بالأقاليم الرطبة بالجنوب، وتنهي بالأقاليم الجافة في شمال السودان، وذلك حسب توزيع وتدرج المطر في السودان بالزيادة من الجنوب إلي الشمال.
    باستعراض التصنيفات المستخدمة لتصنيف المناخ بالسودان فإن معظم التصنيفات المناخية التي طبقت على السودان هي تصنيفات تجريبية، والسبب الأقرب هو أن هذه التصنيفات ـ أي التجريبية ـ هي الأكثر شهرة والأوسع تطبيقاً على مستوى العالم.
     إن تطبيق هذه التصنيفات وبهذه الكثرة في السودان ربما يرجع إلى أن السودان بلد زراعي، وتطبيق هذه التصنيفات هو الأفيد في الزراعة، التي تمثل النشاط البشري الأول. بالإضافة إلى ذلك تعتمد تلك التصنيفات على الموازنة المائية وتحديد الرطوبة، وهما عاملان حاسمان في موضوع الزراعة في السودان بكل أنماطها
 

المراجع:

1/التوم مهدي أمين (1974) مناخ السودان، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة.
2/ التوم: مهدي أمين (2005) المناخ، برنامج التربية جامعة السودان المفتوحة، الطبعة الأولى، منشورات جامعة السودان المفتوحة.
3/ التوم وعبد الرحمن، مهدي أمين وبابكر عبد الله، جغرافية السودان الطبيعية والبشرية، برنامج التربية جوانب من جغرافية السودان الطبيعية والبشرية.
4/ شرف: عبد العزيز طريح () الجغرافيا المناخية والنباتية مع التطبيق على مناخ إفريقيا والعالم العربي، الطبعة الحادية عشر، دار المعرفة الجامعية – الإسكندرية.
5/ عبد الوهاب: سامح(2007) أسس الجغرافيا المناخية المعاصرة، دار المعرفة للتنمية البشرية – الرياض.
6/ عوض الله، صديق أحمد،1981م، بعض أوجه المناخ الزراعي – ورقة عمل مقدمة حول التدهور البيئي بالقضارف – معهد الدراسات البيئية جامعة الخرطوم.
7/ فايد، يوسف عبد الحميد(1989) جغرافية المناخ والنبات، دار النهضة العربية،بيروت.
8/ مزمل عثمان سعيد (2010) أثر عوامل المناخ على إنتاج الفواكة والقمح في الولاية الشمالية – دراسة مناخية تطبيقية - رسالة ماجستير غير منشورة – جامعة الخرطوم.
9/ موسى: علي حسن (2014) أساسيات علم المناخ، دار الفكر المعاصر، بيروت.
المراجع باللغة  الأجنبية :
 1 - Abd alla: Mohammed Kabbashi: 1993.  The climate of the red sea area Sudan un published M.A. Thesis, university of Khartoum.
2- Abd alla: Mohammed Kabbashi(1998) dust storms and their environmental hazards in the Gash and Tokar area. Eastern Sudan.  APH. un published Thesis, university of Khartoum.
3- K.M. Barbour (1961) the Republic of Sudan, Regional Geography. University of London press LTD  Warwick square, London E.C.4.
 

أضف تعليقاً

0 تعليقات